( سورتا القدر والدخان تشيدان بليلة القدر وتشيران إلى بركة القرآن )

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 574
( سورتا القدر والدخان تشيدان بليلة القدر وتشيران إلى بركة القرآن )

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( سورتا القدر والدخان تشيدان بليلة القدر وتشيران إلى بركة القرآن )

 

]  إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ % وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ % لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ % تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ % سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [ القدر (1-5)

يتأهب عشرات الملايين من الأمة لإحياء ليلة السابع والعشرين من رمضان؛ اعتقاداً منهم أنها ليلة القدر، والصحيح أنها في الوتر من العشر الأواخر، وكونها في السبع الأخيرة أرجح من تبكيرها في ليلة الحادي والعشرين، كما أن المرجح أنها متنقلة بين الأوتار، غير أنه لا يملك أحدٌ أن يجزم بإدراكها إلا إذا أحيا العشر كلَّها؛ فقد يقع خطأٌ في رؤية الهلال، فتكون الليالي الشفع هي الوترَ في الواقع، ومن هنا فقد حرص نبيُّنا على اعتكافها، ولم يكن له فراشٌ بالليل، حتى لا تضيع دقيقة في غير طاعة.

ومن المعلوم أن حديث القرآن عن ليلة القدر قد جاء صريحاً في موضعين، الأول منهما في صدر سورة الدخان، والثاني هنا في سورة القَدْر، والظاهر أن سورة الدخان قد نزلت أولاً؛ لأن الحديث فيها جاء مجملاً عن فضائل هذه الليلة، بينما تكفلتْ سورة القدر بشيءٍ من التفصيل.

فقد بدأت الأولى بعد الحروف المقطعة (حم) بالقَسَم بالقرآن بوصفه الكتابَ المبين، فقد نزل تِبْياناً لكل شيءٍ، كما نزل مُفَصَّلاً، أو تفصيلاً لكل شيءٍ نحتاجه في رسالة العبودية، ووظيفة الخلافة، أو إعمار الأرض، وإصلاحها، وعدم اتباع سبيل المفسدين.

وكان القَسَمُ بالقرآن على أن الله جل وعلا قد أنزله في ليلةٍ مباركة، ولم يحدد هناك ما هي الليلة المقصودة، ولا ما هي بركتها، ثم جاء هنا فأكَّد نزول القرآن في ليلة القدر، فَعَيَّنَ بذلك المقصود بالليلة دون الحاجة إلى القسم؛ لأن الظاهر أنها سورةٌ مدنية، فيكون المخاطبون بها هم المؤمنين، فلا يحتاجون إلى اليمين، ومما يرجح ذلك أن وجوه البركة هنا تجيء في سياق الإغراء بإحيائها، والمؤمنون هم الذين ينتفعون بمثل هذا التحريض، لا سيما وأن سورة القدر قد جاءت بعد سورة العلق، تلك التي انتهتْ بقوله سبحانه:(وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الآية (19)، فصار المعنى: أَكْثِرْ من السجود في ليلة القدر؛ لتفوز بالقرب والزلفى من الله أولاً، ثم من منزلة نبِّينا محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة ثانياً.

ولعل المناسبة بين سورتي العلق والقدر هي أن الأولى قد تضمنت الآيات الخمس التي نزلت على محمدٍ صلى الله عليه وسلم تخبره بالنبوة، وتأمره بالقراءة باسم الله، ومع الله الأكرم الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، أما الثانية فقد أكدت أن الظرف الذي تنزلت فيه تلك الآيات هو ليلة القدر، وقد أراد ربنا تبارك وتعالى أن يَشُدَّ انتباهنا إلى عظيم قدر القرآن المبارك، حين اختار له الليلة المباركة لتشهد بداية النزول، وحجر الأساس، وميلاد خير أمة أُخرجت للناس.

أما بركة هذه الليلة فهي شيءٌ عظيم، قد دَلَّنا على عُلُوِّ قدرها التساؤل في قوله تعالى:(وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟)؛ إذِ الظاهر أن بركتها فوق الإدراك، لكنْ قد جَرَتْ عادة القرآن إذا عبَّر بالفعل الماضي في نفي الإدراك أن يكشف عن طَرَفٍ من نبأ تلك القضايا الضخمة، بينما حين يُعَبِّرُ بالمضارع يستأثر بعلمها؛ كقوله تعالى:(وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) الشورى (17)، فإن علم الساعة من مفاتح الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا هو، ولا يُجَلِّيها لوقتها إلا هو.

أما ما كشفه هنا من أسرارها الغيبية، وهو إحدى بركاتها الكبرى، فهو ما جاء في قوله سبحانه:(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)، والمقصود أن ثواب العبادة فيها خير من ثواب الطاعة في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر، وهل الأَلْفُ هنا نصٌّ عددي مقصود، أم هي للمبالغة ومطلق المضاعفة، والمقصود أنها خيرٌ من آلاف الشهور؟ قيل بهذا، وقيل بذاك، وقد استدل للرأي الثاني بقوله تعالى عن اليهود:(...يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ...) البقرة (96)، فهل لو عُرِضَ على اليهودي أن يعمر ألفين أو ثلاثاً سيرفض؟!.

ولو اقتصرنا على التأويل الأول؛ فإن ثواب الطاعة في ليلة القدر شيءٌ خيالي؛ فمن ذا الذي يطيع ربَّه، فلا يعصيه بعد البلوغ مدة ثلاثة وثمانين عاماً وأربعة أشهر، إلا إذا ناهز المائة دون أن يُرَدَّ إلى أرذل العمر، فلا يعلم من بعد علمٍ شيئا؟!!.

وقد ندهش إذا علمنا أن المقارنة هنا بين ثواب العبادة فيها وثواب الجهاد في غيرها؛ فكيف إذا كان الإحياء لها رباطاً ومقاومة، فإن رباط يوم في سبيل الله خير من عبادة سنةٍ في الأيام العادية، فإذا وافق ذلك ليلة القدر كان خيراً من ثلاثين ألف سنة، فقد جاء في الحديث أن رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح ألف شهر، فنظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى أمته، فتقاصر أعمارها، وتقالَّ أعمالها، فأعطاه الله جل وعلا ليلة القدر، وجعل العبادة فيها خيراً من جهاد السابقين ألف شهر.

ولعل السِّرَّ في تكرار ليلة القدر ثلاث مراتٍ في سورة قصيرة هو الإشادة بها، وشَدُّ الانتباه إليها، وقد جرت العادة أن يكتفي بالإضمار بعد الإظهار للإيجاز والاختصار، بينما ذهب بعض العلماء إلى الاستئناس بهذا التكرار في الجزم بأن ليلة السابع والعشرين هي ليلة القدر؛ بسبب أنها مكونة من تسعة حروف، فإذا ضُرِبَتْ في عدد تكرارها ثلاثاً كانت سبعاً وعشرين، كما استأنس بعضهم بكونها كذلك حين وجد سورة القدر ثلاثين كلمة، وقد جاء الضمير (هي) في الآية الأخيرة منها، وكان ترتيبها السابع والعشرين، ولله في كتابه أسرار لا تحصى كثرة.

ثم أخبر أن من بركاتها أن تتنزل الملائكة إلى الأرض والروح فيها؛ أيْ بمعية جبريل، ولا غرابة في ذلك، فقد تَنَزَّلَ فيها جبريل أول مرةٍ بصدر سورة العلق على رسولنا عليه الصلاة والسلام، فلا يزال يتنزل على المؤمنين، وقد دلَّ على الاستمرارية التعبير بالفعل المضارع، ولما كانت الملائكة لا تتنزل إلا بأمر ربك، فقد أخبر هنا أن نزولهم وصعودهم مراتٍ عديدةً في هذه الليلة قد جاء بإذن ربهم، كما جاء لتحقيق أمور لا تحصى كثرة، وهي المعبَّر عنها بقوله:(بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)، سواء أريد بها الأوامر والتكاليف، أو الأمور والمقادير، فقد تضمنت سورة الدخان النوعين في قوله تعالى:(فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ % أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا...) الآيتان (4،5)، إِذِ الظاهر أن الأول هو القَدَري، والثاني هو الشرعي.

ومعنى ذلك أن ليلة القدر تشهد اطِّلاع الملائكة على أقدار العام المقبل كاملاً؛ إذْ تفصل تلك المقادير من اللوح المحفوظ، ويدفع إلى كل ملكٍ ما هو موكَّلٌ به من الأحداث التي كَتَبَ الله وقوعها في ذلك العام.

وإن مما جرى فصله من القرآن المجيد، الذي هو في لوحٍ محفوظ، تلك الآيات من سورة العلق التي فتحت الباب لنزول القرآن مُنَجَّماً في ثلاث وعشرين سنة.

وأما الآية الأخيرة:(سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) فمعناها أن الله عز وجل لا يُقَدِّرُ في هذه الليلة إلا السلام والخير، فلا يكتب الشرور والآفات، أو أن الملائكة لا تتنزل فيها إلا بالخيرات والبركات، بينما تتنزل في غيرها بالهلاك والآفات، كما في قوله تعالى من سورة الحجر:(مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ) الآية (8)، أي فلا يُمهلون إذا جاءتهم الملائكة بصاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود.

وقد أفاد قوله:(حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) أن بركة تلك الليلة لا تقتصر على بعض ساعاتها، بل تمتدُّ من الغروب إلى أذان الفجر عندما يتنفس الصبح.

لذلك فإنني أنصح لنفسي ولإخوتي المؤمنين أن نستثمر العشر الأواخر، ونزداد من الطاعات والصدقات فيما بقي منها، وأن نستعدَّ لذلك بقيلولة النهار، مع النهوض للصلاة الوسطى، وعدم إرهاق الجسد بالنهار، مع التقليل من الطعام عند الإفطار، وترك المعاصي والآثام، والحرص على القيام الجماعي، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وذئابُنا هي شياطين الإنس والجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً.

 

والله من ورائهم محيط

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .