( هل هو شططٌ في الفِكر أم وَكْرٌ للمكر حين يَقْتُلُ زعيمُه زميلَه وينتحر )

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 691
( هل هو شططٌ في الفِكر أم وَكْرٌ للمكر حين يَقْتُلُ زعيمُه زميلَه وينتحر )

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( هل هو شططٌ في الفِكر أم وَكْرٌ للمكر حين يَقْتُلُ زعيمُه زميلَه وينتحر )

 

]  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [

(آل عمران: 118 )

عادت قضية الفكر التكفيري المتشدد تطرح نفسها على المشهد الغزِّي على أثر اختطاف المتضامن الإيطالي (فيكتور أريغوني)، وخَنْقِهِ في ساعاتٍ معدودات، وهناك إجماع عام أن ما حدث يُعَدُّ جريمةً مركبة؛ بدءاً بالعدوان على نفس معصومة بعقد الأمان الممنوح له من خلال تأشيرة الدخول؛ إذْ لم يَلِجْ إلينا على حين غفلة من أهلها، إنما أتى البيوت من أبوابها، ثم إنه قد قَدِمَ متضامناً معنا ضِدَّ الحصار، وضد العدوان، وأقام بين ظهرانينا حيناً من الدهر، فأغاظ أعداء الله وأعداءنا، فكان بحقٍّ ضيفاً عندنا، وإن حاجتنا إليه، وإلى أمثاله، أعظم من حاجتهم إلينا، وقد لا يكون لبعضهم حاجة إلَّا المغرم، عندما يُعَطِّلون أعمالهم، ويَتَجَشَّمون أعباء الزيارة، ووعثاء السفر، وكآبة المنظر، ثم يتعرضون لملاحقة اليهود الذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، ثم إن تلك الجريمة موجهة إلى الحكومة المسؤولة عن الأمن في القطاع؛ للإيهام بأن الأمن هنا فِرْية وادِّعاء، وأن الحال في غزة لا يختلف كثيراً عنه في  الضفة، إنْ لم يكن أسوأ منه؛ فإن الأعاجم فيه يُخْتَطَفُون ويُقْتَلُون؛ بينما تقوم سلطة الضفة بإرجاع الصهاينة آمنين، أولئك الذين يزعمون أنهم قد ضَلُّوا الطريق، فدخلوا بعض المدن الفلسطينية، ومَنْ يدري فلعلهم يدخلون للتنسيق الأمني، والإشراف المباشر على عمليات الاعتقال والتحقيق مع المعارضة وأبناء حماس، حتى إذا تَفَطَّنَ لهم بعض الناس، زعم القوم أن التيه هو الذي قادهم إلى ديارنا، وأن الاتفاقات تقضي أَلَّا نَمَسَّهم بأذى، وأن نُبْلِغَهم مَأْمَنَهم، وليس من قبيل الفكاهة أن يتجنَّد بعض أفراد أجهزة دايتون للبحث عن كلاب يهودية يفتقدها أصحابها، ويكون لأولئك الأجناد فضل التهدئة من روعهم، وجَمْعُ شملهم بكلابهم الآبقة في زمنٍ قياسي.

إن الصورة التي انتهت إليها تلك المجموعة تدفعنا إلى القبول بترجيح أننا أمام ظاهرة اختراق أمني، وليس أمام فكرٍ متنطع، ولا اجتهادٍ منحرف، إذْ لو كان كبيرهم ذا وازعٍ دينيٍّ، وعنده أثارة من فقهٍ؛ لما أقدم على قتل زميليه، فَسَلِمَ أحدهما، وقُتِلَ الآخر، ثم قام بوضع مسدسه في دماغه، فخرجت الرصاصة من الشقِّ الآخر، وانتحر من فَوْرِه، فهل أراد بذلك أن يَئِدَ سِرَّاً أراد الله كشفه، أم أراد أن يقيم الدليل على انتفاء الفقه عنده والإيمان؛ فإنه لا ييأس من رَوْحِ الله إلا القوم الكافرون، ولا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون؟!!.

أما آية المقال فقد نزلت في شأن بعض المنافقين؛ بدليل ما جاء في الآية التالية لها: " وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ " الآية (119).

 وقد اختلف فيها المفسرون؛ هل تتحدث عن منافقي العرب، أو منافقي اليهود؛ نظراً لأن السياق العام هنا منهمكٌ في التحذير منهم، وسواءٌ كانوا هوداً أو عرباً، فالنفاق ملة واحدة، وإن المنافقين كانوا إخوان الشياطين، وقد نَعَتَ الله اليهود بذلك؛ فإنهم شياطين الإنس، وهم المقصودون بقوله تعالى عن المنافقين:

" وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ " البقرة (14).

إن آية المقال تنادي المؤمنين لتذكرهم ببعض مقتضيات الإيمان متجسداً في النهي عن اتخاذ بطانةٍ ممن هم دونهم في المنهج والوسيلة، ذلك أن بعض الصحابة كان على صلة بأولئك المنافقين في الجاهلية، وبقي محافظاً على صداقتهم في الإسلام، خاصة وأنهم قد تظاهروا باعتناقه والدخول فيه، وقد كان من نتيجة ذلك أن يُفْضُوا إليهم ببعض الأسرار والأخبار، وهذا بعض مفهوم البطانة؛ إذْ هي في الأصل بطانة الثوب، وهي الحشوة الداخلية، وقد استعير لمن نُفْشِي إليهم بما حَقُّهُ أن يكتم عنهم؛ فإنهم بذلك مطلعون على دخائلنا، فكأنهم صاروا كبطانة الثوب الأقرب إلى الصدر والقلب؛ فتطلع على ما استقَّر فيه من الأنباء التي يَسُوؤُنا انكشافها، واطلاع أعدائنا عليها.

فهم ابتداءً لا يألونكم خَبالاً، ولا يقصرون في إفساد ذات بينكم، كما جاء في سورة التوبة: " لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ " الآية (47)

وأما الصفة الثانية فقد تَمَنَّوْا لكم كل مشقةٍ وعَنَتٍ؛ لأن ذلك يسرهم؛ فإنكم إن تمسسْكم حسنة تَسُؤْهم، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها، كما في سياق آية المقال في الآية (120).

وأما الصفة الثالثة فقد بدت البغضاء من أفواههم؛ ذلك أنهم لا يتورعون أن يلصقوا بكم أقبح الصفات، وإن ذلك أثرٌ لما يغلي في قلوبهم من الحقد؛ فإن ما تخفى صدورهم أكبرُ مما أفلتَ على ألسنتهم، وهذه هي الصفة الرابعة.

وقد ختم الآية بأن بيان هذه الآيات أو الصفات في تلك الطائفة كافٍ في التنفير من الإفضاء إليهم بمكنونات الصدور، حتى لكأنهم بطانة داخلية لِأَرْدِيَتِنا وسَرابِيلنا، ولكن هذا النهي أو النصح إنما تنتفعون به لو كنتم تعقلون، ومَنْ لم يكن كذلك ظلَّ مخدوعاً بنفاقهم، يلقي إليهم بالأسرار، دون أن يدرك ما وراءها من الأخطار.

ولعله من المناسب أن أُكْمِلَ رَسْمَ المشهد في السياق، واستقصاء ما تبقى من الصفات لأولئك الغادرين، ومنها أن المؤمنين من طيب قلوبهم، واستمرار انخداعهم بهم، يحبون أولئك المنافقين من طرفٍ واحد؛ فإن القوم لا يحبونكم، بل يبغضونكم، مع أنكم تؤمنون بالكتاب كله، فنحن  لا نفرق بين أحدٍ من رسل ربنا، ونؤمن بما أُنزل عليهم من الكتب والأسفار في الجملة، وهذه الجملة بمثابة الاعتذار للمؤمنين عما صدر منهم من  المحبة تلقاء تلك البطانة، إذْ هم أهل كتاب – على القول بأن الآيات تتحدث عن منافقي اليهود- بينما لا يؤمن أولئك المنافقون بكتابنا، فهم يقولون: نؤمن بما أُنزل علينا، ويكفرون بما وراءه، وهو الحق مصدقاً لما معهم.

وأما الصفة التي تليها فَتَصِمُهم بالنفاق البَيِّن، فهم إذا لقوكم قالوا آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض عَضُّوا عليكم الأنامل من الغيظ؛ فإن صدورهم ممتلئة بالحقد والحسد، وبالعداوة والبغضاء.

وقد ختم الآية بالدعاء عليهم أن يموتوا بغيظهم، فلا يُشافِيهمُ الله منه، وهي كناية عن استمرارهم على ذلك حتى الممات، فلا أمل في شفائهم أبداً، وحسبنا أن الله عليم بذات الصدور، فهو يعلم ما تخفيه من البغضاء، وما تنطوي عليه من الغيظ، إذْ يكادون يَسْطُون بكم لو استطاعوا، غير أن الله خيرٌ حافظاً، وهو أرحم الراحمين.

فإذا جئنا لتنزيل هذه الآيات على المجموعات التكفيرية التي تزعم أنها على الصواب، وأن الناس وحركة حماس في حكم المرتدين، بما أنهم لا يقيمون الحدود، ولا يجلدون الظهور، ويسكتون على مظاهر الفجور، وغير ذلك مما ينقمون وينكرون، خاصة سياسة التدرج في تطبيق الشريعة؛ إنهم لانتحالهم صفات الخوارج الأولين يصبحون ممن هم دونكم في  فهم الإسلام، ووسائل تطبيقه، ونظراً لاقتناعهم برِدِّتكم، فإنهم لا يقصرون فيما يفسد أحوالكم الداخلية، أو يجلب عليكم المتاعب الخارجية، ولا شكَّ أن الإقدام على قتل المتضامن الإيطالي قد أزعجنا داخلياً، وأحرجنا خارجياً، ولولا أن سرعة الكشف عن تلك الخلية، وإنهاء أمرها بالكلية، قد قَلَبَ السحر على الساحر، ولم يكن شراً لكم؛ بل هو خيرٌ لكم، فإن أَسْهُمَ الحكومة، وقدراتها الأمنيةَ، قد  زادتْ من الثقة لدى الشعب الفلسطيني، والمتضامنين الأجانب، في أن العبث بأمن غزة ليس هيناً، ولا يستطيع المتربصون بنا الدوائر إليه حيلةً، ولا يهتدون سبيلاً، ويكفي أن والدة المغدور قد قَرَّرتْ أن تأتي متضامنة على مَتْنِ أسطول الحرية الثاني الذي يتأهب للتوجه تلقاء القطاع، ومعها المزيد من المتضامنين والمتضامنات.

وأما ما بدا من البغضاء من أفواههم فحسبنا اتهامهم لنا بالردة، والركون إلى الكراسي، والتخلي عن الشريعة، ومنع المقاومة، والمعزوفة تطول، وإنَّ ما تخفي صدورهم أكبر؛ كالتقرب إلى الله بقتلنا، واغتنام أموالنا، وربما سَبْيُ كذلك.

ولا مِرْيَةَ في أن المنخدعين بهم يحبونهم، وأولئك الحاقدون لا يحبونهم، رغم ما يصدر منهم من النفاق بادعاء المحبة في حضورهم، فإذا غابوا عَضُّوا عليهم الأنامل من الغيظ، ولا أمل في جلاء ذلك الصَّدَأِ من نفوسهم إلى أن يموتوا بغيظهم.

 إن هذه الجريمة توجب علينا أن نُنْفِقَ مالاً لُبَدَاً، وأن نبذل جهوداً كبيرة في تحصين الجيل من فكر التكفير، وفي تطهير المتلوثين به حواراً بالتي  هي أحسن، وفي عَزْلِ الذين يركبون رؤوسهم حتى يفيئوا إلى أمر الله.

 

وحسبنا الله ونعم الوكيل

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .