( لا بُطولةَ في قَتْل المستأمِنين بل هي بَطالةٌ في فَتْلِ المبطلين )

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 528
( لا بُطولةَ في قَتْل المستأمِنين بل هي بَطالةٌ في فَتْلِ المبطلين )

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( لا بُطولةَ في قَتْل المستأمِنين بل هي بَطالةٌ في فَتْلِ المبطلين )

 

]  وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ [

(التوبة: 6 )

استيقظت غزة فجر الجمعة الماضية على فاجعةٍ كبيرة، ليس لأن مَنْ قتل نفساً بغير نفس، أو فساد في الأرض؛ فكأنما قتل الناس جميعاً، ولكنْ لأن ذلك القتل كان باسم الإسلام، ذلك أن التكفيريين يعتقدون أن جميع الكفار مهدرةٌ دماؤهم، مستباحةٌ أموالهم، لا يُفَرِّقون في ذلك بين الحربيين والمستأمنين، سواءٌ كان ذلك بعقد هدنةٍ أو أمان.

إن أثر تلك الجريمة ليس قاصراً على تنفير غير المسلمين من الإقبال على الإسلام؛ بل إن آثارها الواقعية علينا في قطاع غزة كبيرة وكثيرة، فنحن محاصرون منذ ما يزيد على أربع سنين، وقد استطاعت قوافل التضامن معنا أن تكسر الحصار البريَّ إلى حدٍّ كبير؛ ذلك أن الأسطول الأول، وإنْ تناوله الصهاينة بالبطش، إلا أنه أوقعهم في حرجٍ سياسي وقانوني كبير، ولئن أقدموا على ارتكاب نفس الجريمة تارة أخرى فسوف تكون عواقبها أشدَّ وأنكى، لذلك فإنهم يُبَيِّتُون الاكتفاء بتفتيشها، ولو بِطَرَفٍ ثالث، والسماح لها بالمرور، فلا رَفْضَ عندهم على السلع والمساعدات؛ إلا أن تكون حَلَقَةً وسلاحاً.

إن الظاهر أن كل الجهود الدبلوماسية المضنية لعرقلة تحرك أسطول الحرية الجديد قد باءت بالفشل، ولا زال قادة الصهاينة في حيرةٍ من أمرهم، لذلك فقد جاءت عملية الغدر للصحفي الإيطالي هدية ثمينة، سواء كانت من صنيعهم، أو كانت لهم يَدٌ فيها، أو وقعت على حين غفلةٍ منهم، وأنا لا أنفي أحد الاحتمالين الأولين، بينما لو أحسنتُ الظنَّ في فاعلها خِلْتُ أنهم من حُدثاء الأسنان سفهاء الأحلام الذين جاء وصفهم في صحيح البخاري وغيره، من أن أحدكم يحقر صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يَمْرُقُونَ من الدين كما يمرق السهم من الرمية، أيْ لا يُرَى أثر الدين في سلوكهم وأخلاقهم، كما لا يُرى أثر الدم على السهم عندما يخترق الجسد بسرعةٍ فائقة قبل أن تنفجر العروق.

ومن المعروف في علم الجريمة؛ أنك إذا أردت أن تعرف المقترف لها فابحث عن المستفيد منها، ولا شك أن الصهاينة هم أول المستفيدين، ولا أستهجن أن يكون لسلطة أبي مازن، وفصيلها الذي يؤويها يَدٌ في ذلك، فقد فشلتْ كلُّ جهودهم في تجديد الفلتان في قطاع غزة، لا بالمؤامرة المأجورة بمليون دولار في ثورة الفيس بوك، ولا باستغلال ذكرى يوم الأرض، وهم يرون أن الثورات العربية قد أفقدتهم حلفاءَ كباراً في تسويق الاحتلال في المنطقة، وتصفية القضية الفلسطينية، فليس من المستهجن أن يكونوا قد جَنَّدوا أولئك الجهولين لهذه المهمة القذرة، والأيام كفيلة بكشف المستور، ومهما تدارأ الفرقاء فيها؛ فإن الله مُخْرِجٌ ما كانوا يكتمون.

أما هذه الآية فهي تفتح الباب، وتعلن الترحاب بالراغبين في المجيء إلينا من غير المسلمين، مهما كان الدافع لذلك مباحاً؛ إذْ يكفي عند الفقهاء في استحباب الإذن لهم بالدخول أن يغلب على ظننا انتفاء ضررهم، ولو لم تظهر لنا مصلحة في ذلك، وعلينا  أن نستثمر وجودهم بين ظهرانينا في استمالة قلوبهم للإسلام، سواء كانوا قد دخلوا ديارنا؛ ليسمعوا كلام الله، أو لغير ذلك من المقاصد، ويكفي أن يَرَوْا أخلاقنا في المعاملة، وكَرَمَنا في الضيافة، حين نكون خيرَ المُنْزِلين.

إن الذي يطلب جوارنا -ولو مؤقتاً- يُوَفِّرُ علينا من الوقت والجهد والمال الشيءَ الكثير؛ لأن من واجبنا – ونحن خير أمةٍ أُخْرِجَتْ للناس؛ لتكونوا شهداء على الناس-؛ أن نَشُدَّ الرحال إليهم؛ لِنصلَ بالدعوة إلى أَقاصي الدنيا، حتى ننقذهم – بفضل الله ورحمته- من نارٍ هُمْ على شفا حفرةٍ منها؛ فضلاً عن إخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن الشقاء إلى الرحمة، ومن الجور والعبودية واتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، إلى الحرية في العبودية لله وحده، فيكون  مثلهم كرجلٍ سَلَمٍ لرجل، لا كرجلٍ فيه شركاءُ متشاكسون.

إن هذا الحكم يقطع حجة المشركين أن يقولوا: قد كنا متخوفين من القتل لو أتينا محمداً عليه الصلاة والسلام؛ لنعرف الإسلام، ثم نَلِجَ فيه؛ فإنهم قومٌ لا يعلمون حقيقة ربِّهم، وما وجب له من الطاعة، كما لا يفقهون حقيقة هذا الدين، فقد أُعْطُوا هذه الفرصة معذرةً إلى ربكم، ولعلهم يتقون، وإنْ يريدوا أن يخدعوك فإن حَسْبَكَ الله، وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل، فأمكن منهم.

وقد نهى الله جل جلاله أن يحملنا شنئان قومٍ بسبب عدوانهم السابق أن نعتدي عليهم لو أعطيناهم الأمان؛ بل أمرنا أن نَبَرَّهم، ونقسط إليهم، ما داموا لم يعتدوا علينا، قال سبحانه:

"لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " الممتحنة (8)

إنما النهي عن الحربيين الذين وقع منهم الاعتداء، أو كان متوقعاً، بأن رفضوا الإسلام، والذمة، والهدنة، وكانوا ممن ظاهر أعداءنا علينا، فهؤلاء هم الذين نُشَرِّدُ بهم مَنْ خلفهم، ونجعلهم نكالاً لما بين أيديهم وما خلفهم، ونقعد لهم كلَّ مرصد.

إن الإسلام قد جعل المؤمنين متكافئين في الدماء، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يَدٌ على مَنْ سواهم، لذلك فقد جاز لآحاد المسلمين أن يعطي الأمان لفردٍ، أو لعددٍ محدودٍ من غير المسلمين، بما لا يعطل الجهاد في سبيل الله؛ فإنْ مَنَحَه لعددٍ كبير، أو لأهل حصنٍ أو مدينة؛ كان موقوفاً على إجازة الحاكم، أو القائد في السرايا والغزوات، ومتى نال المشركون الأمان الشرعيَّ لم يحلَّ لأحدٍ من المسلمين أن يؤذيهم في نفس أو مال؛ فضلاً عن القتل والقتال؛ إلا بحقها، وهي أن يأتوا من المخالفات، أو يرتكبوا من الجرائم، ما يستوجب إنزال العقوبة المقدرة بهم أو الرادعة لهم، ولِمَنْ وراءهم من أمثالهم، ويظل أمانهم قائماً حتى تنتهيَ مدته ويغادروا، فإذا غادروا حدود سلطاننا، وبلغوا مأمنهم من طرفنا؛ فقد انتهى الأمان الممنوح لهم.

وههنا سؤال حول مشروعية القصاص لهم من مسلمٍ اعتدى على أحدهم فقتله بغير نفسٍ، أو بغير حقٍّ، فهل يقادُ به؟.

لم يشترط المالكية والشافعية في جواز القصاص العصمة المؤبدة، ولا فرق عندهم في هذا بين المؤقتة والدائمة؛ فمن عَدَا على مُعَاهد أو مستأمن اقْتُصَّ منه، ما لم يصالح أولياء الدم على خلاف ذلك، أو يجنحوا إلى العفو والصفح، وإن هذا الرأي هو الذي يحقق مقصد الشريعة من استحباب عقود الأمان؛ حتى لا ننعزل عن العالم، لاسيما بعد تشابك المصالح في هذا الزمان، ولكم أن تتخيلوا أيَّ مردودٍ طيب؛ حين يتخير الإيطاليون أولياء دم الإعلامي المتضامن معنا، وحين نقيم حكم القصاص في القاتل فرداً كان أو أكثر حين يرفضون البدائل الأخرى؛ فإن حَدَّاً يقام في الأرض خيرٌ من أن تُمْطَروا أربعين صباحاً.

ولئن أفلت القتلة جَدَلاً من القصاص في الدنيا، فَمَنْ يجادل الله عنهم يوم القيامة، ولسوف يكون خَصْمَهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، كما أخبرنا أن من ظلم مُعاهداً، أو انتقصه حَقَّهُ، كان عليه الصلاة والسلام حَجِيجَه يوم القيامة، ومن كان كذلك فهو مغلوب مهزوم، مستوجب القصاص، ولكنْ بالحسنات والسيئات؛ حتى يصير القاتل من المفلسين؛ فإن المؤمن لا زال في فُسْحةٍ من دينه، مالم يُصِبْ دماً حراماً؛ ذلك أن الإنسان بُنيانُ الله، وملعون مَنْ هدم بنيانه عمداً عدواناً.

إن الذين جاؤوا بالقتل عصبةٌ منكم، لا تحسبوه شراً لكم، بل هو خير لكم، لكل مرﺉٍ منهم ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم، وعسى الله أن يعفو عنهم، ويبقى حقُّ العباد فيما اقترفه أولئك البُغَاة، أو أصحاب الحِرابة، فإنَّ لهم الخِيرةَ من أمرهم.

لذلك فإنني أتوقع أن يتمَّ القبض عليهم سريعاً، وأن تجري لهم محكمة عادلة، وأن ينعكس هذا إيجاباً على حركة التضمن البري والبحري؛ بل إننا لنتطلع إلى كسر الحصار الجوي، وأن يكون ذلك أقربَ مما تتصورون؛ فإن من سنة الله أنه إذا أراد نَشْرَ فَضيلةٍ طُوِيتْ، فهي مغمورة، أتاح لها لسان حسود، وإنه لولا اشتعال النار فيما جَاورتْ ما كان يعرف طِيبُ عَرْفِ العُود، فقد اهتدى الناس لعطر العُود حين احترق، واشتعلت فيه النار، ولولا ذلك لبقي كسائر الحطب.

 

والله ذو الفضل العظيم

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .