{تجارة البغاة تضخيمُ الهفوات وبَخْسُ الإنجازات }

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 526
{تجارة البغاة تضخيمُ الهفوات وبَخْسُ الإنجازات }

من وحي آية

د. يونس الأسطل

{تجارة البغاة تضخيمُ الهفوات وبَخْسُ الإنجازات }

 

(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ)  

  (الشورى:13)

تَذَرَّعَ البغاة في إعلان إمارةٍ إسلاميةٍ على أربعمائة مترٍ مربع، هي مساحة مسجد ابن تيمية رحمه الله بمدينة رفح، وأن من اقترب من أمارتهم من أجهزة الداخلية فليس له إلا القتل؛ بوصف الحكومة مرتدة، وأن على الجميع مبايعة الأمير الجديد، وأن يكونوا رَهْنَ إشارته،.. تذرعوا بأن الحكومة لا تُطَبِّقُ الشريعة، وتَحْكُمُ بالقانون العلماني، ولا تقيم الحدود، فهي حكومة كافرة، لذلك فإن جميع المؤيدين لها يأخذون حكمها في استباحة دمائهم وأموالهم، وربما اعتقد الغلاة منهم بِحِلِّ سَبْيِ النساء، واعتبارهنَّ مِلْكَ يمين، يجري عليهن ما جرى على الرقيق والرقاب والعبيد في صدر الإسلام.

وقد يضيفون إلى ذلك مسائل أخرى؛ كاستقبال كارتر وبلير وهم كفرة فجرة، والقبول بالتهدئة مع العدو، ومنع مجموعات مسلحة من استفزاز الاحتلال؛ بإطلاقها صاروخاًً هنا، أو قذيفة هناك، أو انتقاد الهجوم على الصهاينة بالخيول في أرضٍ مكشوفة، وغير ذلك من المسائل الاجتهادية التي تختلف فيها وجهات النظر.

وإذا أردنا أن نحاور الفكر بالفكر لنعرف مَنِ المصيب ومَنِ المصيبة، ينبغي الاتفاق أولاً على مفهوم الشريعة، ثم نرى ما إذا كانت الحكومة مُطَبِّقَةً لأكثره، وماضيةً في تطبيق ما تبقى منه، أم أنها بالفعل قد ارتدت عن الدين بقبولها القانون الوضعي بديلاً عن الشريعة، ولِنعرفَ هل العيب في الحكومة وسياستها في التدرج في التطبيق، أم أننا أمام عائبٍ منهجاً صحيحاً, وآفَتُهُ من الفهم السقيم؟!.

إن هذه الآية تخبرنا أن الله تبارك وتعالى قد شرع لكم ما شرعه لأولي العزم من الرسل؛ بدءاً بنوحٍ عليه السلام، وختاماً بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، ومَنْ بينهم من المرسلين، وهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وأن مضمون ذلك الشرع هو إقامة الدين، وحرمة التفرق فيه؛ أي وجوب الاجتماع عليه، والتعاون على إيجاده في الأرض، فالشريعة إذاً في مفهومها القرآني هي الدين كلُّه، وأن يتآخوا عليه، وأن يكونوا تحت لوائه صفاً، كأنهم بنيان مرصوص، فقد أَمَرَكم أن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وألَّا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، فإن الذين فَرَّقوا دينهم، وكانوا شيعاً، لست منهم في شيء، فلا تكونوا من الذين فَرَّقوا دينهم، وكانوا شيعاً، كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون.

ولمعرفة مدى تطبيق الحكومة لهذا الدين لا مَفَرَّ من معرفة مركباته، فالدين عقيدة ومنهاج، والمنهاج يشمل الأحكام التكليفية في الأبواب الكبرى، وهي العبادات، والمعاملات، والأحوال الشخصية، والقضاء، والعلاقات الدولية المتعلقة بالسلم والحرب، ثم الأحكام السلطانية، والعقوبات؛ قصاصاً، وحدوداً، وتعزيرات.

أما العقيدة فإنني أزعم أن التوحيد والتربية الإيمانية قائمة بصورة لا مثيلَ لها في معظم شعوب العالم الإسلامي، وهل هناك عقيدة أقوى من عدم الانكسار أمام الحصار، وعدم تقديم تنازلات في الحوار، والتصدي للعدوان الهمجي مؤخراً؛ توكلاً على الله، ويقيناً بأن الله معنا، وأنه كم من فئةٍ قليلةٍ غلبتْ فئةً كثيرة بإذن الله، ولن يتربصوا بنا إلا إحدى الحسنيين، والشهادة هي عين الحياة في جوار الله، وأن غاية المنى هي التطهر من الآثام بالدماء الزكية, والتطلع إلى الفردوس الأعلى؛ ببيع الأنفس والأموال لله، بالقتال في سبيل الله، فَيَقْتُلُون ويُقْتَلُون، وأن مَنْ يقاتل في سبيل الله، فيقتل أو يغلب؛ فسوف يؤتيه الله أجراً عظيما، وأن من يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله، ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله، ولئنْ قتلتم في سبيل الله أو مُتُّمْ لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون، وغير ذلك مما يطول تفصيله، مع أن قوماً يزعمون فَهْمَ التوحيد، والتمسك به، والدعوة إليه، ولكن كثيراً منهم يَوْجَلُون على أرزاقهم ورواتبهم أن تتولى السلطة في رام الله قطعها، فهم يستجيبون للإضراب والعصيان المدني، متجاهلين أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن الرزق في تقواه وطاعته، لا في معصيته، وأخذِ الرواتب وهم قعود حذر الترقين، ولكن الشيطان قد زَيَّنَ لهم سوء عملهم، فرأوا أن لا إثم عليهم في التخلف؛ لأنهم به يطيعون وليَّ الأمر عندهم.

وأما الشريعة في الأحكام التكليفية فَأَوَلُّها العبادات، وفي مقدمتها الصلاة، وجمهور الوزراء والنواب هم الذين يَؤُمُّون الناس في الجمعة والجماعة من قبل أن تأتي الحكومة ومن بعدها، وكذلك في الصيام والتراويح، وفي ركن الحج، فإن حرص الحكومة على فتح بابه لا يُنْكَر، وقد حصلت على موافقة إدارة الحج في السعودية على زيارة حجاج فلسطين بمقدار ألفين، وقد نجح موسم العمرة هذا العام، والمرجح أن ينجح موسم الحج كذلك، وتبقى الزكاة، وقد أصدرنا قانون تنظيم الزكاة في المجلس التشريعي، والحكومة منشغلة اليوم بتشكيل هيئة الزكاة، لتتولى أخذها من الأغنياء، وردَّها على الفقراء.

فإذا جئنا للمعاملات؛ فإن الحكومة لم تَسْتَدِنْ دولاراً واحداً ربوياً، ولم تتلقَّ دولاراً واحداً مُسَيَّساً، مما يسمونها بالدول المانحة زوراً، وإنما هي مكافآت التنسيق الأمني، وقتل القادة، ومطاردة المجاهدين، ثم إنها قد أوجدت شركة تأمين إسلامية، هي شركة المُلْتَزِم، وأنشأت مصرفاً إسلامياً، هو البنك الوطني الإسلامي، والنية قائمة لتضييق الخناق على المعاملات المخالفة للشريعة، كشركات الميسر التي تنهب أموال الناس بالإغراء بالأرباح الوهمية، وغير ذلك من المؤسسات الوهمية.

وأما الأحوال الشخصية فهي قائمة على الشريعة فيما يتعلق بالنكاح والطلاق والميراث، وغيره، ووضعها جيد جداً.

وأما العلاقات الدولية في حالي السلم والحرب، فالمقاومة هي روح الحكومة، مهما حاول المزايدون أن يثيروا الغبار حولها بسبب سياسة الكرِّ والفَرِّ فيما يتعلق بالتهدئة، ويكفي الصمود الأسطوري، والتصدي للحرب العالمية مؤخراً على قطاع غزة، وهو الذي غَيَّرَ كثيراً من نظريات الأمن في العالم.

وأما السِّلْمُ فإن المرونة السياسية، والقدرة على طَرْقِ الأبواب، واستقطاب الوفود التي تتعاطف مع الشعب الفلسطيني بعامة، والمحاصرين في غزة بخاصة، ولو لم يكن إلا إعادة القضية إلى هموم الشعوب العربية والإسلامية، وبعض الحكومات، بما يُوَفِّرُ الدعم الكريم مادياً وسياسياً، لكفى ذلك مؤشراً على النجاح في تطبيق الشريعة في حالة السلم، وهي الأصل في العلاقات الدولية على الراجح من أقوال الأئمة.

وأما القضاء حكماً وتنفيذاً، فالحمد لله أن الحكومة قد بَنَتْهُ من الصِّفْر، بعد أن أضرب القضاة السابقون، وكان من أكبر ضمانات الأسلمة أن القضاة المُعَيَّنين ممن يخشون ربهم، ويخافون سوء الحساب، لذلك فإن حجم القضايا التي أُنجزت، ورَدَّتِ الأماناتِ إلى أهلها، أضعاف أضعاف ما كان يُبَتُّ فيه وينتهي سابقاً، والجديد سرعة التنفيذ، حتى لِمَا كان مهجوراً من الأحكام، وهو ينتظر ساعة التطبيق، ولا زال تطوير القضاء مستمراً، والمأمول أن يأتي يوم قريب يكون إنجاز الخصومات والحقوق في أيام معدودة.

وأما الأحكام السلطانية فأكثرها تراتيب إدارية تتعلق بالخليفة والوزارة، والإدارات المختلفة، وأكثر أحكامها خاضع للسياسة الشرعية، ومراعاة الحاجات التي تكفل نظاماً سياسياً قوياً وأميناً.

بقيت العقوبات، ولا يشك أحدٌ في تطبيق التعازير، فالحبس والغرامة، والترقين، والفَصْلُ من الوظائف، والتنبيه، ولفت النظر، بل والفَلَكَة، كلُّها لتأديب الجناة، وأما القصاص من القَتَلة والجواسيس فقد تكفَّل الله جل جلاله بأكثرهم في حرب الفرقان، حيث طالهم القصف، وأراحنا الله منهم، وأما الحدود فشرط إقامتها توفير الحاجات للناس، بحيث يصبح المباح ميسوراً, ويكون الحرام معسوراً، وقد توقف سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه عن قطع السارق في عام المجاعة والشِّدَّة.

ولا شكَّ أن الحكومة لم تَقُمْ بكلِّ ما يجب تجاه تطبيق الشريعة، ولكن ذلك لم يكن بسبب العزوف عن التطبيق والزهد فيه، ولكن لأن التمكين لا زال في مباديه، وأدوات التغيير متواضعة، والمعوقات كثيرة وكبيرة، ولكن الخطأ في موقف الناقمين أنهم يريدون أن يصلحوا ما فسد من قبل في عشرات السنين بسياسة (كن فيكون).

ثم هل المنهج الأقوم أن ننظر بعين واحدة في الحكم على الواقع، فنكون كالأعور الذي لا يرى إلا شِقَّه الأيسر، أم الصحيح أن نقيم الوزن بالقسط، وألَّا نبخس الوزراء إنجازهم؟؛ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، خاصة إذا تَبَيَّنَ أنهم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم، فإنهم إن يجتنبوا كبائر ما يُنْهَوْنَ عنه يُكَفِّرِ الله عنهم سيئاتهم، ويدخلهم مدخلاً كريماً، وحسبهم أنهم يواصلون الليل بالنهار، وهم لا يريدون منكم جزاءً ولا شكوراً، فإنهم يخافون من ربهم يوماً عبوساً قمطريراً، ويخشون ربهم بالغيب، وهم من الساعة مشفقون، فجزاهم الله عنا خير الجزاء، ووقاهم ربهم أن يستفزهم الذين لا يوقنون.

 

وعسى الله أن يهدي البُغاة، ويأخذ الطُّغاة، ويجعلنا من الهُداة

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .