( التدرج في التطبيق هو الطريق لإقامة الدين واجتناب التفريق )

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 889
( التدرج في التطبيق  هو  الطريق لإقامة الدين واجتناب التفريق )

في رحاب آيـة

د. يونس الأسطل

( التدرج في التطبيق  هو  الطريق لإقامة الدين واجتناب التفريق )

 

} ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ { الجاثية ( 18 )

نبتتْ نابتةٌ في قطاع غزة تَدَّعي أن الحكومة القائمة فيه المنبثقة عن حركة المقاومة الإسلامية غير جَادَّةٍ في تطبيق الشريعة؛ فإنهم يرون الحدود معطََّلة, وينظرون إلى فتياتٍ متبرجاتٍ معدودات, لا تقوم الشرطة بقمعهن ومنعهن من إبداء زينتهن, ويرى بعضهم أن على الحكومة أن تمنع الدخان تجارةً وتعاطياً, وأن تضع حَدَّاً للأفراح الماجنة, وغير ذلك من المخالفات الجزئية, والتجاوزات القانونية.

والسؤال هنا: هل صحيح أن الحكومة هنا غير مهتمة بتطبيق الشريعة, أم أن لَمْزَها في ذلك يكشف عن طفوليةٍ في الوعي بوجوه تطبيق الشريعة وآلياتها إذا أحسنا الظن؟.

للإجابة على هذا التساؤل أنقل لكم فقرتين من كتاب ( فتاوى معاصرة ) للقرضاوي حول حوارٍ دار بين الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز وولده عبد الملك؛ حيث كان شاباً متديناً, يتمنى على والده – وقد آل إليه السلطان – أن يحمل الناس بالسوط على عدم قربان محارم الله, مهما لَحِقَ به من العنت في دين الله:

أما أولاهما فقد دخل على أبيه يوماً, وقال:(يا أبت ما لك لا تنفذ الأمور؟!, فوالله ما أُبالي لو أن القدور قد غَلَتْ بي وبك في الحق) فأجابه:( لا تعجل يا بني؛ فإن الله قد ذمَّ الخمر في القرآن مرتين, وحَرَّمها في الثالثة, وإني أخاف أن أحمل الحقَّ على الناس جملةً, فيدفعوه جملةً, ويكون من هذا فتنة).

وأما الأخرى؛ فإن عبد الملك لمَّا لم يُطِقْ منهج والده في التغيير دخل عليه ثانية، وقال:( يا أمير المؤمنين: ما أنت قائل لربِّك غداً إذا سألك فقال: رأيتَ بدعةً فلم تُمِتْها, أو سنةً فلم تُحْيِها؟!) فأجابه والده:( رحمك الله, وجزاك من ولدٍ خيراً, يا بني؛ إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدةً عقدةً, وعروةً عروةً, ومتى أردتُ مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمَنْ أن يفتقوا علي فتقاً يكثر فيه الدماء, والله لزوال الدنيا أهون عليَّ من أن يُراقَ في سببي محجمة من دمٍ, أَوَ ما ترضى ألَّا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت بدعة, ويُحيي سنة).

إن هذا يعني أن فقه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أن تغيير الواقع ينبغي أن يكون بالتدرج؛ اقتداء بمنهج الله في إنزال كثيرٍ من الأحكام بالتدريج, واتقاءً لقيام الناس بترك الإسلام جملة واحدة إذا ذهب الحاكم يُحَمِّلُهم منه ما لا طاقة لهم به, وحذراً من أن ينقضوا بيعتهم, وينتفضوا ضِدَّ الحكومة, فيكون من ذلك إراقةٌ للدماء الزكية؛ فإن زوال الدنيا بِأسْرِها أيسر من أن يسفك ما يملأ المحجنة من دم مسلم معصوم, وهو ما يسيل بأدنى الجراحة؛ كَشَرْطَةِ الحَجَّام.

وقبل أن نناقش القوم فيما نقموا من الحكومة, وقد غالى بعضهم, فوصل به الشطط حَدَّ تكفيرها, وتكفير الحركة التي تُؤويها, أَوَدُّ أن أعرج على مفهوم الشريعة, كما تعرضه آية المقال وأخواتها.

إن سورة الجاثية سورة مكية, ومن المعلوم أن معظم التشريع قد نزل بالمدينة, وأن القرآن المكي قد اهتمَّ بالعقائد والفضائل وأمهات العبادات, فقد كان مهموماً بترسيخ الإيمان, وإرساء قواعد الأخلاق, حتى إذا صار المؤمنون راسخين فيه, لا سيما بعد الهجرة, تلك التي ظهر فيها استعدادهم للتخلي عن دنياهم بحذافيرها, فقد أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً, وينصرون الله ورسوله, ولم يعبؤوا بالآباء, أو الأبناء, أو الإخوان, أو الأزواج, أو العشيرة, ولا بغير ذلك, عند ذلك طَفِقَ التشريع ينزل, ومن عجبٍ أن معظم الحدود والعقوبات قد تأخرت نزولها إلى الشطر الثاني من العهد المدني.

لذلك فالمراد بالشريعة في الآية مطلق الدين, لا سيما العقيدة, ومما يشهد لهذا المعنى قوله تعالى في الشورى: " شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ " الآية (13).

فإن الآية ظاهرة في أن المراد بها إقامة الدين كله, والاجتماع عليه, وعلى هذا المعنى يحمل ما ورد في نفس سورة الشورى بعد آياتٍ , وفي سياق الحديث في العقيدة والمستعجلين الساعة المريدين حرث الدنيا:" أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ " الآية (21).

ولا بد ابتداءً أن أؤكد أن الحاكمية لله وحده, وأنه ( ما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم), وأنه كذلك ( فلا وربِّك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيتَ, ويُسَلِّموا تسليما), وأيضاً ( إنما كان قولَ المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا), ولن نبتغي غير الله حَكَماً, وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مُفَصَّلاً, ( ومَنْ أحسنُ من الله حُكْماً لقوم يوقنون؟!!).

كما ينبغي أن نؤكد أن الحدود واجبة التنفيذ؛ إذا تحققت شروطها, وانتفت موانعها, ولم تقع مسقطاتها, تلك المسقطات التي تُعَدُّ بالعشرات, حتى أوصلها الدكتور جبر الفضيلات إلى تسعٍ وثلاثين في رسالته بعنوان:(سقوط العقوبات في الفقه الإسلامي).

هذا, ومما يجب أن يُعْلَمَ أن انتشار المنكرات, وعدم معاقبة أصحابها, يجعلنا معرَّضين للعقوبات الكونية, فليس من سنة الله أن تُصيبَ الفتنة أو العقوبة الذين ظلموا منكم خاصة, بل تعمُّ الجميع إذا كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه, ولم يتواصوا بالحق, ويتواصوا بالصبر, وبالمرحمة.

لستُ أدري لماذا يرى الناقمون على الحكومة تطبيق الشريعة محصوراً في الحدود والتعازير والقصاص, مع أن الفقه والتشريع وهو جانبٌ من الشريعة – كما رأيتم – قائم على سبعة أبواب كبرى, هي العبادات, والمعاملات, والأحوال الشخصية, والعلاقات الدولية المتعلقة بالسلم والحرب, ثم الأحكام السلطانية وإدارة الدولة, وفقه القضاء, وهو إحدى السلطات, وأخيراً فقه العقوبات؟!.

لا بُدَّ من التنبيه على أن منهج الإسلام قائم على الوقاية ابتداء, لا على العلاج والكي, إذْ  إنه لما حَرَّم الزنى نهى عن قربانه لا عن اقترافه فقط؛ لذلك فقد حَرَّم دخول البيوت دون استئذان, وأوجب غَضَّ الأبصار وحفظ الفروج, ونهى عن التبرج أو السفور أمام غير المحارم, وأوجب تيسير الزواج للراغبين فيه ولو كانوا عبيداً وإماءً، وأن العاجز عن الباءة يعتصم بالاستعفاف حتى يغنيهم الله من فضله, وأنه لا يجوز أن يكون البغاء طريقاً إلى ابتغاء عرض الحياة الدنيا, فضلاً عن الخلوة والاختلاط, وكل ما يحرك الغرائز الهامدة.

كما يجب التنبيه أيضاً إلى حُبِّ الإسلام للستر على الجرائم, وعدم إفشائها, فهو ليس مُتَشَوِّفاً إلى الجلد أو الرجم أو القطع, لذلك فقد أَنَّبَ الشاهدين على الزاني ,كما جاء في الحديث:" هلاَّ سترتَه بثوبك "، وقد أعرض عن ما عزٍ أربع مرات لعله يتوب فيما بينه وبين الله تعالى, ثم أنه لما علم بهروبه وركضهم وراءه قال:" هلَّا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على شوق الإسلام للستر على الجريمة.

ومن شرط الحدود توفير الحاجات المباحة للناس أولاً, فمن ترك الحلال الميسور, وذهب إلى الحرام المعسور, أقيم عليه الحد, ومن هنا فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يُقِمْ حَدَّ السرقة عام المجاعة, كما أن معظم البلاد التي بدأت بتطبيق الحدود اضطرت للتراجع عنها لصالح التعزير, واسألوا السودان وباكستان وإيران, ثم بعض ولايات ماليزيا ونيجيريا, وهكذا الشأن في غزة المحاصرة حصاراً شديداً.

ثم مَنْ قال: إن أولوياتنا ونحن مهددون بضربةٍ وشيكة أن ننشغل بالمدخنين, أو الماجنين في الأفراح وغيرها؟!, ولماذا لا ينظر القوم إلى منجزات الأمن, والقضاء, والتعليم, والإعلام, وغيرها من مخططات الإصلاح؟!, أوليست داخلةً في تطبيق الشريعة بالمفهوم الشمولي؟!, ولكن أكثرهم لا يعلمون أن المجلس التشريعي قد أجرى تعديلات جوهرية على قانون العقوبات, وقانون الإجراءات الجزائية, وقانون السجون المسمى بقانون الإصلاح والتأهيل لتكون هذه القوانين الثلاثة موافقة للشريعة, وتمكن الشرطة والقضاء من تقزيم الجريمة.

 

 

أينما ثقفوا أُخِذوا, وقُتِّلوا تقتيلا, وعَقَّب على ذلك بأنها سنته في الذين خَلَوا من قبل, ولن تجد لسنة الله تبديلاً؛كما في الآيات ( 60 – 62 ) من سورة الأحزاب.

فلما لم ينتهوا أمر الله نبيَّه عليه الصلاة والسلام أن يجاهد الكفار والمنافقين, وأن يغلظ عليهم, وأخبر أن مأواهم جهنم, وبئس المصير, وقد كان في سورة التحريم أولاً, الآية ( 9 ), ثم في سورة التوبة ثانياً, الآية ( 73 ), والتوبة من آخر ما نزل من القرآن الكريم.ولئن اختلف العلماء في صورة جهاد المنافقين بين اللسان والسنان؛ فإن آية المقال من سورة النساء قد حسمت الخلاف؛ بأنه كجهاد الاعداء تماماً, فإن المنافقين ( هم العدو فاحذرهم ), كما أنهم ( في الدرك الأسفل من النار, ولن تجد لهم نصيراً), لذلك فهم مع عتاة الكفر, من آل فرعون وأمثالهم الذين قيل في حقهم: " وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ  " غافر ( 46).

إن آية النساء قد أّنَّبَتْ المؤمنين على اختلافهم في حكم المنافقين الذين ظاهروا أعدائهم عليهم, فهي بهذا تؤكد صواب الفريق الذي اختار قتالهم, وقد أكَّدتْ ذلك في الآيات التالية لها أكثر من مرة, ومن ذلك:" .. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا " الآية ( 89 ), وقوله تعالى: " .. فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا " ( 91 ), ولم يستثنِ إلا المحايدين الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم.

هل بقي بعد ذلك متسعٌ لمن يلوم الشباب الشهداء في الضفة في الدفاع عن أنفسهم, وعدم الاستسلام للاعتقال والاغتيال, أو التسليم للصهاينة, أو المكوث في السجن بضع سنين, والخروج بعاهات دائمة من أثر التنكيل ؟!!.

ووصيتنا إلى أهلنا في الضفة أنِ اصبروا وصابروا ورابطوا, فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده, والعاقبة للمتقين, وعسى ربكم أ، يهلك عدوكم, ويستخلفكم في الأرض, فينظر كيف تعملون.

والله غالب على أمره

 

والله من وراء القصد

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .