{البغاة مؤمنون، وبالإصلاح يعالجون، ما لم يَلِجُّوا في طغيانهم يعمهون }

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 742
{البغاة مؤمنون، وبالإصلاح يعالجون، ما لم يَلِجُّوا في طغيانهم يعمهون }

من وحي آية

د. يونس الأسطل

{البغاة مؤمنون، وبالإصلاح يعالجون، ما لم يَلِجُّوا في طغيانهم يعمهون }

 

(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا؛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)    (الحجرات:9،8)

أُصيب الشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية بفاجعةٍ قبل أيام معدودات؛ حيث أقدم العشرات من المسلحين على التحصن في مسجدٍ في محافظة رفح يوم الجمعة, وقد دَعَوا بعض وسائل الإعلام لتغطية مفاجأةٍ سيعلنها الإمام في خطبة الجمعة في مسجد ابن تيمية رحمه الله, وقد كان الذهول وهو يعلن عن قيام إمارةٍ إسلامية, وأنهم ينوون تنفيذ القانون على الناس, وتطبيق الحدود الشرعية, وأن على الحكومة القائمة أن تأتي صاغرةً لمبايعته, على الرغم من أنها قد نالت الثقة من المجلس التشريعي بحوالي 97% من الأصوات, والأدهى من ذلك أنهم يعتبرونها كافرة, وأن الشعب الذي لا يتحرك لإسقاطها مرتدٌّ مستباح الدم.

والحق أن هذه الظاهرة ليستْ بِدعاً في تاريخنا الإسلامي, فقد خرج على علي بن أبي طالب الخليفةِ الراشدِ الرابع اثنا عشر ألفاً من أتباعه بعد معركة صفين, منكرين عليه قبوله التحكيم في حَلِّ الخصومة الدامية بينه وبين معاوية رضي الله عنه, وقد راسلهم في الرجوع, فَأَصَرُّوا على الامتناع حتى يشهد على نفسه بالكفر لرضاه بالتحكيم ويتوب, ثم راسلهم فأرادوا قَتْلَ رسوله, ثم اجتمعوا على أن من لا يعتقد معتقدهم يُكَفَّر, ويباح دمه وماله وأهله, وانتقلوا إلى الفعل, فاستعرضوا الناس, فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين, ومَرَّ بهم عبد الله بن خَبَّاب بن الأرتِّ, وكان والياً لعلي على بعض تلك البلاد, ومعه سُرِّيَّةٌ وهي حامل, فقتلوه, وبقروا بطن سريته عن ولد, فبلغ ذلك علياً, فخرج إليهم في الجيش الذي كان هَيَّأه للخروج إلى الشام, فأوقع بهم بالنهروان, ولم يَنجُ منهم إلا دون العشرة, ولا قُتِلَ ممن معه إلا نحو العشرة. فتح الباري (12/284)

والجدير بالذكر أن قتالهم لم يكن إلا بعد أن أرسل إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه فناظرهم في مشروعية التحكيم, فرجع أكثرهم, وندموا على ما كان منهم, ثم قاتل المعاندين منهم.

إن علياًّ رضي الله عنه كان يستوحي في ذلك هدي القرآن, وخاصة هذه الأحكام من سورة الحجرات, إِذِ افترضتْ أن يقع الاقتتال بين طائفتين مؤمنتين, وحالتئذ فالواجب أن نبدأ بالحوار المفضي إلى الإصلاح غالباً, فإنْ لم يُجْدِ وجب قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله, وتدخل في بيعة الإمام الشرعي وطاعته؛ فإن تابت وأنابت وجب الإصلاح بينهما, مع القسط فيما يتعلق بالحقوق التي أُتْلِفَتْ, فإن الله يحب المقسطين, فيجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون, ثم عاد فأكَّد الأُخُوَّة القائمة بين المؤمنين, وإن بغى بعضهم على بعضٍ, وأمر بالإصلاح بينهما للمرة الثالثة في هاتين الآيتين, وختم بالأمر بتقوى الله رجاءَ أن ينالكم الله برحمته, والمقصود هنا الحرص على الإصلاح بينهما, ثم نصرة الفئة العادلة على الباغية.

ولعله من الواجب أن أذكر هنا أن أبا الحسن رضي الله عنه قد صلى على قتلى الفريقين, وسُئِل: أكفارٌ هم؟ قال: من كفر فَرُّوا, قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً, قيل فما هُم؟ قال: إنهم قوم أصابتهم فتنة, فَعَمُوا وصَمُّوا, وبَغَوا علينا, وقاتلوا فقاتلناهم.

إنه لا يماري أحد في تحريم البغي, وأن البغاة آثمون, رغم أنهم يقاتلون على تأويل أنهم على الحق, فقد جاءت هذه الحرمة في مواضعَ من القرآن, ومن ذلك:

  1. قوله تعالى:" إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ .. " الأعراف (33).
  2. وقال سبحانه:" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ.. " النحل (90).

3.  وقال عز وجل:" إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .. " الشورى (42).

وقد جاءت هذه الآية الثالثة بعد أن قَرَّر أن هذه الأمة لا تقبل الضيم, ولا تَسْتَمْرِﺉ ُ الظلم, فإنهم إذا أصابهم البغي هم ينتصرون, وجزاء سيئةٍ سيئةٍ مثلها, وأن مَنِ انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل.

وقد بَشَّرَ في سورة الحج أن من عاقب بمثل ما عوقب به, فجازى بالسيئة السيئة, وجعل الحرماتِ قصاصاً, ثم بُغِيَ عليه لينصرنه الله, كما في الآية (60).

ذلك أن البغي قد يكون للعمالة والولاء للأعداء, كما في قارون الذي كان من قوم موسى, فبغى عليهم؛ مستنداً إلى القوة المسانِدةِ من الفراعنة, وقد يكون للغنى وبطر النعمة وغمط الناس؛ فإن الله لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض, كما بغى قارون.

وقد يكون لتأويلٍ, وهو المقصود بآيتي الحجرات, على أنهم لا يُعَدُّونَ بغاة إلا بثلاثِ شرائطَ, كما في الموسوعة الفقهية (8/133).

  1. أن يكون الخارجون مسلمين لهم شوكةٌ, وتأويلٌ فاسد.
  2. أن يكون الناس قد اجتمعوا على إمامٍ, وصاروا به آمنين, وصارت الطرقات به آمنة.
  3. أن يكون الخروج بالمقاتلة وإظهار القهر.

فإن اجتمعت فيهم هذه الشروط, ولم يفلحِ الحوار معهم؛ ليقبلوا بالصلح وجب قتالهم؛ فإن تركهم وما يريدون يجلب الهرج وإراقة الدماء, ومصادرة نعمة الأمن, لا سيما إذا اعتقدوا بكفر المجتمع, وحِلِّ دمائه.

وقد أخرج الحاكم حديثاً في آداب قتالهم من رواية ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " أتدري ما حُكم الله فيمن بغى من هذه الأمة " ؟ قال ابن مسعود: الله ورسوله أعلم, قال: " حكم الله فيهم ألَّا يتبعَ مدبرهم, ولا يقتلَ أسيرهم, ولا يُذَفَّفُ على جريحهم, ولا يقسمَ فَيْؤُهُم".

فإذا عدنا إلى واقعنا فإننا نجد ما حدث في رفح من معجزات النبوة التي أخبرنا عنها بظهر الغيب, فقد أخرج البخاري في الباب السادس من كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم, بابُ قَتْلِ الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم, وكان ابن عمر يراهم شرار الخلق؛ فإنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار, فجعلوها في المؤمنين, ونصُّ الحديث كما يلي:

" سيخرج قومٌ في آخر الزمان أحداثُ الأسنان, سفهاءُ الأحلام, يقولون من قول خير البرية, لا يجاوز إيمانهم حناجرهم, يمرقون من الدين, كما يمرق السهم من الرمية, فأينما لقيتموهم فاقتلوهم, فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة".

وأضاف في رواية أخرى:" يخرج في هذه الأمة قومٌ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم, - وفي رواية: وصيامكم مع صيامهم-, يقرأون القرآن لا يجاوز حلوقهم – أو حناجرهم -, يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية..." الحديثان ( 9630, 6931).

ووجه الشبه هنا أن السهم الذي يمرق من الهدف, ويخرج من الجهة الأخرى, يكون من السرعة بحيث لا يرى عليه أثر الدم؛ لأن خروج الدم من الشرايين كان بعد نفاذه من الجسم, وأولئك السفهاء الحدثاء حين يُكَفِّرون ويقاتِلون لا ترى عليهم أثر الدين؛ لما هم عليه من العنجهية والعناد, وإلا فإن المؤمنين رحماءُ بينهم, ولعل السرَّ في جلافتهم أن القرآن لا يجاوز حناجرهم, فهم لا يعقلونه بقلوبهم.

وجاء في رواية ثالثة:" .. يخرجون على حين فُرْقةٍ من الناس ..",وفي رواية ".. على خَيْر فِرْقةٍ من الناس", وكلتا الروايتين فيها إعجاز, فإن هؤلاء قد خرجوا والفُرقةُ على أشُدِّها بيننا وبين زبائن التنسيق الأمني مع الاحتلال, المقودين للمندوب السامي أو السامج الأمريكي, كما أن بغيهم لم يكن تجاه الفِرقةِ الموالية لليهود والنصارى, إنما كان ضدَّ خير فِرْقةٍ, تلك التي تتبنى الإسلام منهجاً للحياة, وتأخذ بالمقاومة طريقاً للتحرير, وتَجْهَدُ في أن تطعم الناس من جوعٍ,  وأن تؤمنهم من خوفٍ, كما حدث في التصدي الأسطوري للعدوان العالمي علينا, وإفشال أهدافه في حربٍ مجنونةٍ دامتْ اثنتين وعشرين ليلة, ولو تصورنا فَرَضاً أن اليهود قد كسروا شوكتنا, فهل كانوا يُبْقُونَ على أولئك المغفَّلين من غير أن يسوقوهم إلى الموت وهم ينظرون, أو يخرجوهم من ديارهم أذلةً وهم صاغرون, وعندها يعرفون أنهم قد أُكِلوا يوم أكل الثور الأبيض, ولكن سفهاء الأحلام لا يعلمون.

إنني أدعو إلى أن نقول لهم من أمرِنا يسراً, وأن نعاملهم بالتي هي أحسن, وأن نناظرهم في جميع شبهاتهم, كما كنا قبل خروجهم, وإعلان إماراتهم, ببضع عشرات من المسلحين الذين لا يكادون يفقهون حديثاً, لعلهم يتقون, أو يُحْدِثُ لهم ذكراً, وعسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودةً, والله قديرٌ, والله غفورٌ رحيم, ومَنْ عفا وأصلح فأجرهُ على الله؛ إنه لا يحبُّ الظالمين, ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور.

والله هو الهادي إلى سواء السبيل.

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .