(الإيجابيـة من أهـم ســمـات رواحـــل الصحــــوة الإســلاميـة)

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 735
(الإيجابيـة من أهـم ســمـات رواحـــل الصحــــوة  الإســلاميـة)

من وحي آيـة

د. يونس الأسطل

 

(الإيجابيـة من أهـم ســمـات رواحـــل الصحــــوة  الإســلاميـة)

]فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ[( النمل 22)

    اشتكى كثير من الدعاة المربين تَفَلُّتَ تلاميذهم، واسترخاءهم في أخذ الكتاب بقوة، ونحن في أمسِّ الحاجة إلى المبادرين، أولئك الذين لا ينتظرون أن يصدر إليهم التكليف حتى يلتزموه، بل يقولون: نحن أولو قوة، وأولو بأسٍ شديد، وقد أُمِرْنَا أن ننفر خفافاً وثقالاً، وأن نتقيَ الله حق تقاته، وأن نجاهد في الله حقَّ جهاده، وأن تكون نفوسنا لوامَّة؛ إذ مهما أطعنا الله وأطعنا الرسول فنحن مقصِّرون؛ فإنه في وُسْعِنا أن نضع أكثر من ذلك، ومن يردِ الله به خيراً يستعملْه في خدمة دينه، وفي إعلاء كلمته، وفي عمارة الأرض، وإسعاد أمته والعالمين.

    لذلك فمن الواجب على أبناء الإسلام الذين يحبون الله ورسوله، ويوالون المؤمنين، أن يكونوا مندفعين في كل جهد ونشاط؛ ليكونوا فيه للمتقين إماماً، ولإخوانهم خُدَّاماَ؛ لعلهم بذلك يفوزون بأعلى الجنان، فيكونوا ممن كفَّر الله عنهم سيئاتهم، وأصلح بَالَهُم، وممَّن مَتَّعَهم متاعاً حسناً إلى أجلٍ مسمَّىً، وأحياهم حياة طيبة، وجعل أمرهم كله لهم خيراً.

    وقد دأب الدعاة المعاصرون على نعت هذا الموضوع بالإيجابية في حياة المسلم، متمنِّين على الشباب أن يكونوا طاقةً فَيَّاضةً، مالها من نفاد، وكثيراً ما يفزعون إلى  استحضار الأمثلة من القرآن الكريم، والسنة النبوية، وحياة الصحابة، والتاريخ الإسلامي، والإنساني، لأناسٍ لم يعرفوا الكلل ولا الملل، فكانوا من الرواحل التي لا تزيد نسبتها في الناس عن واحدٍ بالمائة ،ولكن الله تبارك وتعالى قد بارك في أعمارهم وأعمالهم، فكان الواحد منهم أمَّةً في أَحَدِ جوانب الحياة.

    لذلك فالآية التي في صدارة المقال تخبرنا عن إيجابية الهدهد الذي كان حريصاً على أن يكون الدين كلُّه لله، فقد بادر بزيارةٍ خاطفةٍ إلى مملكة سبأ، وتقديم تقرير عن واقع التدين فيها، وكان ذلك الهدهد جندياً في جيش سيدنا سليمان بن داوود عليهما السلام؛ إذ كان جنوده من الجن والإنس والطير، ولم يَفُتْ سيدنا سليمان أن يتفطن لغيابه حينما تفقد الطير، فقال: مالي لا أرى الهدهد، أم كان من الغائبين؟، ثم توعده بالعقوبة ما لم يكن له سلطانٌ مبين يُسَوِّغُ تَخَلَُّفَه، فإما أن يعذَّبه، وإما أن يُعْدِمَه، وما هي إلا لحظات وإذْ بالهدهد يخبر بكل جرأةٍ أنه قد أحاط بعلمٍ لم يُحِطْ به قائده، وأنه قد جاءه من سبأٍ بنبأٍ يقين، هو أنه وجد امرأة تملكهم، وأوتيت من كل شيءٍ، ولها عرش عظيم، ولكنه وجدها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم، فصدهم عن السبيل، فهم لا يهتدون، وقد انتهت القصة بأن جاءت هي وقومُها مسلمين، وقالت: ربِّ إني ظلمتُ نفسي، وأسلمتُ مع سليمان لله رب العالمين.

    ولعل قصة النملة التي تبسَّم فيها سيدنا سليمان ضاحكاً من قولها ما يؤصِّل للإيجابية؛ إذْ ما كادت تبصر سليمان وجنوده متوجهين تلقاء وادي النمل حتى قالت دون تكليف: ] يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ[ ( النمل 18).

    وكذلك قصة الغراب الذي راح يُعَلِّمُ ابن آدم كيف يواري سوءة أخيه؛ بأنْ جعل يبحثُ في الأرض ليدفن غراباً ميتاً، فيحاكيه الإنسان في ذلك.

    لكن قصة الجن الذين أسلموا ببطن نخلة بين الطائف ومكة من أصرح الأمثلة في ذلك، فقد رجع نبيُّنا عليه الصلاة والسلام مكلومَ النفس والقدمين، بعد أن صَدَّ عنه أهل الطائف، فلما جَنَّ عليه الليل تهجَّد منه نافلةً له عسى أن يبعثه ربه مقاماً محموداً، فوافته ثلةٌ من الجنِّ يتلو آيات الله، آناء الليل؛ امتثالاً لأمر الله بأن يقوم الليل إلا قليلاً، وأن يرتل القرآن ترتيلا، فلما حضروه قالوا أَنْصِتوا، فلما قضي لم يقتصروا على إيمانيهم به، بل وَلَّوْا إلى قوم منذرين، وهذا عين المبادرة الإيجابية التي نتمنى أن نكون أحق بها وأهلها.

    إن الإنسان المسلم أحق من كل تلك المخلوقات بالاندفاع للخير، فإنها تبادر بفطرتها، فكيف بالآدمي المكلف بأن يكون خليفة في الأرض مذ أنشأكم الله من الأرض واستعمركم فيها، حتى لو قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها، فإننا منتدبون لعمارة الدنيا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة؟!.

    ومن أمثلة المسارعة في الخيرات قصة الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى قائلاً: يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين، وكذا الذي جاء من أقصى المدينة يسعى قال: يا قوم اتبعوا المرسلين، لما أرسل الله إليهما اثنين فكذبوهما، فعزز بثالثٍ، لكنهم قالوا لهم لئن تنتهوا لنرجمنكم، وليمسنكم منا عذاب أليم، كما في سورة القصص(20)، وسورة يس(13) وما بعدها.

    إن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار كانوا يندفعون إلى القتال كأنما إلى الجنة يُوفِضون حتى في غزوة العسرة التي جاءت بعد سنة من القحط، مع قلة الزاد والظهر، وفي شدة الحر، وبُعْدِ الشُّقة، وكثرة العدو، فقد كان الروم هم القوةَ العظمى في الأرض التي انتزعت نصرها على فارس في بضع سنين، ومع ذلك فإن الله تبارك وتعالى قد امتدح المؤمنين بأنهم لا يستأذنون في الخروج ليجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، ولما كان بعضهم لا يستطيعون إليها سبيلاً، وقد جاؤوك لتحملهم، فقلت: لا أجدُ ما أحملكم عليه، فقد تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَناً ألاَّ يجدوا ما ينفقون، والآية في التوبة برقم (92).

    إننا نجد الحباب بن المنذر رضي الله عنه يشير بتغوير جميع الآبار يوم بدر؛ إلا الذي كان أقرب إلى العدو؛ حتى ينهزموا بالعطش مع السيوف، ونجد سلمان الفارسي يشير بحفر الخندق في وجه الأحزاب الزاحفين من فوقهم ومن أسفل منهم، ونجد أبا بصير مُسَعِّرَ حرب العصابات بعد الحديبية، ونجد خالد بن الوليد يتقدم للقيادة يوم مؤتة بعد استشهاد القادة الثلاثة، ولمّا يَمْضِ على إسلامه ثلاث أشهر وفي حياة كل صحابي من ألوان التنافس في الخيرات، والمسابقة إلى الجنات، ما يملأ العديد من الصفحات، وما كانوا ليصنعوا المعجزات، ويطيحوا بالإمبراطوريات في عقدين من الزمن من تاريخ هجرة رسول الله صلى عليه وسلم؛ لولا ما كانوا عليه من الشعور بأن كلَّ واحدٍ لا يكلَّف إلا نفسه، وأن كل نفسٍ بما كسبت رهينة، وأنها تأتي يوم القيامة تجادل عن نفسها، فلا يغني مولىً عن مولىً شيئاً، بل يفرُّ المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه.

    هذا، ومن دوافع الإيجابية لدى الأنفس الأَبِيَّة الإيمان بدنِّو الآجال، وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، واليقين بعظيم الأجر، فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعينٍ، وكذا الإشفاق من الساعة، والخوف من مقام الله فقد كانوا يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، إذِ القلوب لدى الحناجر كاظمين، وأهل الحشر لا يرتدُ إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء، إلا من أتى الله بقلب سليم؛ فإنه يأتي آمناً يوم القيامة،وقد ندبهم نبيُّهم أن يغتنموا خمساً قبل خمس: الشباب قبل الهرم، والصحة قبل السقم، والفراغ قبل الانشغال، والغنى قبل الفقر ثم الحياة قبل الممات، وأن يبادروا الدجَّال؛ فإنه شر غائب ينتظر، وكذا الساعة؛ والساعة أدهى وأمرُّ.

    فإلى القمة بكل همة يا شباب الأمة، ولا يحقرنَّ أحدكم من المعروف شيئاً، ولو أن يلقى أخاه بوجهٍ بشوش، وكم في شطر التمرة من مثاقيل الذرة؛ فإنه من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، وإن كان مثقال حبةٍ من خردل، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في إمام مبين، وكتابٍ كريم.

 

والله وليُّ التوفيق

 

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .