(وجوب تأليف القلوب على البر والتقوى، والاستمساك بالعروة الوثقى)

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 1031
(وجوب تأليف القلوب على البر والتقوى، والاستمساك بالعروة الوثقى)

بسم الله الرحمن الرحيم

د. يونس الأسطل

 

(وجوب تأليف القلوب على البر والتقوى، والاستمساك بالعروة الوثقى)

 

الحمد لله الذي آخى بين قلوبنا، فأصبحتم بنعمته إخواناً، وأشهد ألَّا إله إلا الله يحبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بُنيانٌ مرصوص، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، قد جعل مَثَلَ المؤمنين في تَوادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصَحْبِهِ والتابعين، ومَنْ تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن وظيفة الخلافة في الأرض، ومهمة الإعمار الواجبة، وتحقيق الحياة الطيبة، والمتاع الحسن، وصلاح البال، بالإضافة إلى شروط الخيرية لهذه الأمة، ووظيفة الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ثم إظهار هذا الدين على الدين كله، كلُّ أولئك في حاجةٍ إلى طاقة الأمة كلها، وأضعف الإيمان تعاضد أبناء الوطن الواحد، وإن الخطَّ الأحمر في ذلك هو اصطفاف أتباع الإسلام، وحملة الدعوة، وأنصار الفصائل الإسلامية في جبهة واحدة.

من هنا كان من الواجب على جميع المؤمنين بالله العاملين لإعادة الأمة سيرتها الأولى عزةً وكرامة، وسُؤدداً وحرية، أن يقفوا صفاً واحداً، كأنهم بنيان مرصوص، وأن يُجْمعوا كيدهم، ثم يأتوا صفاً، ولا يَكُنْ أمرهم عليهم غُمَّةً، فقد أفلح اليوم مَن استعلى.

إن إصلاح ذات البين من أوجب الواجبات؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكنْ تحلق الدين، كما جاء في الأثر، ولا تنازعوا فتفشلوا، وتذهب ريحكم، وإلَّا كنتم كالذين أوتوا الكتاب من قبل، فطال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، فلما نسوا حَظَّاً مما ذُكِّروا به أغرى المنتقم جلَّ جلاله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة يهوداً ونصارى، حتى قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، وهم يتلون الكتاب، وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعض؛ فإنك تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، ثم يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً، ومأواهم النار، ومالهم من ناصرين.

لذلك فإن هذه الورقة تتناول طرفاً من أدلة وجوب الْتقاء أبناء الإسلام على كلمةٍ سواء؛ ليكونوا بالفعل يداً على من سواهم، فإن العِصِيَّ إذا اجتمعن أَبْيَنَ تَكَسُّراً، وإذا تفرقن تكسرتْ آحاداً.

أولاً: الأدلة من القرآن الكريم:

هناك العديد من الآيات الموجبة لوحدة الأمة، ومن ذلك:

  1. قـال تعالى:" وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا.." الأنفال (103).
  2. وقـال سبحانه:" وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ .."

آل عمران (105).

3.  وقـال عز وجل:".. هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ . وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " الأنفال (62، 63).

حيث أمر بالاعتصام بحبل الله جميعاً، ونهى عن التفرق، والأصل في الأمر الوجوب، كما أن الأصل في النهي التحريم، ثم رَغَّبَ في وحدة القلوب التي تثمر وحدة الصفوف، مبيناً أنها من أسرار الانتصار يوم بدر، وإن تلك الأُلفة الرائعة لن تكون بغير التوحد على الإيمان بالله واليوم الآخر، حتى لو أنفقنا جميع كنوزِ الأرض تأليفاً للقلوب فلن تتألف، حتى لو كانوا عدداً يسيراً؛ كَعِدَّةِ أهل بدر.

ثانياً: الأدلة من السنة المطهرة:

1.  هناك طائفة من الأحاديث تؤكد أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضه بعضاً، وأنهم كالجسد الواحد؛ تتداعى سائر أعضائه بالسهر والحمى لشكاية أحدها، وأن المؤمنين يَدٌ على من سواهم، وأن مثلهم كمثل اليدين، تغسل إحداهما الأخرى، فضلاً عن الحالقة، وهي فساد ذات البين ... إلخ

2.  وقد حَفِلَتِ السيرة النبوية بالعديد من أمثلة السياسة الوحدوية؛ فقد حرص النبي عليه الصلاة والسلام مَقْدِمَه المدينة أن يصوغ دستوراً يُرسي قواعد الوحدة بين جميع أهل المدينة أنصاراً ومهاجرين، وكفاراً ومسلمين، وعرباً ويهوداً، فيما عُرف باسم الصحيفة، إذْ توافق الجميع على التعايش السلمي، والتكافل الاجتماعي، والدفاع المشترك أمام أيِّ خطرٍ يتهدد المدينة.

كما وجدنا عليه الصلاة والسلام يفتح باب الأحلاف يوم الحديبية، فمن رغب أن يتأسى ببني خزاعة في دخولهم معنا في ذلك الصلح وهم لا زالوا على شركهم فمرحباً به، وكذلك الشأن في حق الموالين لقريش؛ حتى يعم الأمن الحجاز أو الجزيرة.

فإذا جاز التوحد في الأحلاف السياسية والعسكرية مع غير المسلمين؛ تحقيقاً للمصلحة الراجحة، كان توحد أبناء الإسلام على واجبات الخلافة في الأرض، ووظيفة العبودية لله، أوجب من بابٍ أولى.

ثالثاً: الأدلة من المعقول الذي يشهد له المنقول:

1.  فكرة الأسرة الإنسانية في الإسلام، بما أن الله جل وعلا قد خلقكم من نفسٍ واحدة، وخلق منها زوجها، وبَثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً، وهذا يعني أن يتعارفوا ويتعاونوا.

فإذا كانوا جميعا من أبناء أمة الإجابة كانوا مكلَّفين بالتعاون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان ومعصية الرسول، ولكنْ بالبر والتقوى، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وبالمرحمة.

2.  إن هذا الدين لن يظهر على الدين كله إلا بعُصْبةٍ تَحَلَّتْ بصفاتٍ؛ منها أنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، فإن تولوا عن ذلك استبدل الله قوماً غيرهم، ثم لا يكونوا أمثالهم؛ لأنهم قوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم.

إن أعباء الدعوة أمانةٌ عُرِضَتْ على السموات والأرض والجبال، فَأَبَيْنَ أن يحملنها، وأشفقن منها، ولو أَنْزل الله تبارك وتعالى هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، فقد أوجب على نبيِّه أن يقوم الليل إلا قليلاً؛ لأنه سيلقي عليه قولاً ثقيلا.

لذلك فإن هذه الواجبات العِظَام لا تحتمل التدابر والتباغض؛ فإن الأمة مجتمعة لا تكاد تُطيقها إلا بِشِقِّ الأنفس؛ فإن المطلوب منا ابتداءً أن نجعل من أنفسنا أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، والمطلوب منكم انتهاءً أن تقاتلوا الذين يلونكم من الكفار، ولْيجدوا فيكم غلظة، وأن تقاتلوهم كافةً كما يقاتلونكم كافة، حتى يبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، وحتى لا يبقى بيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا ودخله الإسلام بِعِزِّ عزيزٍ، أو بِذُلِّ ذليل، ويومها تضع الحرب أوزارها، لأنه لم يَبْقَ على وجه الأرض إلا مسلم أو مسالم، ويبقى الجهد الدعوي في الذين صاروا أهل ذمة، فما كنا خير أمة أخرجت للناس إلا لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وإنقاذهم من نارٍ هُمْ على شفا حفرةٍ منها، ثم الجهد التربوي للذين أسلموا، ومن قبل ذلك ومن بعده الجهد الكبير في عمارة الأرض، وتسخير كنوزها في إسعاد البشر في الدنيا قبل يوم الحشر.

فهل إلى برنامجٍ موحَّدٍ من سبيل، نتعاون فيه ولو على القاسم المشترك بيننا، فنتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه؟!!.

والله ولي التوفيق

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .