( هل تكون غزة عام 2020م في خريفٍ مخيف أم في ربيعٍ لطيف؟!! )

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 791
( هل تكون غزة عام 2020م في خريفٍ مخيف أم في ربيعٍ لطيف؟!! )

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( هل تكون غزة عام 2020م في خريفٍ مخيف أم في ربيعٍ لطيف؟!! )

 

 ] وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا . لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ، وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [

الجن (16، 17)

هل صحيح أن قطاع غزة سيصبح في بضع سنين منطقة غير صالحة للحياة؟!، هكذا يقول تقرير صادر عن ممثلية الأمم المتحدة في الشرق الأوسط، ويجعل سقف ذلك هو العام 2020م، وكأننا نستقبل سبعاً شِداداً، تكون فيها مصيبة كلِّ سنةٍ أكبر من أختها، ويرصد التقرير أزمة المياه وملوحتها، بل وازدياد نسبة التلوث فيها، ويعرج على أزمة الصرف الصحي الذي يلوث مياه البحر دون معالجة،فضلاً عن تسربه للمخزون الجوفي، وتلويثه للبيئة، بالإضافة إلى الانفجار السكاني الرهيب في ظلِّ محدودية المساحة الجغرافية للقطاع، وهو لا يعدو مساحة بعض الملاعب الرياضية في بعض الدول، بل هو أكبر معتقل في العالم.

إنني لا أشكُّ في المعطيات والنتائج التي تضمنها التقرير، وهو يدقُّ ناقوس الخطر، ويجب أَخْذُهُ بقوة، وعقد المزيد من الاجتماعات للخبراء والمسؤولين؛ لاقتراح التداببر الواجبة، ومجابهة هذا الخطر الآزِف، والتخفيف من آثاره على الأقل.

غير أنني في هذا المقال أحاول أن أرصد أهم أبواب الإيمان التي نستدرُّ بها خزائن رحمة ربِّنا، وهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، ويقدر له؛ إنه بكل شيء عليم.

إن آية المقال يعطف بها سبحانه على مقولات الجنِّ، خاصة حديثهم عن أنفسهم؛ حيث منهم المسلمون، ومنهم القاسطون، فمن أسلمَ فأولئك تَحَرَّوْا رشداً، وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً، وأنه لو استقام القاسطون الجائرون كما استقام المؤمنون منهم لأكرمهم ربهم بالسقيا والماء الوفير؛ إِذِ الماء هو سِرُّ الأرزاق، كما أن الله جل وعلا قد جعل منه كلَّ شيءٍ حيٍّ، وقد كشف عن علة وفرة الماء والرزق؛ فإذا هي الابتلاء للعباد؛ أيشكرون أم يكفرون؟!، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن  ربي غنيٌّ كريم، وقد تأذن لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد، وهذا الوعيد هو ما ختم به آية الجن: " وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا "، باحتباس الغيث في الدنيا، ثم بالعذاب الدائم في الآخرة؛ بل هو في ازديادٍ كلما امتدتِ السنون والأحقاب، فقد زادهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون، وآخرُ من شكله أزواج؛ أيْ أصناف كثيرة، ويقال لهم: " فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا " النبأ (30)

إن الاستقامة على الطريقة التي رضيها ربُّنا لنا ديناً هي التقوى، وقد صَيَّرها الله جل جلاله سبباً في الإفلات من الأزمات، وفتح أبواب الرزق من حيث لا تحتسبون، وقد قال سبحانه: ".. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ .." الطلاق (2، 3)

ولعله لهذا الارتباط الوثيق بين التقوى وسعة الأرزاق قد قرن ربُّنا تبارك وتعالى بين مقصد الخَلْق وتيسير الرزق في قوله سبحانه: " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ " الذاريات (56 – 58)

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هي مظاهر الاستقامة والتقوى والعبادة التي تُستمطر بها بركات السماء، وتُسْتَدَرُّ بها بركات الأرض؟!، حتى لا نجوع فيها ولا نعرى، ولا نظمأ فيها ولا نَضْحى، بل تأكلون منها رَغَداً حيث شئتم؛ من فوقكم ومن تحت أرجلكم، فضلاً عن تكفير سيئاتكم عنكم، ودخولكم جنات النعم، فإنها أُكُلُها دائمٌ وظلُّها، فأنتم في سدرٍ مخضود، وطَلْحٍ منضود، وظل ممدود، وماءٍ مسكوب، وفاكهة كثيرة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، كلما رُزِقتم منها من ثمرةٍ رزقاً قلتم: هذا الذي رُزِقْنا من قبل، وأُتُوا به متشابهاً، وجَنَى الجنتين دانٍ، فضلاً عن أنهم يطاف عليهم بِصِحافٍ من ذهبٍ وأكواب، يطوف بها عليهم ولدان مُخَلَّدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً، ويطوف عليهم غلمانٌ لهم كأنهم لؤلؤٌ مكنون، يتنازعون فيها كأساً، لا لَغْوٌ فيها ولا تأثيم.

إن الاستغفار من الذنوب قولاً وعملاً في صدارة الأعمال التي يُنَزِّلُ بها ربُّنا الغيث، وينشر رحمته، وقد جاء ذلك على ألسنة الأولين من النبيين، فهذا نوحٌ عليه السلام يتحدث عما وعظ به قومه؛ ليؤمنوا، وما آمن معه إلا قليل، رغم أنه لَبِثَ فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً:

" فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا " نوح (10 - 12)

ثم كان من بعده هودٌ عليه السلام، وقد نصح قومه بذلك:

" وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ " هود (52)

ومن مفردات التقوى الصلاة الخاشعة التي يجاهد المؤمن نفسه أن يأتي بها على وَجْهِها، كما يجاهد أهله عليها؛ لِيَقيهم بذلك ناراً وَقُودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غِلاظ شِداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُمرون، وقد جاء ذلك في آخر سورة طه في قوله تعالى:

" وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى " الآية (132)

أما الزكاة التي اقترنت بالصلاة في أكثر من ثمانين آية فقد تضافرت النصوص على أن من يقرض الله قرضاً حسناً يضاعف له أضعافاً كثيرة، وما أنفقتم من شيءٍ فهو يُخْلِفُه، وهو خير الرازقين، وسِرُّ ذلك أن الزكاة والصدقات تخرج نسبة المال المشبوه في مصادر دَخْلِنا ومواردنا، وما يبقى يصبح حلالاً طيباً، فيبارك الله فيه، بينما مَثَل المال الحرام مَثَلُ حبة الفاكهة الفاسدة في صندوقها، سرعان ما تُفسد ما حولها، وقد تُفسد جميع ما فيه، ما لم نتداركها بالعزل والإبعاد.

وأما بخصوص الحج فحسبُنا قوله صلى الله عليه وسلم: " تَابعوا بينَ الحجِّ والعمرةِ؛ فإنهما ينفيان الفقرَ والذنوبَ كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد".

فإذا سألت عن الصوم فقد شُرع لمقاصد كثيرة، منها أن نزهد في الدنيا، ونكتفي منها بالقليل؛ حتى نكون ممن لا يَمُدُّ عينيه إلى ما متَّع الله به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا؛ ليفتنهم فيه، ورِزقُ ربك خيرٌ وأبقى، فإن الذي ينظر إلى من فوقه يزدري نعمة الله عليه، ومن نظر إلى مَنْ دونه أيقن بعظيم أَنْعُمِ الله عليه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.

وفي جميع الأحوال فلا مَفَرَّ مع الاستقامة والتقوى من الأخذ بالأسباب، والضرب في الأرض، فقد جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها، وكلوا من رزقه، وإليه النشور.

ومن ذلك أن توضع الخطط لإنهاض الاقتصاد، ومواجهة الأزمات بوسائل مكافئة، مع الترشيد في الإنفاق المباح، فلن يبلغ عبد أن يكون من المتقين حتى يَدَعَ ما لا بأس به حذراً مما به بأسٌ، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام.

إن الذي يعاني من الضائقة الاقتصادية هم الذين رهنوا لقمة عيشهم لعدوهم من خلال المقاولة الأمنية، والتعاون مع الاحتلال؛ ضماناً لِمِنَّةِ ما يُدعى بالدول المانحة، وهي في الحقيقة كالحة؛ إذْ هو دعمٌ للصهاينة؛ لأنه وقفٌ على وفرة الأمن للاحتلال؛ حتى يكمل التهويد، ويجهز على ما بقي من فلسطين، ومع ذلك فإن أولئك العملاء قد أغرقونا في مديونية لا قِبَلَ لنا بها، وحسبنا الله، ونعم الوكيل.

أما الاحتلال نفسه؛ فإن موارده، وابتزازاتهِ للأمريكان، والعرب، والغرب، وغيرهم، لن تصمد للجبهات التي تتهيأ للاشتباك معه؛ فإن عواصم الثورة تبني نواة جيش القدس، ولا أظن الاحتلال يصمد إلى 2020م حتى يكون قد استسلم، وكان مُخَيِّراً بين الجلاء والإبادة.

 

وما ذلك على الله بعزيز

 

اشتداد البرد نذير وبشير لأهل الأرض اشتداد البرد نذير وبشير لأهل الأرض
مشاهدات : 683 ، بتاريخ : 2013-03-10

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .