{من أسرار المسارعة في الخيرات الوجل من حبوط الطاعات }

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 873
{من أسرار المسارعة في الخيرات الوجل من حبوط الطاعات }

في رحاب آيـة

د. يونس الأسطل

 

{من أسرار المسارعة في الخيرات الوجل من حبوط الطاعات }

 

(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)

(المؤمنون:60, 61)

 

يشهد شهر رمضان من الهمة في الطاعات, والتنافس في الخيرات ما لا يشهده غيره من الشهور؛ حيث يُقبل الناس على المساجد، ويَكْثُرُون في صلاة الفجر، وصلاة العشاء والتراويح، فضلاً عن الانكباب على تلاوة القرآن، والتكاثر عند المواعظ والدروس، ولا يكادون يبخلون بأموالهم كلما دعوا لينفقوا في سبيل الله، ولهم أعمال من غير ذلك هم لها عاملون، فما السِّرُّ في ذلك النشاط الملحوظ، وتلك الهمة العالية؟.

 صحيح إننا مأمورون بالنشاط في العبادات والتكاليف فرِضها ونفِلها طول العام، بل حتى يأتينا اليقين، ونمسي في الأجداث، فقد أمركم ربكم أن تُسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم, وجنةٍ عرضها السموات والأرض، وأن تسابقوا إلى مغفرة من ربكم، وجنة عرضها كعرض السماء والأرض، بل أن تستبقوا الخيرات؛ فإن الأنبياء كانوا يسارعون في الخيرات، ويدعون ربهم رَغَباً ورَهَباً، وكانوا له خاشعين، كما أن أهل الكتاب ليسوا سواءً، فمنهم أمةٌ قائمةٌ يتلون آياتِ الله آناء الليل وهم يسجدون، مع الإيمان بالله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والمسارعة في الخيرات.

غير أن السرَّ في رمضان يعود إلى فضائل الشهر، وعظيم الأجر في الطاعة من ناحية، وإلى مقاصد الصيام وحِكَمه من ناحية أخرى.

فإذا علمنا أن من تَقَرَّبَ إلى الله فيه بنافلةٍ كان كمن أَدَّى فريضةً فيما سواه، وأن من أَدَّى فريضة احتسبها ربنا تبارك وتعالى بسبعين من جنسها، فمن ذا الذي يعلم بذلك علم اليقين، ثم يقصر في الجماعة، ولا يتزود من النوافل، أو يظلُّ مقتصداً، كما كان في سائر الحول؟!،كلا إن أكثر الناس يصبحون من السابقين بالخيرات بإذن الله.

وإذا كان من فَطَّر صائماً كان له مثل أجره, وأن الله جل جلاله يعطي هذا الأجر لمن فَطَّر أخاه على تمرةٍ أو مَذْقَةِ لبن؛ فإن أكثر الناس يَسُرُّه ساعتئذٍ أن يُفَطِّرَ المزيد من الصائمين, لا سيما إذا كان من أولي الفضل منكم والسَّعة.

وإذا تساءلتم عن أجر الصائم الذي نفوز بمثله عند استضافة الصٌّوَّام؟، قيل لكم: إن الصوم نصف الصبر، وإنما يُوَفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب؛ أي أنه يُمَثِّلُ رصيداً مفتوحاً، فليست الحسنة هنا بعشر أمثالها، ولا حتى بسبعمائة, فالصوم لله، وهو الذي يَجزي به، وهو الكريم المنَّان، ويداه مبسوطتان، وخزائنه لا تغيضُ أبداً، فهو السَّحَّاءُ بالليل والنهار، وهو الرَّزَّاق ذو القوة المتين.

فإذا تحدثنا عن الفضائل الأخرى ضاقت مساحة المقال، غير أنه لن يفوتني الإشارة إلى ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر؛ بل إن ثواب العبادة فيها خير منها في آلاف الشهور التي ليس فيها ليلة القدر، على التأويل القائل بأن الألف للتكثير لا للحصر، ومَنْ يجترﺉُ على الاسترخاء في العشر الأواخر، وهو يوقن بما لا يخطر على قلب بشرٍ من الثواب؟!، وكيف لو كان القيام رباطاً في الثغور، وسهراً على الحدود؛ صَدَّاً لأعداء الله اليهود أن يجوسوا خلال ديارنا، وإن رباط يومٍ في سبيل الله خيرٌ من صيام شهرٍ وقيامه، كما جاء في الأثر؟!.

أما مقاصد الصوم فعديدة, وفي مقدمتها التدرب على الصوم المؤبد عن محارم الله؛ فإن المفطرات الحِسِّية شهوات قاهرة، خُلِقَ الإنسان أمامها ضعيفاً، فمن هو الذي يصبر على الظمأ والمخمصة؟!، ومن ذا الذي يطيق أن يقتدي بسيدنا يحيى، إذْ كان حصوراً، فلم يتزوج؛ تفرغاً للدعوة، في وقتٍ لم يجدْ فيه والده سيدنا زكريا رجلاًً راحلةً يحمل لواء الدعوة من بعده، فسأل ربه أن يرزقه وارثاً من لدنه رَضِيَّاً، رغم أنه قد وهن العظم منه، واشتعل الرأس شيباً، وكانت امرأته عاقراً, وقد اختار العزوبة ليكون أقدر على الدعوة.

إن القادر على فطام نفسه في الأيام المعدودات عن المباحات التي نُهينا عنها مؤقتاً أقدرُ على التحكم في جماحها تجاه المحارم المؤبدة، وإن الصوم انتصار في الجولة مع النفس الأمَّارة بالسوء، وهو مؤشر على الانتصار على الأعداء الأباعد؛ فإن الله لا يُغَيِّرُ ما بقوم حتى يُغَيِّروا ما بأنفسهم.

وهذا يستدرجنا إلى المقصد الآخر من مقاصد الصوم، وهو التربية الجهادية، فالجيوش معرضة لأن تبتلى بالظمأ والنصب والمخمصة، وهي تقطع الأودية، وتطأ المواطئ التي تغيظ الكفار، وقد تُبتلى بالحصار، وما لم تكن قد تعودت على خشونة العيش، واحتمال تقلبات الزمان، فإنها تستسلم لعدوها، لذلك فليس مستهجناً أن يفرض الصوم في نفس العام الذي وجب فيه الدفع والمقاومة، وقد كانت أول مواجهة في بدرٍ في السابع عشر من رمضان للعام الثاني للهجرة.

أما آية المقال ففيها قراءتان: القراءة الشهيرة ( يُؤْتوُن ما آتوا ) والثانية ( يَأتون ما أَتَوْا ), والأُولى تنصرف إلى الإنفاق والعطاء المادي, سواء كان مالاً، أو جهداً, أو علماً, والثانية تتناول جميع ما يُقْدِمُ عليه المسلمون من الخيرات، وهي تصفهم بالوجل من عدم قبول العمل، فقد يكونون مقصرين في القيام بشروط القبول، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط.

ومما يوضح ذلك حديث عائشة عند الإمام أحمد؛ فقد سألت عن أصحاب هذه الآية: هل هم الذين يسرقون ويزنون ويشربون الخمر وهم يخافون الله عز وجل؟ قال: لا، بنتَ أبي بكر، يا بنتَ الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله عز وجل؛ فإن كثيراً من النفوس تكون عاملة ناصبة، ولكنها تَصْلَى ناراً حامية، تسقى من عين آنية؛ فقد قَدِمَ الله جل جلاله إلى ما عملوا من عملٍ، فجعله هباءً منثوراً، وصار كرمادٍ اشتدت به الريح في يومٍ عاصف.

وقد حملهم ذلك الإشفاق على المسارعة في الخيرات، والمسابقة فيها، لعلهم يفوزون ببعض العمل الذي يزحزحون به عن النار، ويدخلون الجنة، فهم يجتهدون غاية الاجتهاد من أثر الوجل من حبوط بعض الأعمال، فتكون كسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً،  حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

إن المطلوب في رمضان أن ننتهز زيادة الإيمان بالصيام والقيام للنشاط في ميادين الطاعة, وبالأخص تلاوة القرآن, وتدبر ما فيه من بَيِّنات الهدى والفرقان، فما كان رمضان ظرفاً للصيام دون غيره من الشهور إلا لأنه أنزل فيه القرآن؛ حيث إن خُلُوَّ المعدة يريح القلب، فيكون أقدر على الغوص وراء المعاني المخبوءة في النصوص، كما أن الليل، حيث تفرغ القلب من هموم المعاش والحركة،  يجعل الجوارح متواطئةً على تَفَهُّمِ القرآن, ويجعل الحفظ والتلاوة أقوم قيلا.

ولسوف يكون المؤمن من أثر تدارس القرآن، وما فيه من الترغيب والترهيب، جواداً بالخير، سابقاً بالخيرات، فقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، فلهو أجود بالخير من الريح المرسلة.

والله هو الهادي إلى سواء السبيل

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .