(ليلة القدر تشهد وضع حجر الأساس لميلاد خير أمة أخرجت للناس)

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 563
(ليلة القدر تشهد وضع حجر الأساس لميلاد خير أمة أخرجت للناس)

من وحي آيـة

(1 - 2)

د. يونس الأسطل

 

(ليلة القدر تشهد وضع حجر الأساس لميلاد خير أمة أخرجت للناس)

] حم . وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ . إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ . فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ[

 (الدخان 1 – 4)

بدخول العشر الأواخر تكون ليلة القدر قد أَزِفَتْ، ذلك أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان يَشُدُّ المِئْزَرَ فيهنَّ؛ كنايةً عن التشمير للعبادة؛ باعتزال النساء، والتفرغ من شواغل الدنيا، فيحيي ليله، ويوقظ أهله؛ ليقيهم بهذا ناراً وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.

إن السِّرَّ في الاهتمام الخاص بهذه الليالي هو الرغبة الجامحة في الظفر بليلة القدر، والحذر من فواتها؛ فإنها بالقطع في العشر الأواخر من رمضان، بل في الوِتْرِ منها، ولكن الوتر في حسابنا ليس بالضرورة أن يُواطﺊ الوتر في علم الله، فقد يقع خطأٌ في ثبوت الشهر ورؤية الهلال، فيكون الوتر شفعاً، وكذلك فقد يأتي الشهر ناقصاً، فتكون العشر قد بدأت من ليلة العشرين، وتكون هي الأُولى من تلك الليالي، فتكون وتراً، وهكذا تكون الشفع عَدَّاً وِتراً في الحقيقة، والخلاصة أن القائمين والرُّكَّع السُّجود لا يقطعون بإدراك تلك الليلة إلا إذا أَحْيَوا العشر الأواخر كلَّها، وهو ما كان عليه الصلاة والسلام يفعله مع الاعتكاف؛ إذ لم يكن له فيها فراش بالليل.

أما صدر سورة الدخان فإنه قَسَمٌ من الله المتين بالكتاب المبين على أنه تبارك وتعالى قد أنزل القرآن في ليلة مباركة، فكان به قد أنذر الناس ما يخوفهم به من بطش الله الشديد في الدنيا، ومن أخذه الأليم الشديد في الآخرة، فقد أنذرهم صاعقةً مثل صاعقة عادٍ وثمود، ولكنهم تَمَارَوْا بالنُّذر، حتى إذا فَتَحَ عليهم باباً ذا عذابٍ شديدٍ إذا بالذين ظلموا يقولون: ربنا أَخِّرنا إلى أجلٍ قريبٍ نُجِبْ دعوتك، ونتبع الرسل، فقد كانوا قوماً لُدَّاً، وقالوا: اتخذ الله ولداً، وإنه يومَ يأتيهم ليس مصروفاً عنهم، ولولا كانت قرية آمنت، فنفعها إيمانها، إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ومتعناهم إلى حين.

وأما في الآخرة فقد أنذرهم ناراً تَلَظَّى، وأنذرهم يوم الحسرة، وهو يوم الجمع لا ريب فيه، فريق في الجنة، وفريق في السعير، وهو يوم الآزفة الذي أنذرهم به عذاباً قريباً يوم ينظر المرء ما قدمتْ يداه، ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً.

غير أن الإنذار بالوحي لا ينفع إلا من كان حَيَّاً، أولئك الذين يخشون ربهم بالغيب، ويخافون أن يحشروا إلى ربهم، ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع.

إن إنزال القرآن في هذه الليلة يعني نزوله جملةً من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وابتداءَ نزوله مُنَجَّماً بلسان عربي مبين، وهذا يعني أن صدر سورة العلق، وهو أول ما نزل على الإطلاق، قد جاء به جبريل عليه السلام في ليلة القدر، وهو يكشف عن حقيقة هذا الدين، إنها رسالة علمية، ودعوة إلى القراءة والكتابة؛ ليعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون.

إنها ليلة مباركة، ومن بركاتها أن يُفْرَقَ فيها كلُّ أمرٍ حكيم؛ أيْ يفصل من اللوح المحفوظ، ويدفع للملائكة التي أُنيط بها إيقاعه في الكون وفق مشيئة الله وقدره، وكأن هذه الليلة هي بداية العام عند الملائكة، كما كانت بداية ميلاد خير أمةٍ أُخرجت للناس، وجعلنا أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس، وقد وُضِعَ فيها حَجَرُ الأساس لهذا الدين، وهو رحمة الله للعالمين.

ولعل أهم بركاتها ما جاء جواباً على سؤالٍ يشدُّ الانتباه:" وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ " القدر(2، 3).

إن ظاهر الآية أن العبادة في ليلة القدر خير ثواباً وخير عُقباً من العبادة المماثلة لها في ألف شهر أخرى ليس فيها ليلة القدر، ولكننا حين نلتفت إلى سبب هِبة هذه الليلة لهذه الأمة تصبح المقارنة بين ناشئة الليل من النافلة وبين جهاد السابقين ألف شهر؛ فقد جاء في الموطَّأ مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أُري أعمار الناس قبله، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألَّا يلحقوا بالسابقين، فأعطاه الله هذه الليلة، وعند البيهقي أن رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، فأنزل الله جل وعلا سورة القدر.

ولا شك أن ثواب الجهاد أعظم بكثيرٍ من أجر النافلة، فقد جاء في الحديث أن رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهرٍ وقيامه، وعندئذ يكون ثواب الطاعة في ليلة القدر يفوق ثلاثين ألف شهر، وهذا يرجح الرأي القائل بأن الألف في الآية للتكثير لا للتحديد، ويؤيد هذا ما جاء في قوله تعالى:".. يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ..." البقرة(96)، إذ لو عرض على اليهودي أن يعمر في الدنيا ألفين أو ثلاثة فلن يرفض، ولن يتمنوا الموت أبداً بما قَدَّمتْ أيديهم، والله عليم بالظالمين.

الانتصار على اليهود سُنَّةٌ في الوجود الانتصار على اليهود سُنَّةٌ في الوجود
مشاهدات : 524 ، بتاريخ : 2015-11-28

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .