( ليلة القدر تزفُّ البشرى بالبطشة الكبرى, و بشجرة الزقوم لكل مُعْتدٍ أثيم )

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 556
( ليلة القدر تزفُّ البشرى بالبطشة الكبرى, و بشجرة الزقوم لكل مُعْتدٍ أثيم )

في رحاب آيـة

د. يونس الأسطل

 

( ليلة القدر تزفُّ البشرى بالبطشة الكبرى, و بشجرة الزقوم لكل مُعْتدٍ أثيم )

 

) حم . وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ . إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ . فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (

الدخان ( 1-4)

كان النبي عليه الصلاة و السلام إذا دخل العشر الأواخر من رمضان كأنما يدخل في حالة الطوارئ , فيعتزل نساءه, و يعتكف في المسجد, فيحيي اللَّيل كلَّه, و لا يكتفي بنصفه أو ثلثه, و لا حتى بثلثيه, فلم يكن له فراش بالليل, و ما له لا يفعل و هو يلتمس بهذا أن يصيب ليلة القَدْر؟!, و ما أدراك ما ليلة القدر؟!, ليلة القدر خير من ألف شهر, ليس فيها ليلة القدر, إِذِ الباقيات الصالحات فيها من صلاة و ذكر و طاعة يفوق أجرها ثواب العبادة في ثلاثٍ و ثمانين سنة و أربعة أشهر, و هذا فوق متوسط أعمار هذه الأمة؛ إذ القليل هم الذين يجاوزون السبعين فضلاً عن الثمانين, و إذ اختصرنا ما قبل البلوغ فل يبلغ عمر التكليف لأحدٍ هذه المدة إلا لمن شارف على المائة.

و يعود السرُّ في هذا إلى أن النبي عليه الصلاة و السلام قد أُرِي أعمار الأمم السابقة, فأشفق أن يسبقونا في درجات الفردوس,؛ نظراً لقصر أعمارنا, و قلة أعمالنا, كما أنه صلى الله عليه و سلم بلغه أن رجلاً لبس السلاح, و جاهد في سبيل الله ألف شهر, فأعطاه الله تبارك و تعالى ليلةً يكون أجر العبادة فيها أعظم من ثواب ذلك المجاهد ألف شهر, و إذا كان رباط يوم في سبيل الله خيراً من صيام شهر و قيامه, فما بالكم عندما يكون ذلك اليوم كَرَّاً و فَرَّاً, بحيث يأتيه الموت من كل مكان؟!, و كيف يكون مقامه عند ربه لو قضى في ذلك ثلاثين ألف ليلة؟!.

إن هذا يرجح القول بأن الألف شهر لمطلق التكثير, و إلَّا فإن ليلة القدر خير من آلاف الشهور؛ فقد جرت عادة العرب عند المبالغة أن يذكروا الألف رقماً قياسياً لمطلق التكثير لا للحصر, كما جاء في سورة البقرة "... يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ... " (96 )؛ إذ لو عُمِّرَ أكثر من ذلك اليهودي الأحرص على أية حياة فهل يأبى, و يتمنى الموت, و هم الذين لا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم؟!.

هذا و قد سميت بليلة القدر إما لشرفها على سائر الليالي, و إما لأن الملائكة تعرف فيها المقدر للعباد, و مقادير الأرزاق و الآجال و نحوها, أو لأن الله قد ضَيَّقَ فيها على العباد حين أخفاها في العشر الأواخر, و إن كانت في الوتر منها أرجى منها في الشفع, أو لأن نزول الملائكة من السماوات السبع فيها إلى الأرض يجعل هذا الكوكب يضيق بمن عليه من الخلائق.

و لعل السرَّ في إخفائها و عدم تحديدها أن يجتهد العابدون الراكعون الساجدون في العشر كلَّها, كما أخفى ساعة الإجابة يوم الجمعة لندعوه نهاراً طويلاً, و أخفى اسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى, و إذا دعي به أجاب؛ لنبتهل إليه بأسمائه الحسنى كلِّها, و قد أخفى الآجال, و عِلْمَ الساعة, و جعل رضوانه في الطاعات, و سخطه في المعاصي؛ لنجتهد أَلَّا نموت إلا و نحن مسلمون.

إن ليلة القدر تتمتع بجملة من الفضائل هي التي رشَّحتها لاحتضان نزول القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا, ثم ليبتدئ نزوله فيها بصدر سورة العلق, ففضلاً عن عظيم أجرها لمن أحياها إيماناً و احتساباً؛ فإن الملائكة تعرف وظائفها فيها إلى ليلة القدر من العام القادم, فهي مستهل الحَوْل الملائكي, و هي التي تشهد تَنَزُّلْ الملائكة, و معها الروح الأمين جبريل عليه السلام؛ للتأمين على دعائنا, و لتحقيق قدرِ الله في الأرض, فقد أرادها سلاماً حتى مطلع الفجر, و قد أُنِيط تحقيق ذلك بالملائكة المُنَزَّلِين, بالإضافة إلا ما يَمُنُّ الله به علينا من نزول الرحمة و المغفرة و البركة, ولذلك كان الدعاء المفضَّل فيها ما روته عائشة رضي الله عنها و قد سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم : إنْ أنا أُرِيتُ ليلة لقدر ماذا أقول؟ فأجابها : " قولي : اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفو؛ فاعفُ عني " ؛ذلك أن العفو و المغفرة طهارة و زكاة, يتأهل بها العبد لنيل الفوز المبين, و الفلاح العظيم.

إن سورة الدخان يقسم المولى تبارك و تعالى فيها بالكتاب المبين أنه أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً في هذه الليلة, وقد اختارها للشروع في تنزيل القرآن لما تتصف به من البركة, و أن الله عز و جل أراد بإنزاله أن ينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا, أن ينذرهم بأساً شديدا من لدنه, و أن يحذرهم نفسه, ثم ذكر من بركاتها أنه يَفْرُقُ فيها من اللوح المحفوظ كلَّ أمرٍ أّحْكَمَ حصوله في عامنا القابل,  فيدفعه للملائكة المنوط بهم تحقيقه في الأرض, و قد أضاف المزيد من الفضائل في سورة القدر, فيما لا يزيد عن ثلاثين كلمة.

هذا و قد قارنت السورة أو قرنت بين قريش و الفراعنة لوجود شبهٍ كبيرٍ بينهما, فأبو جهل قائد قريش في معركة بدر هو فرعون هذه الأمة, و قد قالت تلك القبيلة حين أُخِذتْ بالسنين و نقص الثمرات مقولة الفراعنة لما وقع عليهم نفس الرجز, بالإضافة إلى الطوفان, و الجراد, و القُمَّل, و الضفادع, و الدم ؛ إذ قالوا : "  .. يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ " الأعراف ( 134 ), ثم نكثوا عهدهم بعد ارتفاع تلك العقوبات المفصَّلات, فانتقمنا منهم, فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا , و كانوا عنها غافلين.

و أما قريش فقد دعا عليهم سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم, و قد ضَيَّقوا عليهم بالحصار قريباً من ثلاث سنين, دعا عليهم أن يعينه الله عليهم بسبع كسنين يوسف, فلما نزل بهم القحط, و أصابتهم المخمصة؛ فزعوا إلى النبي عليه الصلاة و السام أن يدعو ربه برفع الجدب, و احتباس الغيث, فإذا تَغَيَّرَ الحال آمنوا, غير أنهم عادوا سيرتهم الأولى كفراً بالله, و فتنة للذين آمنوا, فأخذهم بالبطشة الكبرى في بدرٍ الكبرى, و هو ما سجلته سورة الدخان في قوله تعالى " رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ " , فقال الله جل جلاله : " إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ . يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ " الآيات (12, 15, 16 ).

إنه كما أنذرتهم سورة الدخان بطشة الله فتماروا بالنذر, أنذرتهم بشجرة الزقوم التي يأكلون منها فيملؤون منها البطون, فتغلي فيها كَغَلْيِ الحميم, و إن يستغيثوا يغاثوا بماءٍ كالمهل يشوي الوجوه, فإذا رفضوه صُبَّ فوق رؤوسهم, فيصهر به ما في بطونهم و الجلود, و إذا شربوه شربوه شُرْبَ الهيم؛ أي الجمال التي مهما شربت لا تحس بالري, و لا يذهب ظمؤها, فإذا سُقُوا ماءً حميماً قَطَّعَ أمعاءهم, و العياذ بالله تعالى.

لذلك فإن دُنُوَّ ليلة القدر يحمل معه هذه البشارات, و هي أن الذين يحاصروننا و يقاتلوننا لن يفلتوا من دَأْبِ آل فرعون و الذين من قبلهم, أو الذي جاؤوا من بعدهم؛ كقريش؛ فإن البطشة الكبرى لهم بالمرصاد, كما أن شجرة الزقوم في انتظار الضالين المكذبين, فلم يك ينفعهم هذا لما رأوا بأسنا في الدنيا, أو حين وُقِفوا على النار في الآخرة فقالوا : يا ليتنا نُرَدُّ, و لا نكذب بآيات ربنا,و نكون من المؤمنين, أو وُقِفوا على ربهم فقال لهم :أليس هذا بالحق؟ قالوا : بلى, قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون.

 

و الحمد لله رب العالمين

القول المبين في تحريم الهجرة من فلسطين القول المبين في تحريم الهجرة من فلسطين
مشاهدات : 1335 ، بتاريخ : 2013-03-10

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .