وجــوب المســارعة في تَطـويق الخطــر الداخـلي للذيـن يســارعون في مظاهــرة العــدو الخـــارجي

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 733
وجــوب المســارعة في تَطـويق الخطــر الداخـلي للذيـن يســارعون في مظاهــرة العــدو الخـــارجي

في رحاب آيـة

د. يونس الأسطل

 

(وجــوب المســارعة في تَطـويق الخطــر الداخـلي للذيـن يســارعون في مظاهــرة العــدو الخـــارجي)

 

]وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً*وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً[ ( الأحزاب 26-27)

     بعد إجلاء بني النضير، ذهب أكابر المجرمين منهم إلى خيبر، فزادهم ذلك رجساً إلى رجسهم، ومن هنا كان الخروج على رأس وفدٍ يناهز العشرين لإغراء قريش والقبائل العربية بحربٍ تستأصل الإسلام من المدينة قبل أن يستشري خطره في الحجاز أو الجزيرة، ووجدتْ قريشٌ في هذا العرض ما يحفظ ماء وجهها بعد أن أخلفتْ ما وعدت به بعد أحدٍ أن يكون اللقاء على رأس عامٍ في بدر، وهو ما عُرف ببدرٍ الآخرة، ولم يجدِ الوفد اليهودي عنتاً في جمع جيش يفوق عدده تعداد أهل المدينة من الرجال والنساء والوِلْدان، حيث كان الإغراء بالمال لمن لا مصلحةَ له في القتال، وفي هذا المضمار فقد كانت غطفان على موعدٍ بثمار خيبر كلِّها في سنةٍ، غير أنها بعد الهزيمة لم ترجع إلا بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ، مع لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ومتى كان اليهود يُؤْتُونَ الناس نقيراً وهم قادرون على الإفلات، اللَّهم إلا إذا نَتَقْنا الجبل فوقهم كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم؟!.

    إنه ليس من غرضي أن أتوقف عند غزوة الأحزاب، لِنُيَمِّمَ وجوهنا تلقاء بني قريظة، وهم الذين نقضوا عهدهم، حيث كان منوطاً بهم حماية المدينة من جهتهم في أعاليها، ولكنَّ فرعونَ يهود، أو أبا جهل بني إسرائيل، ويدعى حُيَيَّ بن أخطب قد صَدَّق عليهم ظنَّ إبليس فاتبعوه، وبات الخطر محدقاً بنسائنا والصبيان لو مالوا عليهم ميلةً واحدة، كما أصبح يتهددنا بالسماح لجند الأحزاب أن يدخلوها علينا من حصون بني قريظة، غير أن اللهَ مولانا تبارك وتعالى قد أرسل على الأحزاب ريحاً وجنوداً لم تروها، وردَّ الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قوياً عزيزاً.

    عاد نبيُّنا عليه الصلاة والسلام بعد شهرٍ عصيبٍ من المرابطة والمقاومة، فوضع سلاحه، وهم بالاغتسال؛ فإذا بجبريل يأتيه معاتباً: أوضعتهم السلاح، فإن الملائكة لم تضعِ السلاح منذ نزل بك العدو... ثم قال: (إن الله يأمرك بقتال بني قريظة، وأنا عامدٌ بمن معي من الملائكة لأزلزل بهم الحصون، فاخرجْ بالناس)، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم منادياً؛ (يا خيلَ الله اركبي، ومَنْ كان سامعاً مطيعاً فلا يُصليَنَّ العصر إلى في بني قريظة)، فمنهم من صلَّى في أثناء الطريق، ومنهم من صلَّاها بعد المغرب؛ عملاً بظاهر الأمر.

    وقد حوصر بنو قريظة أياماً، ليس بيننا وبينهم إلا التراشق بالسهام والحجارة من وراء جُدُرٍ، فقد كانوا في قُرَىً محصَّنةٍ، وقد نُودي عليهم: إنما أنتم ثعلب في جحر، ولن نبرح على حصنكم عاكفين حتى تموتوا جوعاً، فلما أيقنوا بالهلكة تركوا الرمي، وبعثوا مفاوضاً يدعى نَبَّاش بن قيس، ولم يكن يحمل من التفويض إلا أن نأذن لهم بالجلاء، كما جرى لبني النضير وبني قينقاع من قبل، حتى بغير متاعٍ أو سلاح، وقد أبي صلى الله عليه وسلم إلا أن ينزلوا على حكمه، وإننا موقنون أن الصهاينة اليوم سيكونون مضطرين للنزول عند شروطنا، سواء فيما يتعلق بالتهدئة في الضفة قبل القطاع، أو في قوائم الصفقة المتعلقة بأسيرهم في القطاع.

    وقد أحبَّ اليهود أن يعرفوا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قبل أن يَقْبَلوا بالرضوخ له، فبعثوا يطلبون أبا لبابة، وكان من حلفائهم في الجاهلية، فلما سألوه عما عساه يكون الحكم فيهم أشار بيده إلى عنقه، لذلك فقد أَبَوْا أن يقبلوا بالتحكيم إلا إذا عُهِدَ به إلى سعد بن معاذ سيد الأوس حلفائهم السابقين، وكانوا يظنون أنْ سيفعل لهم ما فعله سيد الخزرج بكل من بني قينقاع ونبي النضير، فقد توسَّطَ بقوة لبني قينقاع حتى وُهِبوا له في مقابل تَعَهُّدِهِ برحيلهم عن المدينة، كما أرسل لبني النضير بعد أُحُدٍ أن اثْبُتُوا في حصونكم، ولا تخرجوا؛ فإن معي ألفين من الرجال، سندخل حصنكم، ونرتبط بمصيركم، فإنْ أخرجتم خرجنا معكم، وإنْ قُوتلتم لننصرنكم، وهذا ليس مستغرباً من رأس النفاق عبد الله بن أبيٍّ بن سلول، ولا حاجة بنا هنا لمعرفة كيف تِيبَ على أبي لبابة رضي الله عنه.

    أما سعد فقد أجاب بعضَ الأوس وهم يرجونه أن يحسن في مواليه: لقد آنَ لسعدٍ ألاَّ تأخذه في الله لومةُ لائم، ولما استوثق من أن حكمه نافذٌ على الفريقين؛ حكم في الغادرين أن تقتل مقاتلتهم، وأن تُسْبَى ذراريهم ونساؤهم، وأن تغنم أموالهم وديارهم، فما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن أثنى على قضاء سعدٍ بأنه وافق حكم الله من فوق سبع سموات، وقدِ اقْتِيْدَ الجميع إلى المدينة؛ حيث أتُّخذَ أخدود في سوقها، وصار مقبرة جماعية لبضع مئات ممن بلغوا النكاح، أو بلغوا أشدهم، أو كانوا شيوخاً، وأما النساء والصبيان فقد زَهِدَ الصحابة في احتضانهم مماليك وخدماً، فباعوا أكثرهم في أهل نجد، واشتروا بهم خيلاً وسلاحاً، وبذلك تكون المدينة المنورة عاصمةُ دولة الإسلام الأولى قد تطهَّرتْ من الدنس اليهودي، واستراحتْ من شرِّهم بالكامل.

    وقد قيل لسعدٍ رضي الله عنه: إن بعض الأوس قد كرهت قتل بني قريظة، فردَّ قائلاً: ما كرهه من الأوس أحدٌ فيه خير، فمن كرهه فلا أرضاه الله، ولعله لهذا السبب قد اهتزَّ عرش الرحمن طرباً لمقدم سعد يوم موته بعد ذلك بقليل.

    إن يهود بني قريظة لم يكونوا هُمُ البائدين بالعدوان، بل كانوا آخر الملتحقين بالأحزاب، وقد تَرَدَّدَ سيدهم أولاً في القبول بنقض العهد؛ لأنه لم يَرَ من محمد وصحبه إلا كلَّ وفاءٍ وبِرٍّ، لولا أن حييَّ بن أخطب- وهو الذي أعلن عداوته لرسول الله ما بقي هو على قيد الحياة – قد ظلَّ يَفْتِلُ له في الذِّروةِ والغارب، وهو كناية عن الترويض، كما يُفْعَلُ في بعض البهائم الجامحة لخداعها وإمساكها، حتى رضي بالانضمام إليهم، ومع ذلك فما كان ينبغي أن نتريث في عقابهم، فهذا جبريل يلوم النبي عليه الصلاة والسلام في وضع السلاح، والتهيؤ لقضاء التَّفث، قبل أن يقتصَّ من الناكثين، فإن الملائكة لا تزال شاهرةً أسلحتها؛ اعتقاداً منهم أن الحرب لم تضع أوزارها بعد، حتى لو كان الله عز وجل قد ردَّ الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً.

    من هنا عطف الله عز وجل ما صنعه ببني قريظة على مصير الأحزاب، فأخبر أنه هو الذي أنزلهم بعد مناصرتهم الأحزاب من صياصيهم، وهي بيوتهم في رؤوس الجبال التي تشبه قرون الثيران للناظر إليها من بعيد، وهزمهم بالرعب، وانتهى أمرهم إلى فريقين؛ مقتولين ومأسورين، وكافأ الصحابة على سمعهم وطاعتهم بأن أورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، وأرضاً لم يطؤوها، وهي جميع ما تَمَّ الزحف عليه وفتحه من بعدُ، وكان ذلك من مظاهر كمال قدرته، فقد كان الله على كل شيءٍ قديراً ومقتدراً.

    وإذا كان اليهود اليوم يمثِّلون العدوَّ الخارجي الذي غزا وطننا، وطردنا من ديارنا، قبل ستين سنة أو يزيد، ثم قضم ما تبقى منها، مع أطراف من الدول المجاورة كذلك قبل أربعين سنة كاملة، فإن الذين ظاهروهم في هذا العدوان هم الخونة من بني جلدتنا، أولئك الذين لم يكتفوا بالمخابرة لهم، والتجسس لصالحهم، حتى غَدَوْا هذه الأيام، كما قال المنافقون الأولون:] وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ[ مع أن الله تبارك وتعالى قد بشرنا بقوله ] وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ[ ( الحشر 11-12)

    لذلك فإن حكم الله من فوق سبع سموات؛ كما كان في حقِّ يهود بني قريظة؛ لأنهم ظاهروا الأحزاب علينا؛ فإنه لا زال هو عينَ حكمه في كلِّ مَنْ ظاهر أعداءنا الخارجيين، لا سيما عندما يرموننا عن قوسٍ واحدة، فتزيغ الأبصار، وتبلغ القلوب الحناجر، ويُبتلى المؤمنون، ويزلزلون زلزالاً شديداَ، فيكف إذا كانت المظاهرة عدواناً من طرف واحدٍ، والطرف الآخر قد كفَّ يديه وصبر، ووجَّه صواريخه ومقاومته للغزاة المعتدين؟!.

 

ربنا أفرغ علينا صبراً، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .