( هل تَهْوِي مطرقةُ نتن ياهو الصَّدِيق وسِنْدانُ أوباما الرَّقِيق بالمصالحة في مكانٍ سحيق )

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 687
( هل تَهْوِي مطرقةُ نتن ياهو الصَّدِيق وسِنْدانُ أوباما الرَّقِيق بالمصالحة في مكانٍ سحيق )

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( هل تَهْوِي مطرقةُ نتن ياهو الصَّدِيق وسِنْدانُ أوباما الرَّقِيق بالمصالحة في مكانٍ سحيق )

 

]  وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ    [

(البقرة: 120 )

تبارى كلٌّ من أوباما والنتن ياهو في الخطابة أسبوعَنا الماضي في التجمعات اليهودية الأشدِّ ولاءً للكيان الصهيوني المسمى (إيباك)، ولا يكاد المتابع يلمس فرقاً جوهرياً بينهما فيما يتعلق بالمتعين على أبي مازن فعلُه؛ إِذِ المطلوب أولاً الاعترافُ الصريح الذي لا يقبل التأويل بيهودية الدولة، وما يترتب على ذلك من إلغاء واجب العودة للاجئين، واعتبارنا جاليةً تعيش على أرض بني صهيون، هذه الأرض التي كانت مغصوبةً –في اعتقادهم- منذ الفتح الإسلامي، وإلى أنِ استطاع اليهود انتزاعها قبل ثلاثٍ وستين سنة، ومن هنا فإن لاءَات الاحتلال ينبغي أن تُقابل بالاحترام، وهي ثلاثٌ، لا انسحاب لحدود 68م، ولا حقَّ لنا في القدس، فهي العاصمة الأبدية لهذا الكيان، كما لا عودة للمُهَجَّرين أو النازحين، وقد يكون الكيد الكامن في التسليم  بيهودية الدولة هو التطهيرَ العِرْقيَّ لأكثر من مليون فلسطيني، لا زالوا يعيشون فوق أرضنا المباركة التي قُضِمَتْ عام 1948م، ومَنْ يدري! فلعل طردهم من ديارهم يكون الوجبة الأُولى، قبل أن يلتفتوا إلينا في الضفة والقطاع؛ لاستفزازنا من فلسطين، وإخراجنا منها؛ تحقيقاً ليهودية الدولة، ولا أكون مبالغاً إذا قلت: إنهم لن يَتَوانَوْا في ابتزازنا لتعويضهم عن احتلال أرضهم قريباً من أربعة عشر قرناً، كما يصنعون بالألمان في أسطورة المحرقة.

إن في خطاب أوباما ما يومئ إلى ذلك، فقد نادى بأخذ التغير الديموغرافي في الضفة والجولان بعين الاعتبار في المفاوضات القائمة، وليس القادمة، وهو مباركة لسياسة الاستيطان الزاحف علينا كالسرطان، ولم يكتفِ في ذلك بالتراجع عن مطلبه السابق بتجميد الاستيطان أسابيعَ معدودةً؛ بل قد أعطى الضوء الأخضر لِلْمُضِيِّ فيه، والْتهام الأرض إسرافاً وبِداراً لأية حلول نهائية.

ولعل الأنكى من مطلب الإذعان ليهودية الدولة هو الأمر بالتخلي عن المصالحة مع حركة حماس؛ بوصفها حركةً إرهابية؛ إذا كان محمود عباس جادَّا ً في استئناف المفاوضات، وعليه أن يتخير بين السلام مع حماس أو التفاوض مع الوسواس الخناس من الناس، أو بتعبيرٍ أدقَّ فإن عباس مطالبٌ أن يحارب حماس، لا أن يصطلح معها؛ فإن ذلك الصلح خطر على الوجود اليهودي، فقد يترتب عليه خفة الملاحقة الأمنية، وغضُّ الطَّرْف قليلاً عن عمليات المقاومة، ورفع الحصار عن القطاع، وعن الحكومة الفلسطينية المرتقبة، فضلاً عن عدم التعاون الجادِّ مع أيِّ توجهٍ قادم لإيقاد نار الحرب في قطاع غزة.

إنني مشفقٌ من أن أبا مازن حين يوضع بين مطرقة نتن ياهو وسندان أوباما أن يدير ظهره للمصالحة؛ نظراً لقابلية الخضوع للابتزاز لديه، تلك التي تجلَّت في مراحل التفاوض عبر العقدين الأخيرين، لاسيما وأنه لا يلوح في الأفق الجدية المطلوبة لتطبيق الاتفاق في ملفاته المختلفة، وقد ظهر التعنت في يوم التوقيع نفسِه، وفي  زيادة وتيرة الاستدعاءات والاعتقالات، بدل الإفراج عن المخطوفين السياسيين، وكذلك في التمحك أو المماطلة في تفعيل التشريعي؛ ليعطي الحكومة الثقة، حتى تكتسب الشرعية الشعبية من ناحية، وحتى تظل خاضعة لرقابة المجلس من ناحية أخرى، وإن القليل الذي تتنفس عنه الكواليس لا يدعو إلى الطمأنة.

وإذا صَحَّ أن الاتفاق قد جاء لتمرير استحقاق سبتمبر، فقد قطع أوباما الطريق عليهم بأن أمريكا لن تمرر ذلك الاعتراف بالدولة في الأمم المتحدة، كما أن عباس قد أومأ إلى استعداده لصرف النظر عن مشروع الاعتراف لو جرى الإعلان عن قبول مبدأ تجميد الاستيطان مدة شهرين أو ثلاثة، وعندئذٍ سيكون مَثَلُ القوم كمن صلَّى وصام لأمرٍ كان يطلبه، فلما قضى الأمر لا صلى ولا صام؛ كما يقول الشاعر.

إن آية البقرة هذه تنفي نفياً قاطعاً أن ترضى اليهود أو النصارى عن شخصٍ، ولو كان نبياً مرسلاً؛ إلا إذا اتَّبع ملتهم، ومن هنا نجزم أنه ما لم يخضعْ أبو مازن للشرطين المذكورين سيكون من المغضوب عليهم، وربما يكون مصيره كما فُعِلَ بأشياعهم من قبل؛ حصارٌ في المقاطعة، وإنهاءٌ لحياته السياسية، وربما البدنية كذلك، ولمَّا لم يكن عند الرجل حصانةٌ فيما يتعلق بالشرط الأول، حيث وَقَعَ الاعتراف بيهودية الدولة من قبل؛ فإن الوجل مشروع من أن يخنعَ للثاني، فنصبح وقد لحق صلح 2011م، بما جرى في كلِّ عام من تاريخ آذار 2005م، ثم وثيقة الوفاق الوطني في 2006م، وصلح الصفا في القصر المطلِّ على البيت العتيق في 2007م، وإعلان صنعاء في 2008م، وخمس جولات من الحوار في 2009م تمخضت عن اتفاقٍ، لولا أن النظام المصري المطروح أرضاً قد كان من الذين يُحَرِّفون الكلم عن مواضعه، ثم جعلوا أصابعهم في آذانهم إزاء ملاحظاتنا، وأَصَرُّوا، واستكبروا استكبارا، ثم كان اتفاق دمشق 2010م، وهذا هو الصلح في 2011م للعام السابع على التوالي.

إن تتمة الآية تؤكد أن الهُدى هدى الله، وليس اتباعَ ملة اليهود والنصارى، وأن الواجب أن نستعصم بهذا الهدى والدين، حتى لو سخط علينا أولئك الأعداء؛ فإن سخطهم لا وَزْنَ له أمام سخط الله؛ فإن اليهود لما وَالَوا الذين كفروا من الروم قديماً قال الله فيهم:

"..لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ . وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ" المائدة (80، 81)

ثم ختم آية المقال بتسجيل الوعيد لمن يتبع أهواء اليهود والنصارى بعد أن قامت الحجة عليهم بالعلم بحرمة موالاتهم؛ إن بطش ربك لشديد، وإنَّ أَخْذَهُ أليمٌ شديد، فإذا نزل بساحتهم فَسَاءَ صباحُ المُنْذَرين، ومالهم من دون الله من وليٍّ ولا نصير.

لقد نهانا مولانا جلَّ جلاله عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، وأخبرنا أن بعضهم أولياء بعض، وأنه من يتولَّهم منكم فإنه منهم، ومع ذلك فإنك ترى الذين في قلوبهم مرضٌ يسارعون فيهم زاعمين الحيطة، يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، وقد أخبرنا أن المنافقين سيصبحون على ما أَسَرُّوا في أنفسهم -من حُبٍّ ومودة لأولئك الأعداء- نادمين، فإن الله سيأتي بالفتح الذي يجعل مصير الطائفتين فريقاً تقتلون، وتأسرون فريقاً، وقد يأتي بأمرٍ من عنده يفضح به مرضى القلوب؛ فإن الله مخرجٌ أضغانهم وما كانوا يكتمون، ولا يزال نفاقهم الذي بَنَوْا ريبةً في قلوبهم حتى تتقطع قلوبُهم، ويموتوا بغيظهم، ولسوف يعذبهم به مرتين في الحياة الدنيا، ثم يُرَدُّونَ إلى عذابٍ عظيم.

إن العجب من اليهود ومن النصارى أن يكون بعضهم يحكم على الطائفة الأخرى بأنهم ليسوا على شيءٍ من الدين، وأن العرب يُكَفِّرون الفريقين وهم كفرة في أنفسهم، وأنهم لن يتبعوا قبلتنا ولو أتيناهم بكل آية، وما بعضُهم بتابعٍ قبلة بعضٍ، ومع ذلك فإنه لا غضاضة أن نتبع أيَّاً من الملتين عند أصحاب الملة الأخرى، وأنكم إن تكونوا هُوداً أو نصارى تهتدوا، وأنه لن يدخل الجنة إلا مَنْ كان هُوداً أو نصارى، فهم أبناء الله وأحباؤه –تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا-.

ويزداد العجب من إعجاز هذا القرآن أن يجزم بأن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض في الوقت الذي كان العداء فيه مستحكماً بين الفريقين؛ فإنه منذ أن تَنَصَّرَ الإمبراطور الروماني راح يضطهد اليهود المتفاخرين بقتل عيسى بن مريمَ رسولِ الله، وقد هربوا إلى الحجاز طلباً للحماية العربية.

إن التواطؤ بين الخِطابين يؤكد هذا الإعجاز الغيبي، فقد بدا أوباما كما لو كان ناطقاً باسم الاحتلال والمستوطنين، فقد ذكر أَمْنَ الصهاينة اثنتين وعشرين مرة، بينما لم يذكر أَمْنَنَا نحن – المستضعفين- ولو مرة واحدة، وقد تباكى على الشعوب العربية المقموعة من حكامها الذين يَسْطُون بها، ولا يرقبون في شيخٍ أو شبلٍ إلَّاً ولا ذمة، وطالب بالتحول الديموقراطي، بينما لم يَأْتِ على ذكرنا أبداً، فنحن لسنا مقموعين في نظره، بل  شرذمة من الإرهابيين الذين يستحقون أن يقتلوا، ويُوأَدَوا في قاع المحيطات في ظلماتٍ ثلاث؛ إقراراً لعيون الصهاينة الذين أشبعوا الرجلين تصفيقاً، وكانوا في أكثرها وقوفاً، ومن يضللِ اللهُ فلن تجد له ولياً مرشداً.

 

والله من ورائهم محيط

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .