( هل الصلح مع حركة فتح جديرٌ بالمدح أم حقيقٌ بالقدح )

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 673
( هل الصلح مع حركة فتح جديرٌ بالمدح أم حقيقٌ بالقدح )

من وحي آية

د. يونس الأسطل

 

( هل الصلح مع حركة فتح جديرٌ بالمدح أم حقيقٌ بالقدح )

 

]  وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فقدْ خَانوا اللهَ من قبلُ، فَأَمْكَنَ منهم، واللهُ عليمٌ حكيم  [

(الأنفال: 71 )

رشح عن الحوار الأخير في القاهرة المخصص للتباحث في شأن الحكومة، وقوائم الوزراء، أن حركة فتح لا ترغب في عرض حكومة الكفاءات الوطنية على المجلس التشريعي؛ اكتفاءً بأدائها القسم أمام محمود عباس، وإذا كانت حماس متمترسةً وراء هذا الاستحقاق الدستوري، فمن الممكن أن يكون بعد شهر من استلام الحكم، يكون فيه أبو مازن قد اتخذ قراراً بافتتاح دورة جديدة للمجلس.

وهنا نتساءل عن السرِّ في هذا الالتفاف على القانون الأساسي، وجعل واجب المجلس التشريعي صورياً إلى هذا الحدِّ المشبه وَضْعَ العربة أمام الحمار، مع أن المرجح لديَّ أنهم سيتجاهلونه بالكلية، ويقال: ما الداعي إلى تلك الخطوة، وقد مضت الحكومة في عملها، وقُضِيَ الأمر الذي فيه تستفتيان؟!.

قد نسمع تبريراتٍ لفظية، من مثل: إن أمريكا والغرب لن تتعامل مع حكومةٍ تأخذ شرعيتها من حماس؛ فإنهم عندئذٍ يعدونها حكومة لحماس، ولن يرفع الحصار، أو تفتح المعابر، وكأننا لم نصنع شيئاً.

ولولا أننا لُدِغْنا من هذا الجحر من قبل لأمكن النظر في هذا المقترح، لكننا أمام سياسة الإقصاء التي فاقت أربعين عاماً، وترسخت منذ ظهور نتائج الانتخابات التشريعية في كانون الثاني لسنة 2006م؛ إذْ لم يعترفوا بتلك النتائج، وقَرَّروا أن يُخْرِجوا حركة حماس من نفس البوابة السياسية التي وَلَجَتْ منها السلطة، فكانت الدعوة إلى انتخابات مبكرة، وإلى استفتاء شعبي، وأخرجوا لنا وثيقة الأسرى، وقد توازى ذلك مع الحصار، والفلتان، والتصفيات بين يدي انقلاب عسكري، لو لا أن الله جل جلاله وَقَى شَرَّه بالخطوة الاستباقية الهادفة إلى تحجيم الفلتان؛ فإذا بهم يُوَلُّون مدبرين، لا يلوون على أَحَدٍ، ولأنتم أشدُّ رهبةً في صدورهم من الله.

إن القفز على المجلس التشريعي يعني أن حركة فتح لا تزال في ضلالها القديم، تجترُّ تجاربَ فاشلةً؛ باستدراجنا إلى مربع السياسة بعيداً عن المقاومة؛ لعله تتحقق لهم الأمنية الغالية؛ أن تعترفوا بشرعية الاحتلال كما اعترفوا، فتكونوا سواءً، وهو ما أكَّد عليه أُوباما في خطابه الأخير أمام الحشد الكبير من اليهود في منظمة (إيباك)، وكان من المفترض أنهم عرفوا عقيدتنا وصلابتنا؛ بل وصرامتنا في عدم الإقرار للاحتلال باستحقاقه ذرة ترابٍ واحدة في أرضنا المباركة، وأن التخلي عن المقاومة لا يعدو بالنسبة لهم، ولأولياء الصهاينة، أن يكون من الأوهام وأحلام اليقظة؛ فضلاً عن الوسواس الثالث، وهو الْتزامنا بأوسلو، وخارطة الطريق، ووثيقة جنيف، وما خفي من المواثيق السرية التي أوصلتهم إلى الإيغال في التعاون الأمني مع بني صهيون، وما ترتب على ذلك من السخائم التي كشفت وثائق الجزيرة عن طَرَفٍ يسيرٍ منها.

أما آية الأنفال هذه فقد جاءت تعقيباً على العهود التي كانت تؤخذ على الأسرى عند مفاداتهم، وبالأخص أسرى بدر؛ حيث كانوا يتعهدون بعدم المشاركة مع أقوامهم في أيِّ عدوانٍ قادم، وقد يَعِدُ بعضُهم غروراً، وهو يُبَيِّتُ العَوْدَ لقتالنا، أو استئصالنا من جديد، فينقض بذلك عقد الهدنة بيننا وبينه، وتذهب تلك المصالحة أدراج الرياح.

فهل يبيح لنا ذلك الاحتمال أن نمتنع عن مفاداتهم، وأن نفرض عليهم اعتقالاً مؤبداً، كما يفعل الصهاينة بأسرانا الذين ينعتونهم بالملطخة أيديهم بالدماء الزكية لليهود أبناءِ الله وأحبائه –كما يفترون-؟

إن هذا الاحتمال لا ينبغي أن يحول دون مفاداتهم؛ فإنه جل وعلا في هذه الآية يطمئننا أنهم لو أطلقنا سراحهم وهم يريدون خديعةً أو خيانة؛ فإنه سبحانه متكفلٌ بهم، فكما عاقبهم على جرائم العدوان بالأسْر أول مرةً، سيذيقهم وَبَال أمرهم تارة أخرى، فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم، والله عليم بما يُضْمِرون، حكيم بما يستدرجهم به من حيث لا يعلمون؛ فإنهم إذا وقعوا في الأَسْرِ ثانية فلن تلدغ من جهتهم مرتين.

وقد اختلف المفسرون في تحديد الخيانة الأولى لله التي عَزَّرهم بسببها، فأوقعهم في القبضة، فمنهم من أرجعها إلى الفطرة والإشهاد عليهم وهم في صدر البشرية، حين أقروا لله بالربوبية، وتكون الخيانة، حالئذٍ بالشرك والوثنية، ومنهم من رآها في حَلْفِهِم بالله جَهْدَ أيمانهم؛ لئن جاءتهم آية لَيُؤْمِنُنَّ بها، ولئن جاءهم نذير ليكونُنَّ أهدى من إحدى الأمم، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً؛ استكباراً في الأرض، ومَكْرَ السيءِ، ولا يحيق المكر السيءُ إلا بأهله، ومنهم من عَدَّها وقوفَهم في وجه الدعوة، وقيامهم لإطفاء نور الله بأسيافهم، وأيَّاً ما كان المقصود فقد وقعت منهم الخيانة لله أول مرة، فعاقبهم عليها، فإنْ يعودوا لها يَعُدْ عليهم بالعقوبة، ولن تغني عنهم فئتهم شيئاً ولو كثرت، وأن الله مع المؤمنين.

إن جملة التسريبات الإعلامية، أو ما تتمخض عنه الاجتماعات السرية، يوحي بأن القوم يُبَيِّتونَ خديعة، وينوون غدراً، ولا ينبغي أن نلقي بأيدينا إلى التهلكة، كما لا يجوز أن نسقط من حسابنا نظرية المؤامرة، ولا شكَّ أن التشبت بالقانون الأساسي، والإصرار على تفعيل التشريعي، خطوط حمراء، فلا تعتدوها، مهما كانت النتائج؛ لئلا تجدوا أنفسكم كمن يركض وراء السراب، ولن يدرك بِلالاً، ولسوف يظلَّ في الظمأ والنَّصَب والمخمصة.

إن نقض المواثيق، وخيانة العهود، خُلُقٌ يهودي ذميم؛ وقد قال عز وجل في حقهم: ".. ولا تزالُ تَطَّلِعُ على خائنةٍ منهم إلا قليلاً منهم.. " المائدة (13)

وهو كذلك صفة للمنافقين الذين يتولون اليهود والنصارى، كما قال سبحانه وتعالى في فضحهم: ".. ولا تكنْ للخائنينَ خَصِيماً. ... ولا تجادلْ عن الذين يختانون أنفسَهم؛ إن اللهَ لا يحبُّ من كان خَوَّاناً أثيما" النساء (105-107)

لذلك فنحن مطمئنون إلى ولاية الله لنا ما دام لا يحب الخائنين، ولا يحب من كان خَوَّاناً أثيماً، ولا يحب كل خَوَّان كفور، ولا يهدي كيد الخائنين، وقد أرشدنا إلى أنه إذا خِفْنا من قومٍ خيانةً أن نَنْبِذَ إليهم عهدهم، وأن نُعْلِمَهم بانتهاء العقد بيننا وبينهم؛ لنكون في حِلٍّ من كلِّ تبعاته، ولِنتخذَ السياسة المناسبة للذين ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون.

 

والله من وراء محيط

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .