نجاح الحوار في الوصول إلى الإقرار بوجوب التحاكم إلى الله والرسول

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 713
نجاح الحوار في الوصول إلى الإقرار بوجوب التحاكم إلى الله والرسول

في رحاب آيـة

د. يونس الأسطل

( نجاح الحوار في الوصول إلى الإقرار بوجوب التحاكم إلى الله والرسول )

 

} أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا { النساء ( 60 )

 

أعجبُ لقومٍ ينكرون على من يحكم عليهم بالردة والخروج من الملة, ويقولون: إنكم ترموننا بالتكفير والتخوين, ونحن مسلمون نصلي ونصوم, وإن من يرمي غيره بالكفر فقد باء به أحدهما..., مع أنهم قد بلغوا من الولاء للأعداء دركة مخزية, قتلوا فيها المجاهدين, ولم يسلم من بطشهم بشر ولا حجر من أنصار حركة المقاومة الإسلامية.

وقد أمرنا ربنا بطاعة الله عز وجل, وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم, ثم أولي الأمر منكم من ساداتنا العلماء, وكبرائنا الأمراء, مع الالتزام بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

فإذا حصل نزاع في قضية ما وجب ردُّها لكتاب الله, وسنة رسوله؛ كشرط لتحقق الإيمان بالله واليوم الآخر, وأن التحاكم فيما اختلفتم فيه إلى الله وإلى الرسول خير لكم في الدنيا والآخرة, وهو أحسن عاقبة في الدنيا والآخرة.

ثم جاءت آية المقال لتنعى على الذين ينتسبون إلى الإسلام أن يزعموا الإيمان بالقرآن, وبما أُنزل من قبل؛ كالتوراة والإنجيل, والزبور, وصحف إبراهيم, وغيرها, ولكنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم رأيتهم يصدون عنك صدوداً؛ فإنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت, وهو الشيطان من الجن والإنس الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً, وإنهم في ذهابهم إلى الطاغوت لا ينطلقون من الجهل بوجوب الاختصام إلى شريعة الإسلام, وحرمة الاحتكام إلى مناهج الأنام من اللئام أو أشباه الأنعام, فقد أُمِروا أن يكفروا به, ذلك أن من يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله؛ فقد استمسك بالعروة الوثقى, لا انفصام لها, بينما الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت, يخرجونهم من النور إلى الظلمات, فيرفضون فَضَّ خلافاتهم عند الله والرسول.

وقد أخبر سبحانه أن الشيطان يريد بتزيين ذلك لهم أن يضلهم ضلالاً بعيداً, لا أمل معه في رجوعهم؛ بل يذرهم في طغيانهم يعمهون.

ويزداد العجب من أمر أولئك المنافقين حين تصيبهم قارعة بما صنعوا, فيجيئون يحلفون بالله ما أردنا بالتحاكم إلى غير شريعة الله إلا إحساناً وتوفيقاً؛ فإن إعلان الانتساب إلى الإسلام, والاحتكام إلى منهجه يَجُرُّ علينا متاعبَ لا قِبَلَ لنا بها, كما أن بعض الأطراف لا يقبل بالشريعة حَكَماً, فمن أجل استدراجهم إلى قبول التحكيم كان اختيار الطاغوت, وهو عذر أقبح من ذنبِ الاحتكام نفسه, مع أنه ردة, وانقلاب على الأعقاب, أو انتكاس على الرؤوس, كمن يمشي مُكِّباً على وجهه.

أفحكم الجاهلية يبغون؟!, ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟!, لذلك فقد لَقَّنَ الله تبارك وتعالى رسوله أن يقول: " أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا.." الأنعام (114).

إن هذه القضية من الأهمية بحيث تناولها القرآن في مواضعَ منه, وهو يفضح المنافقين الزاعمين الإيمان والطاعة, وهم لا يحققون شرط ذلك, بأن يُحَكِّموكَ فيما شجر بينهم, ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيتَ, ويسلموا تسليما, ومن ذلك ما ورد في سورة النور:" وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ . وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ . وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ . أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ . إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  " الآيات ( 47 – 51 ).

لذلك فإننا إذا دعونا خصومنا فيما يتعلق بجميع نقاط الخلاف في الحوار إلى الاحتكام إلى كتاب الله, وإلى سنة رسول الله؛ فلن يرضوا أبداً, إنما يريدون التحاكم إلى القانون الدولي, وإلى مؤسسات الأمم المتحدة؛ بدعوى أننا جزءٌ من العالم, ولا نملك الفكاك من قبضته, وأن رفض ذلك يجرُُّ علينا من السخط والغضب, ومن الانتقام ما لا نطيق, فكيف إذا صَدَعْنا بميلنا إلى الإسلام, وإصرارنا على التحاكم إليه, عندها نُتَخَطَّفُ من أرضنا, ونَستنفر القوى العالمية ضدنا.

إن اليهود والنصارى لن يرضوا عنك حتى تتبع ملتهم, ومَنْ يتولهم منكم فإنه منهم, فإذا رأيت الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة, فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم, فعسى الله أن يأتي بالفتح, أو أَمْرٍ من عنده, فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين, ولو أنهم إذْ ظلموا أنفسهم جاؤوا النبي عليه الصلاة والسلام, فاستغفروا الله, واستغفروا لهم الرسول, لوجدوا الله تواباً رحيما, فباب الإنابة إلى الله, مفتوح, لكنهم إذا قيل لهم تعالوا يستغفرْ لكم رسول الله لَوَّوْا رؤوسهم, ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون, وعندئذٍ فلو استغفرت لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم, ولسوف يأتيهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون, ثم لا ينصرون.

إن الإجرام في الضفة الغربية الذي وصل إلى حد السعي لاستئصال الأخلاق والدين, فضلاً عن المقاومة, ليس أثراً للانقسام السياسي, أو تخوفاً من الانقلاب المرتقب, بمقدار ما هو حقد أهل الردة على دين الله, وعلى عباده الصالحين, وهو ما أشار إليه سبحانه في الحديث عن الأجيال التي تأتي بعد جيل الحواريين من أصحاب النبيين, فقد جاء في سورة البقرة: " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُُ " الآية (253).

إن رفض حاكمية الله, كفر؛ إذْ الحكم كله لله وحده, أمر ألَّا تعبدوا إلا إيّاه, وألَّا يتَّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله, ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل, فقد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله, حين أحلوا لهم الحرام, وحرموا عليهم الحلال, فأطاعوهم, فكانوا بذلك قد رضوا أن يكونوا عبيداً لشركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله, فهم يرون المتشبثين بوحدانية الله وحاكميته خُصُوصاً لهم, فيقاتلونهم, لكنَّ سنة الله ماضية أن يؤيد الذين آمنوا على عدوهم, فيصبحوا ظاهرين, وهو ما نؤمن أنه كائن في الضفة أقرب مما تظنون, حتى لو تراخى بضع سنين, فإن الحلول الأمنية فاشلة كأهلها, وهي التي تستفز الطاقات المخبوءة للدفع والمقاومة, وإن مزيداً من الإجرام زيتٌ يُصَبُّ على نار الثأر, والرغبة في الخلاص ممن أضلهم الشيطان ضلالاً بعيداً, وإن كيد الشيطان كان ضعيفا.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .