من تعجل ثمر الصلح قبل أوانه عوقب بفقدانه أو حرمانه

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 712
من تعجل ثمر الصلح قبل أوانه عوقب بفقدانه أو حرمانه

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( من تعجل ثمر الصلح قبل أوانه عوقب بفقدانه أو حرمانه )

 

]  وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا   [

(الإسراء: 11 )

كان الكثيرون ينتظرون أن يجري توقيع المصالحة في القاهرة؛ لتقع تغيراتٌ جوهريةٌ في مظاهر العداوة والبغضاء التي ترسخت بالانقسام، والحقُّ أن التدابر بين حركتي فتح وحماس لم يبدأ بظهور نتائج الانتخابات التشريعية، ولم يكن وليدَ القضاء على الفلتان الأمني؛ بل إن جذوره أبعد من ذلك؛ إذْ إن الذين آمنوا بوجوب تدشين حركة التحرير الوطني (حتف) قبل أن تقرأ بالمقلوب، فتصبح (فتح)، هم مجموعة من المحسوبين على جماعة الإخوان المسلمين، وهي الحاضنة التي انبثق عنها فيما بعد حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

غير أن انفصاماً قد حصل يوم جنح بها الذين غلبوا على أمرهم للمنحى العلماني الذي لم يكن مهتماً بالعقيدة الدينية للتنظيم، فالدين عندهم أمرٌ شخصيّ، وعلاقةٌ فردية بين العبد وربِّه، ومع كَرِّ السنين أمسى المتدين منبوذاً؛ لأنه لا يخوض مع الخائضين.

وقد شهدت سنوات العقد الثامن من القرن الماضي بروز ظاهرة التدين في السجون الصهيونية، وقد ظَلُّوا قلةً مستضعفين إلى نهاية الثمانينات، حين انفجرت الانتفاضة الأُولى، وشهدتْ ميلاد حركة حماس مع نهاية الأسبوع الأول لاندلاعها، فازداد عدد المنتمين للحركة في السجون، وأحدث توازناً في القوة بين الحركتين، فتنفس المتدينون الصعداء، وكانوا من قبل يعانون من حركة (حتف) واليسار أضعافَ أضعافَ ما يعانون من السَّجان الصهيوني.

ولقد كانت التعبئة الداخلية عندهم أن جماعة الإخوان هم صنيعة المخابرات اليهودية؛ لضرب الحركة الوطنية، ولا زال القوم يرون فيهم عدواً أخطر على وجودهم من الاحتلال، فقد تصالحوا معه لدرجة التعاون الأمني ضد الحركة والمقاومة، ومن نَكَدِ الدنيا على المرء أن يرى عدواً ليس له من صداقته بُدٌّ.

لذلك فليس هَيِّناً أن تتحقق المصالحة على الأرض في أيام معدودة؛ إنها تحتاج إلى نَفَسٍ طويل، وصبر جميل، بل وصَفْحٍ جميل، والمهم أن يظل قطار المصالحة متحركاً، مهما كان بطيئاً؛ فإن ذوبان الجليد يحتاج إلى عزمٍ شديد، ووقتٍ مديد، وهو في حاجة إلى مخزونٍ فريد من الحكمة والحنكة، والدفع بالتي هي أحسن.

أما آية الإسراء فتخبر عن طبيعةٍ في الإنسان؛ إنه يدعو بالشرِّ مثل دعائه بالخير، وكان الإنسان عجولاً، ولولا ذلك لما دعا بالشر، والمقصود هنا –والآية مكية- استعجال قريش بالعذاب، فقد قالوا: ربَّنا عَجِّل لنا قِطَّنَا قبل يوم الحساب، يريدون بذلك العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر، فقد بلغ بهم الجهل أن يقولوا اللهم إنْ كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطرْ علينا حجارة من السماء، أو ائْتِنا بعذابٍ أليم، فاستعجلوا بذلك السيئةَ قبل الحسنة، كما استعجل الذين من قبلهم الذين مَثَّلَ الله بهم حين أخذ كُلَّاً بِذَنْبِه، وقد قال لعادٍ قومِ هود، حين أرسل عليهم الريح العقيم، فظنوه عارضاً مستقبل أوديتهم بالغيث، فكان الجواب: بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم، تُدَمِّرُ كلَّ شيءٍ بأمر ربها، فترى القوم فيها صرعى، كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية، وقد جاء في سورة العنكبوت:

" وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ " الآيتان (53، 54)

إن الحديث عن استعجال الكفرة بالعذاب قد جاء في عشرات الآيات؛ بل إنهم قد تعجلوا قيام الساعة تكذيباً بها، واستبعاداً لها؛ فإن الإنسان يريد أن يَفْجُرَ أمامه، حين يسأل: أَيَّانَ يومُ القيامة، بل الساعة موعدهم، والساعة أدهى وأَمَرُّ، وقد أخبر ربُّنا عن استعجالهم بها، وإشفاقنا منها، فقال:

" وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ . يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ " الشورى (17، 18)

إن العجلة صفة أصيلة في الإنسان، وليس سهلاً أن يتهذب منها؛ إلا بطول التربية على الحِلْم والصبر، فقد عَقَّبَ سبحانه على استعجال المشركين بالعذاب، فقال في سورة الأنبياء:

" خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ " الآية (37)

وكما نهاهم هنا عن استعجال العذاب؛ فقد نهى نبيه عليه الصلاة والسلام عن استعجال العذاب لهم، فقال في سورة الأحقاف:

" فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ " الآية (35)

ثم أمره أن يخبرهم بأن الأمر كله لله، فما  يستعجلون به من العذاب لا يملكه، ولو كان يملكه لجاءهم به، ولَحُسِمَ الأمر بينه وبينهم، كما في سورة الأنعام:

" مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ . قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ " الآيتان (57، 58)

إن صفة العجلة جعلت أكثر الناس يحبون العاجلة، ويذرون الآخرة، فهم يحبون العاجلة، ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً، ومن سُنة الله جل جلاله أن من كان يريد العاجلة عجَّل له فيها ما يشاء لمن يريد، ثم جعل له جهنم يصلاها مذموماً مدحورا.

إن بعض أنبياء الله تبارك وتعالى لم يسلموا من العجلة ابتغاءَ رضوان الله، فهذا سيدنا موسى قد واعده ربُّه ثلاثين ليلة، وأتَّمها بعشرٍ، فَتَمَّ ميقاتُ ربِّه أربعين ليلة، يصوم نهارها، ويقوم ليلها، في اعتكافٍ عند جبل الطور؛ ليتأهل لتلقي التوراة دستورِ الحياة، وقد تعجَّل سيدنا موسى عليه السلام الذهاب إلى الطور قبل أن يطمئن إلى رسوخ الإيمان في قلوب بني إسرائيل؛ فإنهم بمجرد عُبُورهم البحر، وتوجههم تلقاء فلسطين، قد مَرُّوا على قومٍ يعكفون على أصنام لهم، فإذا بهم يقولون: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، لذلك فقد اغتنم السامريُّ غياب سيدنا موسى أربعين ليلة، فصنع لهم من حُلِيِّهم عجلاً جسداً له خوار، فقالوا: هذا إلهكم وإله موسى، ولن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، قال تعالى:

" وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى . قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى " طه (83، 84).

بل إن نبيَّنا محمداً صلى الله عليه وسلم كان يتعجل القراءة خلف الرُّوح الأمين؛ لئلا يفوته شيءٌ من القرآن، فنهاه الله عن ذلك، وقال:

"... وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا " طه(114)، وانظر سورة القيامة (16).

ومن هنا نفهم سنة الله تبارك وتعالى فيمن استعجل الشيءَ قبل أوانه؛ فإنه يعاقب بحرمانه، كمن يقطف الثمار قبل نضوجها، فيضطر إلى لَفْظِها في القمامة.

ولعله من المناسب أن أشير إلى سياق آية الإسراء، فقد جاءت بعد الحديث عن إفسادتي بني إسرائيل في أرضنا المباركة، وقد ذكر بعدها أن القرآن يهدي للتي هي أقوم؛ أيْ إلى أقرب السبل لإساءة وجوه اليهود، ولتتبير ما علوه تتبيراً، غير أن بعض الناس يراه دَرْباً طويلاً، فيريد اختصار الزمن، فيبغونها عوجاً من حيث يعلمون أوْلا يعلمون.

ذلك أن تحرير الإنسان يسبق تحرير الأوطان، وهذا يقتضي أن نحتضن الأشبال؛ ليحفظوا القرآن،  وتتهذب أخلاقهم بالسنة، ويجري تحصينهم بالفكر الإسلامي، والفقه الإسلامي، مع التحريض على القتال، والتعبئة بِحُبِّ الشهادة والتضحية، والتوعية بالمخاطر المحدقة بنا، وقد يستغرق هذا جيلاً أو اثنين، أو أكثر، فينظر المتعجلون، فيرون أنهم في حاجةٍ إلى عشرين سنة، وهذا زمنٌ طويل في نظرهم، فيتوجه تلقاء الشيوعية للحصول على السلاح، ويجلب معه الإلحاد، أو يقصد غيرها، فتبيعه الصَّدِأَ من العتاد بشروط الإذعان، وقد بلغ بهم الأمر، أو انتهي بهم إلى تمكين أقدام الاحتلال في أرضنا المقدسة، والسهر على أمنه، بعد قريب من نصف قرن من الانطلاقة، بينما تمكنت المقاومة الإسلامية أن تكنس الاحتلال على رأسِ سبعة عشر عاماً في عام 2005م من قطاع غزة بفضل الله وحده.

 

ولا نامت أعين الجُهلاء والسُّفهاء والجُبَناء

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .