(لا يَحِلُّ تنصيب أميرين مع اتحاد المناهج فكيف بتشكيل حكومتين مع افتراق البرامج)

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 692
(لا يَحِلُّ  تنصيب أميرين مع اتحاد المناهج فكيف بتشكيل حكومتين مع افتراق البرامج)

في رحاب آيـة

د. يونس الأسطل

 

(لا يَحِلُّ  تنصيب أميرين مع اتحاد المناهج فكيف بتشكيل حكومتين مع افتراق البرامج)

 

] فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[ ( التوبة11)

 

    انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربِّه، فحصلتْ رِدَّةٌ عامة، لم يسلمْ منها إلا أهلُ المدينة المنورة، ومكة المكرمة، والطائف، بينما أطبقتِ الجزيرة على الردة الكلية، أو الجزئية؛ كالامتناع عن أداء الزكاة بالتأويل الفاسد لبعض الآيات، وقد ذهب بعضهم في الكفر إلى حدِّ ادِّعاء النبوة، تلك التي ظهرتْ في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كانت بعد مماته، ولكن الخليفة الأول ما لبث أن أخمدها، وقضى عليها؛ فقد ادعى مسيلمةُ الكذاب النبوة في بني حنيفة، وكانوا قوماً أولي بأسٍ شديد، لكنَّ امرأةً ادعتْ النبوة، في بني تميم كانت أقوى من مسيلمة، فلما خاف أن تخاصمه، وترث ملكه؛ احتال فتزوجها بدعوى التعاون بينهما على أعباء النبوة، ولكنه مكر بها؛ ليضمَّ قوتها إلى قوته، فلا يقدر الصحابة على تشتيت تلك القوة، أو تفتيتها، ولكن انضمام سَجَاحٍ إليه لم يُغْنِ عنه من الله شيئاً، على الرغم من شدة بأسهم، ثم تحصنهم بحديقة محكمة، عُرِفَتْ فيما بعد بحديقة الموت؛ لكثرة من قُتِلوا بداخلها من جند مسيلمة، فقد نَافُوا عن عشرة آلاف، بينما ناهز شهداؤنا خمسمائة، وممن ادعى النبوة في تلك الحقبة الأسودُ العَنْسِيُّ في اليمن، وطليحة الأسدي من بين أسد، ثم الْتحقَ به عدد من القبائل العربية؛ حيث استطاع بدهائه أن يستميلها معه، وأن يضمن ولاءها إليه.

    وقد تردد بعض الصحابة في قتال مانعي الزكاة، كما مالوا إلى العدول عن إمضاء ( بَعْثِ أسامة) إلى الروم والداروم بالشام وفلسطين، غير أن أبا بكر رضي الله عنه قد أَصَرَّ على إنفاذ بعث أسامة، وأعلن أنه لم يكن له أن يَحُلَّ لواءً عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك خيراً، إذْ قذف الله عز وجل بمسيره الرعبَ في قلوب كثير من القبائل العربية التي كانت تفكر في الردة، وتعتزم الزحف إلى المدينة، وقالوا : لولا أن بالمسلمين قوةً ما قرَّروا الاشتباك مع الروم، رغم زلزال الردة الذي ضرب معظم الجزيرة.

    وأما بخصوص مانعي الزكاة فقد أقسم رضي الله عنه لَيُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بين الصلاة والزكاة، وأنهم لو منعوه عَنَاقاً - أي سَخْلاً- كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلهم عليه، وما هي إلا سويعات حتى شرح الله صدر عمر، ومن معه من الصحابة، لذلك الرأي، وعرفوا أنه الحق.

    وقد كان أبو بكر رضي الله في القتال عن حقوق الفقراء والمساكين، والعاملين على الزكاة، والمؤلفة قلوبهم، والرقاب، والغارمين وأبناء السبيل، وعموم الداخلين في مفهموم ( في سبيل الله)، كان يتأول هذه الآية من سورة التوبة وأخواتها؛ إذ شرط ربنا تبارك وتعالى ليكون الناس إخوةً لنا في الدين، نخفضُ لهم جناح الذل من الرحمة، أن يتوبوا من الردة والعدوان، وأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا فَخَلُّوا سبيلهم؛ إن الله غفور رحيم، وإلاَّ فاقتلوهم حيث وجدتموهم، وخذوهم، واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد، فهم الذين لا يرقبون في مؤمنٍ إلَّاً ولا ذمةً، وأولئك هم المعتدون، ويتأكد وجوب قتالهم إنْ نكثوا أَيْمَانَهم من بعد عهدهم، وطعنوا في دينكم، خاصة إذا تَقَصَّدتم أئمة الكفر فيهم، وعندئذٍ ] يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ* وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ...  [( التوبة12-15) .

    وقد كانت المفاجأة أنَّ كُلَّاً من الروم وفارسٍ قد أَمَدُّوا القبائل الموالية لهم بالسلاح والمال، كما يفعل الأمريكان، وحَمَلَةُ الصلبان، بعملائهم العرب والفلسطينيين، فهم ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، ولكنها ستكون عليهم حسرةً، ثم يغلبون، وقد عقد أبو بكر أحدَ عشرَ لواءً، ووجَّههم إلى أرجاء الجزيرة، حتى تمكنوا من إخماد الردة، وجلب الزكاة، والقضاء على زاعمي النبوة، ثم كان الزحف من بعد على فارس، ثم على الروم؛ تأديباً لهم، ففتح بلادهم، غير أن المنية عاجلته، فحمل اللواء من بعده عمر بن الخطاب، وفي عهده زالتْ امبراطوريات الإلحاد والشرك، سواء كان ذلك بعبادة النيران والكواكب، كالحال في المجوس، أو بالقول: إن الله هو المسيح بن مريم، أو أنه ثالث ثلاثة، أو أن المسيح ابن الله، وبعضهم قد اتخذ المسيح بن مريم وأمَّه إلهين من دون الله، كما هي طوائف النصارى، وما بعضهم بتابعٍ قِبلةَ بعض.

    وقد تحقق بتلك الفتوحات ما وعدكم الله به من المغانم الكثيرة، خاصة تلك التي لم تقدروا عليها، قد أحاط الله بها، وقد تحقق لِسُراقةَ بن مالك ما وعده به الرسول عليه الصلاة والسلام أثناء الهجرة من أنه سيلبس سواري كسرى، وما وعد به عديَّ بن حاتم من الفوز بكنوز كسرى بن هرمز، وقد شارك عديٌ بنفسه رضي الله عنه في فتح المدائن، وجني الغنائم.

    ولا بُدَّ ونحن نشير إلى فضائل أبي بكر رضي الله عنه في إخماد تلك الفتن - التي ماجت بالجزيرة كموج البحر بالسفينة-  أن نؤكد أنه لم يكن غيره من المهاجرين والأنصار بقادرٍ على أن يواجه تلك العاصفة الهوجاء بنفس الحزم والكفاءة التي تحققتْ في شخص أبي بكر.

    والمعروف أن الأنصار رضي الله عنهم، وبعد أن تيقنوا من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد سارعوا إلى تنصيب خليفة، فاجتمعوا في السقيفة، ووقع اختيارهم على سعد بن عبادة سيد الخزرج، وفي تلك اللحظة ترك الشيخان تجهيز رسول الله، واقتحما عليهم مجلسهم، ودار الحوار حول الأحق بالخلافة، واقترح بعضهم أن يُنَصِّبوا خليفتين، وقالوا: منا أمير، ومنكم أمير، وغاب عنهم أن الدولة لا تمضي برأسين، فضلاً عن حكومتين، وأن نبيَّنا محمداً صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أن يَقْتُلوا الآخِرَ منهما؛ إذا بويع لخليفتين؛ لأنه عندئذٍ يكون رأس الفتنة، وزعيمَ الانشقاق، والسببَ في التفسخ والفرقة، ويتأكد هذا إذا لم نستطع حمله على الاستقالة والتنحي بغير ضرب العنق.

    وقد قام أبو بكر فأقام الحجة بالنقل والعقل أن أمر الخلافة لا يصلح إلا في قريش؛ فإن القبائل العربية قد توارثت الإيمان بشرف قريش فيهم؛ بسبب سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام، فهم الذين تجتمع عليهم الكلمة، ويلتئم بهم الشمل، وتنقاد لهم العرب، وما هي إلا لحظات حتى اقتنعوا بذلك، ولم يطل الحوار، وما كاد عمر بن الخطاب يَثِبُ فيبايع أبا بكر، بما أنه كان ثاني اثنين؛ إذ هما في الغار، وهو المستخلف في إمامة الصلاة، فقد رضيه الرسول لدينهم، أفلا يرضونه لدنياهم، وهو السبَّاق في كل شيءٍ، حتى إنه ليتصدق ذات مرةٍ بكل ماله، بينما جاء عمر بشطر ماله، ولم يستطع أَحَدٌ مباراته في الباقيات الصالحات، ما كاد عمر يبايع حتى قام الأنصار، فبايعوا، ثم كانت البيعة العامة في المسجد في اليوم التالي، وقد حصل كل ذلك قبل تشييع جثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن تنصيب خليفة تجتمع عليه الأمة أولى من أكثر الواجبات، فضلاً عن الجنائز، وهي فرض كفاية.

    واليوم قد أمسينا حكومتين، وكنا من قبل سلطةً برأسين، وأَحَدُ الفريقين يرفض الحوار، إلاَّ أن يُعاد المتاجرون بالأمن، وأرواح الناس، الناشرون المخدرات، المُشِيعون الفاحشة في الذين آمنوا، إلى مناصبهم؛ ليعود الإجرام والفلتان والتجسس، ولا زال المهيمنون على رام الله يمطروننا بالمراسيم، وسياسية التجويع، والقذف بأقبح الشتائم، والعدوان على إخواننا في الدين، ولكنهم بكل هذا يحفرون قبورهم بأظافرهم وما يشعرون.

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .