الاحتكام إلى الكتاب هو الصواب، لا في تكريس الفرقة بشريعة الغاب

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 772
الاحتكام إلى الكتاب هو الصواب، لا في تكريس الفرقة بشريعة الغاب

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

(الاحتكام إلى الكتاب هو الصواب، لا في تكريس الفرقة بشريعة الغاب)

] كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [

(البقرة 213)

بإعلان أبي مازن عن إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري يكون التدابر في الساحة الفلسطينية قد بلغ أَشُدَّه، إِذِ احتمال إجرائها في الضفة وحدها قائم، حتى يتمكنوا من تفصيل شرعية على مقاس عباس، حيث رموز حركة حماس في السجون، وأنصارها مضطهدون، وجمعياتها الخيرية والخِدْمِيَّة مؤصدة، وأنفاسها مكتومة، وحالئذٍٍ فلن يشارك في الاقتراع إلا المُسَبِّحون بحمده؛ فإن حركة حماس لن تقبل بالمشاركة في ظلِّ التصعيد ضدها بدل المصالحة المؤسِّسة للوحدة والشراكة.

هذا ولو كانت هناك نية للصلح لنجح اتفاق القاهرة في عام 2005م، أو لكانت وثيقة الوفاق الوطني أو وثيقة الأسرى، كما جرى تسويقها، كافيةً في تحقيق المصالحة في عام 2006م، ثم كان صلح مكة في عام 2007م، لكن الذي تكشف أن الهدف من كلِّ تلك الاتفاقات ليس إنهاء الخلاف، والتأسيس للشراكة، إنما الحصول على بَنْدٍ واحدٍ فيها، ونبذ الباقي وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، فاتفاق القاهرة أخذوا منه التهدئة مع الاحتلال، ووثيقة الوفاق الوطني أُريد بها قبل تعديلها جَرُّ حركة حماس إلى مشروع أوسلو، أو تقوم بترك الحكومة لحركة فتح، فلما حصل تعديل كبير فيها اتخذوها وراءهم ظِهْرِيّاً، وأما اتفاق مكةَ فأريد به فقط حكومة الوفاق الوطني؛ لمنع تفرد حماس بالحكومة العاشرة، وسحب هيمنتها على الوزارات المهمة، لا سيما الداخلية والخارجية والمالية، بالإضافة إلى الْتقاطِ الأنفاس؛ لترميم القوة القادرة على الْتهام الحركة في غَلْوةٍ واحدة بتعبير بعضهم.

إن هذه الآية تخبرنا أن الرسل إنما تبعث عند اختلاف الناس لإعادة الائتلاف إليهم، وذلك ببشارة المستجيبين بخيري الدنيا والآخرة، وبإنذار المعاندين بسنة الله في الأولين؛ فإنَّ أَخْذَهُ أليم شديد في الدنيا، فما بالكم في الآخرة، وللآخرةُ أكبر درجاتٍ وأكبر تفضيلاً، وقد أنزل مع الأنبياء الكتاب؛ ليكون حَكَماً بين الناس فيما اختلفوا فيه، سواء تعلق بالتوحيد أم التشريع، وما اختلفتم فيه من شيءٍ فحكمه إلى الله، وإن تنازعتم في شيءٍ فَرُدُّوهُ إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر.

وقد أخبرت الآية أن أهل الكتاب قد اختلفوا فيه من بعد ما أوتوه، والأصل أن يتوحدوا عليه، غير انه الحسد الذميم بينهم، من بعد ما جاءتهم البينات؛ فإن فريقاً منهم يظلون راكبي رؤوسهم، مصرين على العناد، لكنَّ المؤمنين هم الذين يهديهم الله إلى الحق المختلف فيه بإذنه ومشيئته، وهو الهادي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.

لقد جاءت عشرات الآيات آمرةً بالوحدة ناهية عن التفرق، وخاصة تفرق أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ذلك أن فساد ذات البين هي الحالقة التي لا تحلق الشعر، إنما تحلق الدين، وأنكم إن تنازعتم فشلتم، وذهبتْ ريحكم أمام عدوكم، فصرتم عُراةً من القوة، فوجدكم لقمةً سائغة.

ولعل من أصرح الآيات في ذلك ما جاء في آل عمران من قوله تعالى:" وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ " الآيات(103- 105).

وكذلك قوله سبحانه:" إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ " الأنعام(159).

حيث إن تفريق الدين هو الإيمان ببعضه، وجحود بعضه الآخر، مع أنه لا يجوز التفريط بشيءٍ من الدين بتاتاً، فنحن مأمورون أن ندخل في الإسلام كافةً، وأن نحذر أن يفتننا عدونا عن بعض ما أنزل الله إلينا، فلا وربِّك لا يؤمنون حتى يُحَكِّموك فيما شَجَرَ بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيتَ، ويُسَلِّموا تسليما.

وقد تهدد الله بني إسرائيل حين فرقوا دينهم، فآمنوا ببعض الكتاب، وكفروا ببعض، بأنه لا جزاء لهم على ذلك إلا خِزْيُ الدنيا، ويوم القيامة يُرَدُّون إلى أشدِّ العذاب، حيث الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيرا.

وقد كان من خزي الدنيا إغراءُ العداوة بينهم والبغضاء إلى يوم القيامة، سواء كانوا هوداً أو نصارى، فما بالكم بالعداوة بين الفريقين، وكل منهما تقول: إن الأخرى ليست على شيء من الهدى، فكل واحدة تكفر أختها وهم يتلون الكتاب.

قال سبحانه عن النصارى:" وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ " المائدة(14).

وقال في نفس السورة عن اليهود:" .. وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ.. " الآية(64).

فإذا وقعت العداوة والبغضاء بينهم حَسِبْتهم جميعاً وقلوبهم شتى، وعندئذٍ سَيَذِلُّون لعدوهم، ويفعل بهم ما يشاء، فريقاً يقتلون، ويأسرون فريقاً، وينتزعون بعض ما في أيديهم، ويجعلون أعزة أهلها أذلة، وهذا بعض ما توعد الله جل جلاله به من خزي الدنيا.

إن آية الأنعام تنفي أن يكون أمثال هؤلاء يَمُتُّون إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصلة، فهي تثبت البراءة التامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، وهذا يعني أنه من المستبعد بعد ذلك أن يتوبوا، بسبب اعتقاد كل فريق أنه على هدى.

ومعنى قوله) إنما أمرهم إلى الله) أيْ يعاقبهم بما يشاء, ولو بأن يَلْبِسَهُم شِيعاً، ويذيق بعضهم بأس بعض، وقد سأل نبينا عليه الصلاة والسلام ربَّه لأمته ثلاثاً: سأله أَلَّا يهلكهم بسنةٍ عامة، وألَّا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وألا يجعل بأسهم بينهم، فأعطاه الأُولَيَيْن، ومنعه الثالثة، لذلك وقع الخلاف والقتال بين طوائف هذه الأمة، رغم أنه عليه الصلاة والسلام قد نهانا أن نرجع بعده كفاراً يضرب بعضنا رقاب بعض.

 فإذا عدنا إلى المصالحة الفلسطينية التي جرت من أجلها سبع جولاتٍ من الحوار، ولم تنجح؛ لأن فريقاً يتذرع بشروط الرباعية، واتفاقات منظمة التحرير مع الاحتلال؛ ليغطي على رغبته بالتفرد، من خلال انتخابات على مقاسه، يعبثُ بها كيفما يشاء؛ لانتزاع الشرعية ثانية من حركة حماس، إذْ إن الشرعية اليوم إنما تستمد من رضا اليهود والنصارى والمنافقين أو المرتدين من المحسوبين على هذه الأمة، مع أنهم تولوا اليهود والنصارى، فكانوا منهم بشهادة سورة المائدة في الآية(51).

 فهل يقبل عباس وزمرته أن نحتكم إلى الكتاب المُنَزَّلِ بالحق فيما اختلفنا فيه؟، لنسأل الراسخين في العلم، وليس الذين في قلوبهم زيغ، عما إذا كان يجوز أن نعترف بشرعية الاحتلال الصهيوني لمعظم أرضنا المقدسة؟, وهل يحلُّ لنا أن نَذَرَ المقاومة باسم نبذ العنف؟، وأن نرضى أن نكون حراساً لأمن الاحتلال؟، فضلاً عن الانحلال في الإعلام والمؤسسات المختلطة، وأن نُقِرَّ بيهودية الدولة، بما ينطوي عليه ذلك من إلغاء حق عودة اللاجئين إلى ديارهم، فضلاً عن حَقِّ الصهاينة في تهجيرنا منها من جديد.

إن مشكلتنا ليست مع قومٍ فَرَّقوا دينهم، بل مع شرذمةٍ فارقوا دينهم بالكلية، ورضوا بالإلحاد أو العلمانية أو الديمقراطية الزائفة التي يأخذون منها ما يوافق أهواءهم، وإلا فإنهم ينقلبون عليها ويزيفونها، ليعودوا سيرتهم الأولى، وهيهات هيهات.

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .