من فقه الصيام القتال في سبيل الله للمعتدين و البغاة

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 813
من فقه الصيام القتال في سبيل الله للمعتدين و البغاة

في رحاب آية

د . يونس الأسطل

"من فقه الصيام القتال في سبيل الله للمعتدين و البغاة"

{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } البقرة(190)  

    لو جرى استفتاء حول الفريضة التالية لركن الصيام ؛ لامتثال قوله تعالى{فَإِذَا فَرَغْتَ       فَانصَبْ } الشرح(7) ؛ أي إذا فرغت من فريضة فانصبْ في واجب آخر ؛ لكان جواب الكثيرين : إنها الحجُّ ، وقد يكون لهم العذر في ذلك ؛ فإن الحجَّ أشهرٌ معلومات تبدأ بشوال ، ولكن حين نستفتي سورة البقرة نلفى الجواب في آية المقال ، تلك التي أوجبت الدفاع والمقاومة للبغاة المعتدين ، واشترطت ْ أن يكون قتالنا لهم في سبيل الله ، وأن يكون بالقَدْرِ الذي يدفع العدوان دون زيادة ، وهو المراد بقوله : " ولا تعتدوا " ، ومن أجل أن نكون وقَّافين عند حدود الله راح عز وجل يعلل النهي عن المجاوزة في درئهم عنا بأنه لا يحب المعتدين ؛ ذلك أن العلاقة بين المؤمنين وربهم أنه يحبهم ويحبونه ، أيْ يطيعونه عن شَغَفٍ وطيب نفس ، فيوفقهم في تدبيرهم ، ويُسدِّدُ رميهم وفعلهم ، وعندئذٍ نرضى عن الله ، ونركن إلى ولايته ، فيرضى عنا ، ويهيئنا لجنَّته ، وحسبنا أن الله تبارك وتعالى قد وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يجعل لهم الرحمن وُدَّاً ، وأن يكون وليّاً لنا في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، فينصرنا في هذه الحياة ، ويوم يقوم الأشهاد .

    إنه إذا كان من نتيجة التطفيف في صدِّ العدوان أن نفقد محبة الرحمن ، ونصرة المنَّان ، فبئست العاقبة ، وهذا يجلعنا أكثر الناس إشفاقاً من قربان حدود الله فضلا عن تخطيها .

    وقد أمرت الآيات اللاحقة أنهم متى انْتَهَوا عن العدوان وجب علينا أن نتوقف عن المضي في القتال ، كما أنها قد أغرتهم بالكفِّ حين وعدتهم بالمغفرة والرحمة : {فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ}    البقرة ( 192-193) .

    وقد تضمنت هذه الآية المسجلة آنفا تفسيرا لمفهوم القتال في سبيل الله ، وجعلته في بندين :

الأول :  { لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } ، والمراد بذلك حرية العقيدة ، فلا تكون للكفار شوكة يعذِّبون بها الداخلين في الدين ؛ ليعيدوهم في ملتهم بعد إذْ نجاهم الله منها ؛ فإنَّ الفتنة أشد من القتل ، أيْ أن تعذيب المؤمنين ، وقهرهم على العودة في الشرك ، أو النظام السياسي للطواغيت ؛ أكبر عند الله من القتل الذي يقع إبَّان دفع المجرمين ؛ إذْ يكون القتل هو أخف الضررين ، وأهون الشرين .

    الثاني : {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ}  أيْ يكون الخضوع لله وحده ، فلاَ يَتَّخِذُ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله ، حين يجد المستضعفون أنفسهم مكرهين على طاعة سادتهم وكبرائهم ، فأضلوهم السبيلا – كما في سورة الأحزاب - ، كما أن الواجب يقضى بأن نُخضع الجبابرة لله ؛ بكسر شوكتهم ، ليجدوا أنفسهم مدفوعين لأنْ يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ، فإذا صاروا منقادين لحكم الله ، وإنْ لم يدخلوا في دينه ؛ كانت السيادة لله في الأرض ، وثبتتْ له الحاكمية ، وبذلك تكون كلمة الذين كفروا السفلى ، وكلمة الله هي العليا ، والله عزيز حكيم .

    وقد أكدت الآيات اللاحقة الأمر الوارد في آية المقال حين جعلت الحرمات قصاصا ، آمرة بأن من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ، وقد جاء تأكيد ذلك في العديد من الآيات ؛ كتلك التي تجعل جزاء سيئة سيئة مثلها ، أو التي تأمر بالمعاقبة بمثل ما عُوقبتم به ؛ لأن أمة الإسلام لا تقبل الظلم ولا الضيم ؛ فهم الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون .

    وهنا لا بُدَّ أن نفرق في البغي بين منْ يعتدي علينا من خارج ديننا وأوطاننا ، وبين من يبغي علينا من إخواننا الذين يرغبون في منازعة شرعيتنا ، فالأولون هم المقصودون بآيات البقرة هذه ، وأما الآخرون فقد عالجتهم سورة الحجرات التي حبَّبَ الله إلينا فيها الإيمان وزيَّنه في قلوبنا ، وكرَّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان .

    إنه إذا اقتتلت طائفتان وجب علينا أن نصلح بينهما ؛ فإذا أجدى الصلح فبها ونعمتْ ، وإنْ لم يفلح في إطفاء نار الفتنة ؛ وجب علينا قتال الفئة الباغية ، ونصرة الفئة المظلومة ، مهما كلف ذلك من تضحيات ، فإنْ فاءت إلى رُشدها ؛ لَزِمَنا أن نصلح بينهما بالعدل ، وأن نبالغ في القسط ؛ فإن الله يحب المقسطين ؛ ذلك أن المؤمنين إخوة حتى لو تخاصموا أو اقتتلوا ؛ فإن البغيَ لا يخرجهم من الملة ، ولا ينسخ ما بينهم من الأُخُوة في الدين ، وبمقدار ما نسعى في الإصلاح وَرَأْبِ الصدع ، بمقدار ما نكون جديرين أن نكون من المتقين المستوجبين لرحمة ربِّ العالمين .

 { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } الحجرات(10).

    فإذا التفتنا إلى واقعنا وجدنا كثيرا من المؤشرات توحي بأنَّ الذين رفضوا الإقرار بنتائج الانتخابات البرلمانية من أول يوم ، ومارسوا ألوانا من الحصار على الشرعية والحكومة ، يُبيتون انقلابا على الواقع الجديد ، خاصة وأن كرَّ الأسابيع والشهور ، وفشل المحاولة تلو الأخرى ، يؤكد أن هذه الحكومة كشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وليست كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ، مالها من قرار .

    وقد كان من المتوقع أن يزحفوا عسكريا على الوزارات ، ويقبضوا على أعضاء الحكومة ، فيهينوهم ، وفي أحسن الأحوال أن يحولوا دون وُلُوجهم لها ، وإزاء عجز الحكومة عن لجم الفوضى ، يُقدم رئيس السلطة على إقالة الحكومة ، وتنصيب أخرى على مقاس الأمريكان والصهاينة وبعض الرموز في أنظمة عربية ، لا فرق بين أن تكون حكومة طوارئ أو  إنقاذ ، أو خبراء ، أو مستقلين، أو منتمين غير فاقعين ، فالمهم أن تكون من المصفِّقِين لبرنامج أبي مازن ومن حوله من الزبائن؛ لعلهم بذلك يكنسون ما يسمونه حكومة حماس ، والهدف هو إبعاد منهج الإسلام والمقاومة عن قيادة الشعب الفلسطيني .

    فإنْ حصل ذلك – وهم أجبن من أن يفعلوه – فإنه البغي الذي يعالج بالإصلاح أولا ، ثم بوجوب قتال البغاة والخوارج حتى يفيئوا إلى أمر الله ، وينزلوا عند خيار الجماهير ؛ لنعود إلى الإصلاح من جديد .

    ولا بد من التفرقة بين الغوغاء الإمَّعات المضَّللين ، وبين الحريصين على إرضاء الصهيونيين ، فإن هؤلاء يُعالجون بآيات البقرة التي سلف بيانها،خاصة قوله تعالى:"وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ " (191)، حتى وإن أخذوا أمرهم من قبل ، فظعنوا إلى الدول المجاورة بأهليهم ، فإنهم غير معجزي الله ، وإن الله مخزي المجرمين الذين تولوا اليهود والنصارى ، فكانوا منهم بنصِّ سورة المائدة(51) ، وقد ظنوا واهمين  أن إدارة الفتنة من الخارج يجعلهم في منأىً عن بأس الله ، وقصاص المجاهدين .

 

وحسبنا الله ، ونعم الوكيل

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .