مـن دلائــل الصـــوم الباطل أكـل أمـــوال النـاس بالباطل

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 853
مـن دلائــل الصـــوم الباطل أكـل أمـــوال النـاس بالباطل

في رحاب آيـة

د. يونس الأسطل

 

(مـن دلائــل الصـــوم الباطل أكـل أمـــوال النـاس بالباطل)                                                                                                                        

 

]وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ[ ( البقرة 188)

 

    إن هذه هي أول آية تتلو آياتِ الصيام، ومن المعلوم أن الارتباط بين آيات السورة الواحدة، لا سيما القِطَع المتجاورات منها، كالاتصال بين أعضاء الجسد الواحد، ولذلك فإنها تستمسك بالصوم بالعروة الوثقى، ومن المسلَّمات أن الصوم إمساك عن بعض المباحات، في أيام معدودات، بل في ساعات من تلك الأيام، حين يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم تمسكون إلى الليل، وهو غروب الشمس في العين الْحَمِئة- كما تَخَيَّلها ذو القرنين-، وهو تدريب للوازع الديني، ومراقبة الله سبحانه وتعالى، فالصوم سِرٌّ بين العبد وربِّه، وهو – تبارك وتعالى-، الذي يَجْزِي به، ومن هنا فمن استطاع الفطام عن المفطرات، وهي من الشهوات التي خلق الإنسان إزاءها ضعيفاً، استطاع أن يهجر الحرماتِ المؤبدة من بابٍ أولى، بل إن الصوم الحقيقي هو صوم الجوارح عن محارم الله، وعدم قربان حدود الله، أو تَعَدِّيها.

    لذلك فإن هذه الآية تأتي انتقالاً من الصوم عن المحارم المؤقتة، إلى الامتناع عن محارم الله المؤبدة؛ لتؤكد ما جاء في السُّنة من أن مَنْ لم يَدَعْ قول الزور، والعمل به؛ فليس لله حاجة ولا إرادة في أن يَدَعَ طعامه وشرابه؛ إذْ من فعل ذلك يكون قد صام عما أحلَّ الله، وأفطر على ما حرَّم الله، وحالتئذٍ فلن يناله من صيامه إلا الجوع والعطش، ويكون ممن تحبط أعمالهم، وهم لا يشعرون، أو ممن يعصون الله ما أمرهم وهم يعلمون.

    إن صور أكل أموال الناس بالباطل كثيرة وعديدة، فالربا، والغش، والقمار، والاحتكار، والتدليس، والاختلاس، والاحتيال، والرشوة، والسرقة، وبيع ما لايجوز بيعه، كالعِرْضِ، والذمة، والخُلُق، والدين، بثمنٍ بَخْسٍ دراهمَ معدودةٍ، كلها من الباطل الذي لا يحلُّ تعاطيه، ولو بالإدلاء بها إلى الحكام، حين لا يكون مع الخصم بَيِّنةٌ على صحة دعواه، فيحكم ببطلانها، وإن نبيَّنا عليه الصلاة والسلام أخبر أن مَنْ قضى له بحقِّ أخيه؛ لكونه ألحنَ بحجته من الآخر، فقد قطع له قطعة من النار، إن شاء أخذها، وإن شاء تركها؛ فإن من فعل ذلك فقد أكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وهم يعلمون، فكيف لو كان ذلك برشوة الحكام وتزوير المحامين؟!!.

    إن الأكل المذموم أو المشؤوم في كتاب الله كثير؛ بدءاً بأكلِ آدمَ من الشجرة؛ طمعاً في الخُلْد، ومُلْكٍ لا يَبْلَى، فذهب الأكل الرغد حيث شئتم دون كدٍّ أو عناء، فقد كان لآدم ألاًّ يجوعَ فيها، ولا يَعْرى، وأنه لا يظمأ فيها، ولا يَضْحي، فشقي، وشقي بنوه من بعده، كما أن عدوان بني إسرائيل في السبت، والاحتيال على وجبة السمك، قد قيل لهم بسببه: (كونوا قردة خاسئين)، (وجعل منهم القردة والخنازير، وعَبَدَ الطاغوت)، ولا عَجَبَ في ذلك؛ فإن الذين لا يصبرون على طعامٍ واحد، ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، يزهدون في المَنِّ والسَّلْوى، ويرغبون في البقل والقثاء، والفوم، والعدس، والبصل، الذي اعتادوه في فترة الرِّقِّ والعبودية تحت سطوة الفراعنة، فهم الآن يتطلعون إليه، ولو بفقد الحرية والكرامة التي فازوا بها بالإسراء ليلاً، واجتياز البحر.

    إننا لا نستهجن منهم أن يستبدلوا مائدة من السماء يأكلون منها بمعجزات سيدنا عيسى المتعلقة بإيجاد الحياة من العدم في الطير المصنوع من الطين، وفي ردِّ الحياة على مَنْ فقدها بإحياء الموتى، أو في ردِّ جزء الحياة بإبراء الأكمه والأبرص، أو في الإخبار بأسباب الحياة، إذْ كان يُنَبِّئهم بما يأكلون وما يَدَّخِرون في بيوتهم، لذلك لم يكن مستغرباً أن يقولوا لموسى عليه السلام: ( اذهب أنت وربك فقاتلا؛ إنا ههنا قاعدون)، ولا أنه ( لما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم) في زمن نبيٍّ من بعد موسى، ولا أن يشرب من النهر أكثر تلك القلة، ولقد قال لهم طالوت رحمه الله: ( فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني، إلا من اغترف غرفة بيده).   

    إن العجب أن يكون أولئك الجبناء - وهم لا يجاوزون اثني عشر مليوناً مُقَطَّعين في الأرض أُمماً- يُعْجِزون أمة الإسلام والعرب، وهم يزيدون على المليار وربع المليار، حتى إن العرب قد حَزَموا أمرهم على شدِّ الرحال لمؤتمر الخريف الذي يباركون فيه فلسطين وطناً قومياً لليهود، وأن اللاجئين الفلسطينيين ليس أمامهم إلا التعويض والتوطين حيثُ يوجدون، وربما التجنيس والتذويب، كما فعل الألوف ممن يحملون جوازات سفرٍ أجنبية أو أردنية قديماً وحديثاً.

    إن من الأكل المذموم في الكتاب أكل الربا، لأن أصحابه لا يقومون من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسِّ، ومنه أكل مال اليتيم إسرافاً وبداراً أن يكبروا، فإن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً، وسيصلون سعيراً، كما أن الذين يأكلون التراث أوالميراث أكلاً لَمَّاً، ويحبون المال حُباً جَمَّاً، هم الذين إذا دُكَّتِ الأرض دَكَّاً دّكَّاً، وجاء ربك والملك صَفَّاً صَفَّاً، وجِيء يومئذ بجهنم، هم الذين يتذكرون، وأنَّى لهم الذكرى، يقول كل واحدٍ منهم: ياليتني قدمت لحياتي.

    ولعل من أسوأ صور الطعام أن يُحِبَّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً، حين يغتابُ بعضهم بعضاً، ولا يقل عنه سُوءاً علماء السلطان الذي يكتمون ما أنزل الله من الكتاب، ويشترون به ثمناً قليلاً، أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار، ولا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم.

    وبالجملة فإن الكفار الذين لا يُحَرِّمون ما حرَّم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، والنار مثوىً لهم.

    إن النهي عن أكل أموال الناس بالباطل- كأثرٍ للصيام- جاء تأكيده في سورة النساء، وقد عطف عليه النهي عن قتل الأنفس؛ ذلك أن من نَبَتَ جسمه من حرام فالنار أولى به، كما أن شيوع المعاملات المحرمة يؤدي إلى قتل إخوانكم، بأن يصبحوا مفلسين، بعد أن تتكرس الثروة في أيدي المرابين والمرتشين والغاصبين، ومَنْ على شاكلتهم.

    إن شيوع هذا اللون في المعاملات قد أَوْدَى ببني إسرائيل في مكانٍ سحيق، فقد كان كثير من الأحبار والرهبان- فضلاً عن العامة- يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، فكان مَثَلُ علمائهم كالكلب إنْ تحملْ عليه يلهثْ، وإن تتركْه يلهثْ، ومَثَلُ عامتهم كالحمار يحمل أسفاراً، وحرَّم الله عليهم بسبب هذا الظلم طيباتٍ أُحِلَّتْ لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيراُ، وأخذهم الربا- وقد نُهُوا عنه-، وأَكْلِهم أموال الناس بالباطل.

    وإذا كان لنا أن نشير إلى شيء في واقعنا؛ فإننا ننصح أن يصوم حكام رام الله عن توقيف رواتب العاملين، وعن مكافأة المتسكعين من الأطباء والمدرسين والعاملين، فضلاً عن وجوب الصيام عن بيع الأسرار الأمنية، وعن المتاجرة بالقدس وفلسطين والشهداء والسجناء؛ فإن وراءكم يوماً ثقيلاً، لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم .

اللهم فاشهد

 

(الإيجاز النافع فيما في الحج من المنافع) (الإيجاز النافع فيما في الحج من المنافع)
مشاهدات : 660 ، بتاريخ : 2013-03-10

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .