من تمام الإسلام الدوام على العمل الذي زامل الصيام

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 799
من تمام الإسلام الدوام على العمل الذي زامل الصيام

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

(من تمام الإسلام الدوام على العمل الذي زامل الصيام)

] فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ . وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [

(الشرح 7، 8)

بعد أن فرغنا من ركن الصيام، وما صَحِبه من القيام، بل والخفة في عبادات أخرى؛ كالتلاوة والمدارسة، والذكر والصدقة، وغير ذلك من النوافل والطاعات؛ يبقى السؤال عن القربات التالية له فرضاً أو مستحبات؟.

إن هذه الآية تجيب بأن المؤمن لا يكون في فراغٍ أبداً؛ فإننا مأمورون إذا فرغنا من عبادة أن نعمد إلى غيرها، وأن نجعل نِيَّتنا فيها رغبة فيما عند ربنا من المغفرة والجنة، حتى لو كان الاشتغال بأمر يتعلق بدنيانا؛ فإن النية الصالحة تجعل العادة عبادة.

وقد قيل: إن هذه الآية من جوامع الكلم؛ فإنها بإطلاقها فيما نَفْرُغُ منه، وفيما نَنْصَبُ فيه، شاملة كثيراً من أمور الدنيا والدين، وهي بهذا تَحُلُّ مشكلة الفراغ التي يشكو منها العديد من الأمم، بل إن المسلم ليشعر أن الواجباتِ أكثر من الأوقات، وأنه في حاجة إلى الموازنة بين الأعمال بحسب سُلَّمِ الأولويات ورتب الطاعات.

ذلك أن من مفردات المعاني التي قيلت في تأويلها أنك إذا فرغت من الصلاة فَاجْهَدْ في الدعاء، أو إذا فرغت من فرضها فاتجه إلى نافلتها، أو إلى غيرها من الفرائض الأخرى، أو إذا فرغت من أشغال الدنيا فانصبْ في العبادة، ولو كانت تلك الشواغل أعمالاً دعوية؛ فإن لك في النهار سبحاً طويلاً، فاجعل من ليلك نصيباً لآخرتك، بل قيل فيها إذا فرغت من الجهاد فانصب في العبادة، وقد حمل عليه الأثر المشهور: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، ولا شك في ذلك؛ فإن الصلاة كبيرة إلا على الخاشعين، وإذا دعيتم لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل، ولكنه إنما يبخل عن نفسه، كما أن من تزكى فإنما يتزكى لنفسه، وهكذا بقية الطاعات، لا سيما التعبديُّ منها الذي لا نفقه له كُنْهاً إلا مطلق اختبار العبودية؛ إيماناً منا بأن الله عز وجل لا يأمر إلا بما فيه الخير والحكمة.

هذا وإن بعض العبادات يمكن الجمع بينها في آنٍ واحدٍ، فلا يفهم من الآية تأجيل إحداها ريثما نفرغ من الأخرى، فالصائم وهو مُتَلَبِّسٌ بهذه العبادة يستطيع أن يزاول معظم المشروعات الأخرى، ولعل من الأمثلة هنا مشروعية أداء صلاة الخوف جماعة خلف إمامٍ واحد، والجيش مشغول بالحراسة والرباط، أو حتى بالكَرِّ والفَرِّ.

وإذا أردنا أن نحصر أنفسنا في محيط رمضان والصيام، ونُفَتِّشَ عما عساه مقصوداً بهذه الآية من ألوان النصب والتعب فأقول:

لقد ندبنا نبينا عليه الصلاة والسلام إلى صيام ستة أيامٍ من شهر شوال؛ ليتم لنا بذلك ثواب عام كامل؛ إذْ مَنْ جاء بالحسنة فله عَشْرُ أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، ويبقى من السَّنَةِِ شهران، ومن صام ستة أيام احتسبها المَلَكانِ بستين يوماً، وهذا تمام الحَوْل، ثم من بعد ذلك فإن أضعف الإيمان صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فإنها تُضَاعف إلى ثلاثين يوماً، والأفضل من ذلك صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع؛ فإنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله، فمن كان صائماً كان حَرِيَّاً أن يعفو الله عنه، بل أن يُبَدِّلَ سيئاتِهم حسنات، ولا أفضل من صيام سيدنا داوود عليه السلام، فإنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فقد قَسَمَ عمره بين نفسه وربِّه، فكما أن لربك عليك حقاً؛ فإن لنفسك عليك حقاً.

ثم يأتي من بعد ذلك نافلة القيام، فقد دَأَبْنا شهراً كاملاً على صلاة التراويح، ولم تكن تنقص عن ثماني ركعات، وقد كان بعض المساجد يتمها إلى عشرين، ثم كان القيام في الشطر الثاني من الليل في العشر الأواخر لغير المعتكفين، أما هؤلاء فقد حبسوا أنفسهم على الطاعة، فلم يكن لكثير منهم فراش بالليل، وكان مثلهم فيها كمثل أكثر المسلمين ليلة السابع والعشرين.

إن أضعف الإيمان في القيام صلاة ركعتين بين العشاء والفجر، وأوسطه صلاة ثماني ركعات، ويستحب أن تكون في الثلث الأخير من الليل، وأفضله قيام سيدنا داوود عليه السلام؛ فقد كان يقوم نصف الليل، وينام ثلثه، ثم يقوم سدسه، حتى يتمكن في النهار من أن يحكم بين الناس بالحق، فإن مَنِ اقتدى به كان ممن امتدحهم ربهم بأنهم كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، وممن يبيتون لربهم سُجَّداً وقياماً، فقد تجافت جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، قانتين لله آناء الليل ساجدين وقائمين يحذرون الآخرة، ويرجون رحمة ربهم، ويسبحونه ليلاً طويلاً، فهم يقومون أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه؛ لأن الله جل جلاله قد ألقى عليهم قولاً ثقيلاً، ولأن وراءهم يوماً ثقيلاً، فهم يحتملون تورم الأقدام في القيام؛ ليكونوا أقدر على المرابطة في الثغور، أو الزحف على أهل الحرب والفجور، ولعلهم أن يأتوا آمنين يوم يقوم الناس لرب العالمين.

ولن يفوتني التنبيه إلى وجوب أخذ الكتاب بقوة، فقد نَشِطَ الصائمون لتلاوته، والضعيف فيهم هو الذي اكتفى بختمة واحدة، بينما تمكن بعضهم من تلاوته كاملاً غير منقوص مرتين أو ثلاثاً أو عشراً.

لذلك فإن أضعف الإيمان تلاوة جزءٍ واحدٍ في اليوم؛ فإنه كتاب فيه ذكركم؛ أيْ شرفكم ومكانتكم بين الأمم، وقد أنزله الله مباركاً ليدبروا آياته، وليتعظ به أولو الألباب.

وإنه لمن فضل الله علينا وعلى العالمين أن يجري الاهتمام بالقرآن في السنوات الأخيرة، حتى إن حفظته في أرضنا المحتلة، وبالأخص في قطاع غزة، أَضْحَوْا أُلُوفاً ذكراناً وإناثاً، وإننا لنرجو في بضع سنين أن يكون معظم أبنائنا من حفظة القرآن، ومن أهل الله وخاصته.

وإن مما أُوصي بالنَّصَبِ فيه ما التزمتم به في رمضان من الأذكار والأوراد صباحاً ومساءً، أو مصبحين وبالليل، حتى نظلَّ من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات الذين أعدَّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً.

ولن أسهو عن التذكير بالصدقة، وكفالة المحتاجين، فإن في المال حقاً سِوى الزكاة، ولن تنالوا البِرَّ حتى تنفقوا مما تحبون، وتؤتوا المال على حُبِّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، والسائلين، وفي الرقاب، وفكاك الأسرى، فضلاً عن دعم المجاهدين؛ ليكونوا أكثر إعداداً للعدو، وأعظم استعداداً لِصَدِّ عدوانه، خاصة وأن جميع أعدائنا يتربصون بنا الدوائر، ويودون لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم، فيميلون عليكم ميلة واحدة، وإن المقاومة من أعظم دروس الصوم، بما أنه تدريب على الظمأ والنصَب والمخمصة، وعلى الإنفاق مهما كانت النفقة صغيرة أو كبيرة، ولذلك فقد جاء الأمر بقتال الذين يقاتلونكم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله، بعد أحكام الصيام، وقبل أحكام الحج والعمرة.

فإذا انضاف إلى هذا النشاط الصومُ عن محارم الله المؤبدة، فلم تقربوها في النواهي، ولم تعتدوها في الأوامر، كنتم بهذا قد نصرتم الله إذْ تمسكتم بشريعته، ولينصرن الله من ينصره، وإنكم إن تنصروا الله ينصركم، ويثبت أقدامكم، وهو نِعْمَ المولى, ونعم النصير.

 

والحمد لله رب العالمين

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .