مـن أخـــلاق الصائميـن الإنفــــاق، والبخــــل مــن سـيما النفـــاق

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 741
مـن أخـــلاق الصائميـن الإنفــــاق،  والبخــــل مــن سـيما النفـــاق

في رحاب آيـة

د. يونس الأسطل

 

( مـن أخـــلاق الصائميـن الإنفــــاق،  والبخــــل مــن سـيما النفـــاق)

 

] كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [   ( الذاريات 17-19)

     جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، فلرسولُ الله صلى الله عليه وسلم أجودُ بالخير من الريح المرسلة، تلك التي تثير سحاباً، فيبسطه الله جل وعلا في السماء كيف يشاء، ويجعله كِسَفاً، فترى الوَدْقَ يخرج من خلاله، ذلك أنه أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، كما أرسلها لواقح، فأنزل بها الماء، فأخرج به من كل الثمرات رزقاً لكم.

    لذلك فالمستحبُّ للمؤمن أن يكون معطاءً في كل بابٍ من الخير، بعد أن يكون قد أدَّى الحقوق الواجبة في المال من الزكاة والنفقة؛ لئلا يكون ممَّن يُضَيِّعُ مَنْ يَعُول، أو يهمل فيمن تربطه بهم علاقة الرحم أو الرحمة من الأقربين والمؤمنين.

    إن الله عز وجل قد جعل من أخصِّ صفات المتقين المُخْبِتين أنهم مما رزقناهم ينفقون، وأنهم ينفقون في السراء والضراء، وينفقون بالليل والنهار سِرَّاً وعلانية؛ فإنكم إنْ تُبْدوا الصدقات فنِعِمَّا هي، وإنْ تخفوها وتُؤْتُوها الفقراء فهو خير لكم، ويكفِّر عنكم من سيئاتكم، وإن أحقَّ الناس بها هم  الولدان والأقربون واليتامى والمساكين وابن السبيل؛ بل المفضَّل أن تكون كذلك للفقراء الذين أُحْصِروا في سبيل الله، لا يستطيعون ضرباً في الأرض، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تعرفهم بسيماهم، لا يسألون الناس إلحافاً، مع أن المؤمنين يؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خَصَاصة؛ ومن يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفحلون، وقد  أُحْضِرت الأنفس الشُحَّ، فهو جِبِلَّةٌ فيها، أن تأكل التُّراث أكلاً لمَّاً، وأن تحبَّ المال حباً جمَّاً، فلا تكرمون اليتيم، ولا تَحَاضُّون على طعام المسكين، بل إذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله، قالوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه، وقد وَصَلَ الضَّنُّ ببعض الناس أن يرتدَّ عن دفع الزكاة، ويزعم أنها أُخْتُ الجزية، ثم يتأول أن الخطاب بأخذها خاصٌّ بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن صلاته وحده سكنٌ لهم، ولا يتحقق هذا إذا صلى على المزكِّين- أيْ دعالهم- غيره من الخلفاء الراشدين، لذلك فقد أقسم أبو بكر رضي الله عنه ليقاتلنَّ مَنْ فَرَّقَ بين الصلاة والزكاة، وأنهم لو منعوه عَنَاقاً- أي سَخْلاً-،  أو عِقَالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلهم عليه، وكان هذا من محاسن الإسلام أن يقاتل الأغنياء لانتزاع حقوق الفقراء.

    ومن الطريف هنا أن أشير إلى أسباب اشتقاق اسم الزكاة لهذا اللون من الإنفاق الواجب؛ إذْ إنَّ من معانيها اللغوية الطهارة والنماء، فأما النماء فسببه أن ما أنفقتم من شيءٍ فهو يُخْلِفُهُ، ومَنْ ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة، والله يقبض ويبسط، وإليه ترجعون.

    وأما التطهير فله ثلاثة ميادين، أولها تطهير المال من شائبة الحرام، فمن هو الذي يَسْلَمُ من الشبهات، وهو يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله، لذلك فإن الزكاة لم تكن تَحِلُّ لسيدنا محمدٍ، ولا لآل بيته المقربين، فإنها غسالة أموال الناس، والقَدْرُ المشبوه في أموالهم، ومن أخرج ذلك المقدار أصبح ماله حلالاً طيباً، فليأكله هنيئاً مريئاً، ولكن دون أن تُسْرفوا، فإن عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هَوْناً إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يَقْتُرُوا، وكان بين ذلك قواماً، فقد أوصى ربكم أن لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، ولا تبسطها كل البسط، فتقعد ملوماً محسوراً.

    وأما التطهير الثاني فهو لنفس المزكِّي؛ حيث إن المال إلهٌ يعبد، وقد تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم، تعس وانتكس، وإذا شِيكَ فلا انتقش، فالمنفق لا يكون قد اتخذ المال نداً من دون الله، يحبونه كحب الله، فيمسى وقد خلا قلبه إلا من حُبِّ مولاه، كما تطهر مما يشينه من البخل والأنانية؛ فلا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ووالله لا يؤمن مَنْ بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم ولا يتألَّم، أو مع ذوي الفضل منكم والسعة لا يتواصى بالمرحمة.

    وأما المتطهر الثالث فهو الفقير نفسه؛ فإن تقلب الآخرين في النعمة قد يورثه حقداً وحسداً، ويُغْري في صدره العداوة والبغضاء، وقد يحمله ذلك على أكل أموال الناس بالباطل، سواء أًدْلى بها إلى الحكام، أو أخذها خِلسةً أو غَصْباً، أو اقترضها وهو يُبَيِّتُ أن يماطل بها متأولاً أن مَنْ له تسع وتسعون نعجةً لا يليق به أن يسأل نعجة أخيه الواحدة إلى نِعاجه، حتى لو كانت كفلاً له، أو حقاً معلوماً.

     ولا يفوتنا هنا أن نذكِّر بأن مَنْ تزكَّى فإنما يتزكى لنفسه؛ لأنه يكون قد تصدق عليها، فأبقى ذلك ذخراً له يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولو كان له مِلْءُ الأرض ذهباً، أو كان له ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تُقُبِّل منهم، ولْتعلموا أنكم ما تنفقوا من خير فلأنفسكم، وما تنفقون إلا ابتغاء رضوان الله، وما تنفقوا من خيرٍ يُوَفَّ إليكم وأنتم لا تظلمون، وفي المقابل فإن مَنْ يبخل فإنما يبخلُ عن نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء.

    وقد كان بعض سلفنا الصالح إذا قَدَّم صدقته للمحتاج وضعها في كَفِّه، ومَدَّها لأخيه ليتناولها من فوق متأولاً  أن اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، فلولا أن الفقير قد تَقَبَّلها منه ما نال أجراً، ولا نجا من وِزْرٍ، فيكون قد منح الفقير شيئاً من الدنيا، بينما أهدى له المستحِقُّ لها الثوابَ والرضا.

    وبالعودة إلى آية المقال فإنها تمتدح من ورث الفردوس هم فيها خالدون في جنات وعيون، وتخبر أنهم كانوا بالنسبة لطاعة الخالق قليلاً من الليل ما يهجعون، وفي الثلث الأخير حتى مطلع الفجر يستغفرون، ولعل ذلك الاستغفار قد جاء بسبب العجز عن وصال القيام آناء الليل، وكانوا مضطرين أن يهجعوا قليلاً؛ فقد جعل الله عز وجل الليل لباساً، والنوم سباتاً، وكان من آيات قهره لعباده منامكم بالليل والنهار، فهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار، ثم يبعثكم فيه، وهو الذي يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت يتوفاها في منامها.

    ثم ذكر أن من صفاتهم أن في أموالهم حقاً للسائل والمحروم، فهم يرونه حقاً عندهم يؤدونه، ولا يتفضلون به، وإلا كانوا ظالمين جاحدين.

    ولم يقيد الحق هنا بكونه معلوماً، كما في سورة المعارج؛ لأن المعلوم قاصر على الزكاة الواجبة، والنفقة المفروضة، والسِّرُّ في هذا أن في المال حقاً سوى الزكاة؛ ذلك أن الأصول والفروع بينهم من التكافل ما يوجب على غنيِّهم أن يحمل فقيرهم من باب إيتاء ذي القربي حقَّه، كما أن للحاكم إذا عجز بيت المال، والموارد المختلفة، أن يفرض في مال الأغنياء ما يَكْفُلُ الفقراء؛ فقد أجاب المولى سبحانه وتعالى المؤمنين السائلين ماذا ينفقون بقوله: ] قُلِ الْعَفْوَ [  كما في سورة البقرة (219)، يريد بذلك كل ما زاد عن الحاجة؛ فإنه ليس لك من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيت، أو لبست فأبليت أو تصدَّقت فأبقيت، وما زاد عن ذلك فهو مال وارثك، تشقى في جمعه، وتحاسب عليه، ولا تنتفع به، إلا من جهة النية الحسنة؛ أنْ تَذَرَ ورثتك الصالحين أغنياء، لا عالة يتكفَّفون الناس.

    إنه إذا كانت الأمة في حاجةٍ إلى إنفاق العفو في عصرٍ من تاريخها؛ فإننا في هذه الحقبة أحوج ما نكون، فقد تداعت علينا الأمم، كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، وقد استفزَّت فينا طاقة المقاومة، فَنَفَرَ إخواننا خِفَافاً وثقالاً في فلسطين، وغير فلسطين، غير أننا نواجه اليوم من الحصار والتجويع ما جعل الأكثرين، خاصة في قطاع غزة، يهبطون إلى دركة الحرج والفاقة، وقد عَضَّهم الجوع والمخمصمة، فصار واجب الوقت أن تنفقوا العفو، وأضعف الإيمان أن ترحبوا بقرار حكومة هنية بقطع (5%)، من رواتبكم لصالح البطالة والعمال، وذوي العيال؛ فإن المؤمنين جَسَدٌ واحد، وبنيانٌ مرصوصٌ، يشدُّ بعضه بعضاً، والمنافقون والمنافقات هم الذين يقبضون أيديهم، حتى لو عاهدوا الله لئن آتانا من فضله لنصدقنَّ ولنكوننَّ من الصالحين، واليهود هم الذين غُلَّتْ أيديهم، وضربت عليه المسكنة فلا يؤتون الناس نقيراً، فلا تكونوا أمثالهم.

 

اللهم أعطِ منفقاً خَلَفاً، وأعطِ ممسكاً تَلَفاً،،،

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .