صيام يوم عرفات يكفر سنة مما فات وأخرى مما هو آت

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 769
صيام يوم عرفات يكفر سنة مما فات وأخرى مما هو آت

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

(صيام يوم عرفات يكفر سنة مما فات وأخرى مما هو آت)

] ..الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا..[

(المائدة: 3)

روي أن يهودياً قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن في كتابكم آية لو نزلت علينا معشرَ يهود لاتخذنا يوم نزولها عيداً، قال: وما هي؟ فذكر هذه الآية، فقال: إني لأعلم في أي يوم نزلت، وفي أي ساعة نزلتْ، نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في يوم جمعة، يريد بهذا أنه اجتمع في يوم نزولها عيدان، الجمعة وعرفة، وأنها حظيت بحرمة الزمان والمكان، فاليوم يومٌ حرام في شهرٍ حرام في بلدٍ حرام، كما جاء في الحديث الوارد في خطبة عرفة من حجة الوداع:" إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ كحرمةِ يومِكم هذا في شهرِكم هذا، في بلدكم هذا".

إن هذه الآية تزفُّ البشرى بأن هذا الدين قد يئس الذين كفروا من أن يطفئوا نوره، لا بأفواههم ولا بأسيافهم، ذلك أنهم قد مضى عليهم عقدان من الزمان منذ الجهر بالدعوة، وهم يقاومون الإسلام دعوةً ودولةً بكل سبيل؛ فقد فَتنوا الناس في مكة بالتعذيب، والحصار، والحرمان، والإخراج من الديار والأموال، ثم طاردوهم في المدينة في بدرٍ وأُحُدٍ والخندق، ثم اضطروا إلى مهادنتنا يوم الحديبية، فلما نقضوا عهدهم أتيناهم بجنودٍ لا قِبَلَ لهم بها، فَفُتِحَتْ مكة عنوة، وزال كيان قريش، ثم غُلِبَتْ هوازن في حُنَين، ولكنْ, في الجولة الثانية، فتهيأت الفرصة لدخول الناس في دين الله أفواجاً، فكان أقصى ما يتمناه الكافرون والمنافقون أن ينزل المزيد من المحرمات، حتى يضيق الناس ذرعاً بالتشريع؛ لعلهم يَنْفَضُّون عن الإسلام، فلما نزل تفصيل المحرمات من المطعومات، وعّدَّدَ أنواع الميتة، فذكر المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم قبل أن تموت، وما ذبح على النُّصُب، تَهَلَّلَ المشركون فرحاً، فلما نزل قوله تعالى:" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ .." يئسوا من آخر سهامهم في محاربة هذا الدين، فَبَشَّرنا ربنا تبارك وتعالى بيأسهم، ولكن ذلك لن يمنعهم من أن يزالوا يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إِنِ استطاعوا، ولكنهم لن يضروكم إلا أذىً، وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار، ثم لا ينصرون، لذلك فقد نهانا أن نخشى أولئك الأعداء عند اللقاء، والعاصم من ذلك أن نخشى الله وحده؛ فإنه تَوَعَّدَ من يوليهم دبره أن يبوء بغضبٍ من الله، ومأواه جهنم، وبئس المصير، ما لم يكن متحرفاً لقتالٍ أو متحيزاً إلى فئة.

إذن فهذه الآية تُعَدُّ مما نزل من القرآن بفضل يوم عرفة، وقد جاءت كثير من النصوص تشيد بذلك اليوم، وهو أفضل أيام السنة على الإطلاق، وقد أقسم الله عز وجل به في أكثر من موضوع في القرآن، ففي سورة البروج حَلَفَ بشاهد ومشهود، وفي معناهما تأويلات، ومنها أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والمقسَم عليه هنا هو تأكيد نزول اللعنة بأصحاب الأخدود الذين أوقدوا ناراً، ليفتنوا بها المؤمنين والمؤمنات، فما صَدَّهم ذلك عن دينهم، فإنما يقضي الطغاة هذه الحياة، بينما من يأتِ ربَّه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى، فأين نار من نارٍ؟!، فكيف إذا كان لأصحاب الأخدود عذاب جهنم في الآخرة، وعذاب الحريق في الدنيا؟!

وأما سورة الفجر فقد أقسمت بالشفع والوتر، وقد قيل في تأويلهما أن المراد بالشفع يوم الأضحى، وبالوتر يوم عرفة، فإن الأول هو العاشر، وهو الشفع، والثاني هو التاسع من ذي الحجة، وهو وتر، وكان القسم بهما مع الفجر، وليالي العشر، والليل إذا يسري؛ على أن الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، لن يفلتوا من سوط عذاب؛ فإن ربكم لهم لبالمرصاد.

ولا أحدَ اليوم أفسدُ من اليهود والذين في قلوبهم مرض، ممن يسارعون في ولائهم، يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، فاليهود يسعون في الأرض فساداً، وقد أفسدوا في أرض المسجد الأقصى وفلسطين مرتين، وعَلَوْا علواً كبيراً، فاستحقوا أن يرسل عليهم عباداً له أولي بأسٍ شديد، فيجوسوا خلال ديارهم، ويُسيئوا وجوههم، ويُتَبِّروا ما عَلَوْا تتبيرا.

أما المنافقون فهم الذين جاء بشأنهم " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ" فقال الله جل جلاله:" أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ" البقرة(11 ،12).

لذلك لا نستهجن أن يكونوا في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيراً، بل أن يتوعد الله عز وجل أن يعذبهم مرتين، ثم يُرَدُّون إلى عذاب عظيم، وإننا لنتربص بهم أن يصيبهم الله وأولياءهم بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا، إنه على كل شيءٍ قدير.

إنه كما يئس الذين كفروا من وَأْدِ دينكم يوم عرفة، فقد أيس الشيطان فيه كذلك، فإنه ما رؤي في يوم أصغر، ولا أحقر، ولا أغيظَ من يوم عرفة؛ لما يَرَى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله سبحانه وتعالى عن الذنوب العظام؛ إلا ما رُوي يوم بدرٍ؛ فإنه رأى جبريل يزع الملائكة، فنكص على عقبيه، وقال لكفرة قريش:" إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ " وكان قد قال لهم من قبل:" لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ.." الأنفال(48).

 ومن فضائل هذا اليوم أنه يومٌ يباهي الله فيه بالحجيج ملائكته، ويُعتق فيه خلقاً كثيراً، ولا يدانيه في ذلك يوم آخر، ففي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً:" ما من يومٍ أكثر من أن يعتقَ اللهُ فيه عبداً من النارِ من يومِ عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكةَ، فيقول: ما أراد هؤلاء؟!".

ومن فضائله استجابة الدعاء فيه والتضرع؛ فإن (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله)، وهو من حديث عبد الله بن عمروٍ بن العاص رضي الله عنهما.

 ولعل أفضل القربات في هذا اليوم هو الصوم لغير الواقفين بعرفة؛ إذْ ليس من البرِّ الصيام في السفر، وإن الفطر أعون للحاج على الدعاء والتضرع والطاعة، وقد روى أبو قتادة رضي الله عنه فيما أخرجه مسلم في صحيحه:" صيامُ يومِ عرفةَ إني أحتسبُ على اللهِ أن يُكَفِّرَ السنةَ التي قبله، والسنةَ التي بعده" ولعل ذلك من أثر الدعاء بالمغفرة، وسؤال العتق من النار.

إن الصيام لا يكاد يجاوز هذه الأيام اثنتي عشرة ساعة في اليوم، وثوابها بأربعة وعشرين شهراً، فيكون ثواب الساعة الواحدة بشهرين؛ أي أن كل ستين دقيقة بستين يوماً، فيكون ثواب الدقيقة الواحدة من الصيام فيه بثواب يوم كاملٍ فيما عداه، وهذا يؤكد ما جاء في الحديث الآخر من أن العمل الصالح في الليالي العشر لا يضاهيه عمل، إلا جهاد رجلٍ خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء.

ولعل السرَّ في احتساب صيام عرفة بسنتين أن تكون السنة الثانية في مُقابِلِ يوم العيد، فإنه يحرم فيه الصوم.

إن عرفة يأتي هذا العام وقد يئس أصحاب المساومة من أن ينالوا من الأمريكان دولة ولا ما يحفظ ماء الوجه، مع أنهم قد قطعوا ما بينهم وبين الشعب الفلسطيني من حبال المودة والإخاء، حين ذهبوا في التعاون مع العدو ضد المقاومة إلى أسفل سافلين، فهل يفيقون من أحلامهم أو أوهامهم، أم يظلون في طغيانهم يعمهون؟!!.

ومن يضللِ الله فما له من هادٍ

اشتداد البرد نذير وبشير لأهل الأرض اشتداد البرد نذير وبشير لأهل الأرض
مشاهدات : 658 ، بتاريخ : 2013-03-10

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .