درس الصيام التجافي عن المال الحرام ، والجفاء لسائر الآثام

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 771
درس الصيام التجافي عن المال الحرام ، والجفاء لسائر الآثام

في رحاب آية

د . يونس الأسطل

"درس الصيام التجافي عن المال الحرام ، والجفاء لسائر الآثام "

{وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }البقرة188

    كُشف النقاب مؤخرا عن استنزافات مالية مذهلة ، كانت تؤخذ من الخزينة العامة ؛ لشراء الولاءات ، أو لتمويل الانتخابات ، عند فصيل بعينه ، فضلا عن الاختلاسات الكبيرة في الفواتير المزوَّرة ، أو بذريعة العلاج في الخارج ، وفي مكافآت شهرية ثابتة تزيد على أصل الراتب أحيانا ، وقد كان للحكومات السابقة ، والمتنفذين في السلطة  ، فنون في الاحتيال على المال لا تخطر على البال ، كمن يقبض راتبين وثلاثة وأكثر؛ لأنه تعاقد مع الموتى ، أو المسافرين ، أو الموهومين ، أو استحوذ على مستحقات المظلومين من المحسوبين على ديوان الموظفين وهم لا يعلمون ، ولا زالت الأيام تُخْرِجُ الخَبْءَ من الآثام في الفساد الذي عشَّش في كل زاوية من الدوائر والمؤسسات .

    وإذا كان لا بد من لغة الأرقام ؛ فإن مجموع ما تتقاضاه الفصائل المحسوبة على منظمة التحرير ، وبعضها لا تكاد تحس بوجوده على الأرض ، بل يصعب على معظم الشعب أن يَعُدَّ أسماءها صحيحة ؛ إن مجموعه يجاوز ثمانية عشر مليون شيكل شهريا ، وهو يناهز خمسين مليون دولار سنويا ، فإذا جئت إلى حركة فتح وجدت ميزانيتها الشهرية التي ترضعها من وزارة المالية تبلغ مليونا وثلاثمائة ألف شيكل ، وهي قادرة على أن تأخذ من الخزانة ما شاءت ، وحسبنا أنها تقاضت ثمانية ملايين شيكل ؛ لتمويل حملتها الانتخابية للتشريعي ، وكذلك الانتخابات البلدية ، وانتخابات رئاسة السلطة ، جرى تمويلها من وزارة المالية بمبالغ متورِّمة.

    وقد بات من المعلوم أن ما يزيد على مائة وثلاثين مؤسسة مدنية تتقاضى هبات شهرية تصل إلى أربعة عشر مليون شيكل ، وهي تقترب من أربعين مليون دولار سنويا ، والعجيب أن معظمها لحركة فتح ، وبعضها أسماء وهمية ، كما أن دَوْرَ كثير منها سلبي أو مشبوه ؛ كالجمعيات النسوية ، ومراكز الأبحاث ، و مؤسسات حقوق الإنسان التي تُتَّخَذُ ستارا للتجسس ، أو الدعارة ، أو غيرها من المفاسد .

    ولا بد هنا من الإشارة إلى ألفين ومائتين وعشرين موظفا في المؤسسات الخاصة يتقاضون رواتبهم من ديوان الموظفين ، ومجموع رواتبهم تزيد على ستة ملايين دولار سنويا ، وهناك عقارات مستأجرة للوزارات المختلقة دون حاجة إليها ، لا لشيء إلا لأنها مملوكة لبعض المتنفذين ، وقد وصلت في وزارة الداخلية إلى نصف مليون دولار سنويا ، وكان بالإمكان الاستغناء عن كثير منها ، والاستعاضة عن الباقي بتشييد بناء دائم مملوك للوزارة بأجرة عام أو عامين ، فإذا جئنا للهواتف العامة وجدناها كالمال السائب ، والعجيب أن تزيد الاتصالات الليلية في إحدى الوزارات عن نصف مليون دولار شهريا ، وأكثرها سرقة .

    لذلك رأيت أن أعظ قومي بهذه الآية التي جاءت بعد آيات الصوم مباشرة ؛ لنعلم أن الصوم الحقيقي هو التحرز من المال الحرام ، والتورع عن  الولوغ في المال العام ؛ ذلك أن المقصود بالصيام  ليس الإمساك عن مباحات الطعام والشهوة في أيام معدودات ؛ إنما الهدف منه التدريب على العفة عن المحرمات المؤبدة ؛ لنكون من الوَقَّافين عند حدود الله ، فلا تعتدوها ، ولا تقربوها ، وإلاَّ فلن ينالكم من صيامكم إلا الجوع والعطش .

    إن هذه الآية تنهى عن أمرين ، عن أكل أموال الناس بالباطل ، وعن الإدلاء بها إلى الحكام ؛ بهدف أكل أموال الناس بغير حق وأنتم تعلمون أنكم مبطلون ، حيث إن الصورة الأولى فيمن يستطيع أكلها بالقوة وبغير احتيال ؛كالغصب ، وقطع الطريق ، وأكل التراث أوالميراث ، وقد يكون برضا المأكول منه ؛ كالربا ، والميسر ، أو بأخذه على حين غِرَّة؛ كالغش والسرقة ، ونحو ذلك .

    أما الصورة الثانية فتكون بالتوسل إليه بالحكام والقضاة والمحامين ، سواء كان ذلك برشوتهم ؛ لِيُشْطِطَ أحدهم في حكمه ، أو بتزوير البيِّنات ، والاتكاء على شهداء الزور ، والأيْمان الكاذبة الغموس.

    ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لعن الراشي والمرتشي والرائش بينهما ، وهم مفاتيح الحكام ، ذلك أن بعض القضاة لو عرضت عليه الرشوة مباشرة لألقى عليك موعظة في التعفف ، وربما اتهمك بالكيد له ، وتلطيخ عرضه ، ولكنه ممن يُشترى بثمن بخس دراهم معدودة ، لو اهتديت إلى أبوابه الخلفية .

    وكذلك فإنه عليه الصلاة والسلام أنذر من اقتطع حقَّ أخيه بيمينه ألاَّ يكون لهم خلاق في الآخرة ، ولا نصيب في الجنة ، حتى لو كان الحَلْفُ الكاذب على قضيب من آراك ، وعود سواك ، وقد كان يعظ المتخاصمين بأنه بشر لا يعلم الغيب ، وأن بعضهم ربما كان ألحن من أخيه في الحجة ، فيقضى له على نحو ما يسمع ، فمن قضى له بحق أخيه؛ فإنما يقطع له قطعة من النار؛ فإن شاء أخذها ، وإن شاء تركها ، كما أنه عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع قد أخبر أن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا ؛ في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، وهو يعني الإثم المركب ، والعذاب العظيم .

    إن النبي صلى الله عليه وسلم قد امتنع من الصلاة على شهيد بسبب الغُلُول ، فلما فتحوا متاعه وجدوا به خَرَزا يساوي درهمين ، وفي يوم خيبر أصيب بعض المقاتلين بسهم غَرْب فقتل ، فقال بعض الصحابة : هنيئا له الجنة ، فقال عليه  الصلاة والسلام : لا ، والذي نفسي بيده ؛ إن الشَّمْلةََ التي أخذها من الغنيمة لتشتعل عليه نارا ، وإذا كان هذا شأن مختلس الملاليم فما بالكم بسارق الملايين المقنطرة من الأموال العامة ؟!، فيا وَيْحَ الخائنين ، أولى لهم فأولى ، ثم أولى لهم فأولى ؛ أي الويل لهم ثم الويل .

    إن الصوم لا ينتهي بأُفول رمضان ، بل يبدأ معه ، ويستمر بعده ، فما كان الإمساك عن شهوتي الهضم والغريزة إلا لأن الإنسان خلق إزاءهما ضعيفا،  فمتى أمكنه السيطرة عليهما فقد فاز فوزا عظيما ، ونصره الله نصرا عزيزا ؛ فإنه فيما سواهما أقدر على كبح نفسه ، وبذلك يظهر أثر الصوم في حياته إمساكا عن المحرمات المؤبدة ، وتحرجا من الوقوع في الآثام ، واستعدادا للتضحية بالنفس والنفيس .

    أما الذين لا يتورعون عن السُحت فهم من يهود هذه الأمة ، وإن صلَّوا وصاموا ، وزعموا أنهم مسلمون ، وقد نعت مولانا عز وجل اليهود بقوله : فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ...."

    كما جاء في معرض تحريضنا على قتال أهل الكتاب قوله سبحانه : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ... "التوبة (34)

    إذا فليس من المستهجن لمن تشبه بهم في ذميم أخلاقهم أن يدعو للاعتراف بهم ، والتطبيع معهم ، واستمراء الاحتلال ، والحرص على استمراره ، بما أن كنوز قارون ما تحققت له إلا لأنه كان من قوم موسى فبغى عليهم  ؛ تنفيذا لشروط فرعون وإملاءاته ، ولكن العاقبة  الوخيمة كانت أنْ خسفنا به وبداره الأرض ، وأُتْبِعَ في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ، وما هي من الظالمين ببعيد ، وإن الله لا يهدي كيد الخائنين .

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .