بالصيام والقيام نكشف الغمام عمَّا في القرآن من الهدى والفرقان

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 790
بالصيام والقيام نكشف الغمام عمَّا في القرآن من الهدى والفرقان

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( بالصيام والقيام نكشف الغمام عمَّا في القرآن من الهدى والفرقان )

 

﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ...

المرسلات (41 - 47)

إذا سُئِلتَ عن سِرِّ اختيار شهر رمضان لاختبار الصبر بالصيام؛ فالجواب في هذه الآية، وبإمكانك أن تَرُدَّ بنفس الجواب إذا سُئِلْتَ عن سِرِّ صلاة التراويح، فقد فرض الله تبارك وتعالى علينا صيام هذا الشهر، وسَنَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامه، ولا شكَّ أن مَنْ قام مع الإمام في صلاة العشاء والتراويح حتى ينصرف من مُصَلَّاه فكأنما قام الليل كلَّه.

إن الجواب عن السؤالين أن رمضان شهر أُنْزِلَ فيه القرآن، سواء كان المعنى المراد هو ابتداء نزوله بصدر سورة العلق في ليلة القدر، أو كان المقصود هو نزوله جملةً واحدةً إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم تتابع نزوله بحسب الحاجة في ثلاثٍ وعشرين سنة؛ لتثبيت فؤاد النبي عليه الصلاة والسلام، وليقرأه على الناس على مُكْثٍ ورَوِيَّةً.

وهنا يثور سؤال جوهري عن العلاقة بين القرآن وكلٍّ من الصيام والقيام؟، وما هي العُرْوَةُ الوثقى التي تربط بينهما وبينه؟.

إن حكمة نزول القرآن في هذه الآية هي أن يكون هُدىً للناس بصورة إجمالية، يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، ومن التيه والعمى إلى الصراط السَّوِيِّ والبصيرة، فهو بصائر للناس وهدىً ورحمة لقوم يوقنون، كما أنه بَيِّناتٌ من الهُدى والفرقان، فهو تبيانٌ لكلِّ شيءٍ، قد أكمل الله به الدين، وأتمَّ به النعمة، ورضيه لنا ديناً ودستوراً، ثم إنه الفرقان الذي ندرك به الحقَّ من الباطل، ونَمِيزُ به الخبيث من الطيب، فهو نورٌ نمشي به في الناس، ونبراسٌ تستبينُ به سبيل المجرمين، فقد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ من الغَيِّ، وقد أنزل إليكم الكتاب مفصَّلاً.

إن ما يستنبط من تفاصيل الهُدى والفرقان أكثر أضعافاً مضاعفةً مما يؤخذ من ظاهر القرآن ببادي النظر؛ لذلك فقد وجب تدبره، والتعمق في فهم معانيه؛ لاستخراج دُرره ولآلئه، كما قال سبحانه:

" كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ " سورة ص (29)

ثم إنه قد أنكر على الذين لا يتدبرونه، فقال:

" أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا " النساء (82)

" أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا " سورة محمد (24)

وهنا أتساءل عن كيفية إسهام كل من الصيام والقيام في زيادة الأهلية لتدبر القرآن؟

فإذا بدأتُ بالصيام ذكرتُ أن البِطْنَةَ والفِطْنَةَ نقيضان، فقد قيل: إن البطنة تُذهب الفطنة، ومن وجوه ذلك أن امتلاء المعدة يضغط على الحجاب الحاجز بين تجويفي البطن والصدر، وهو بدوره يضغط على القلب، فيكون قلقاً غير مستقر في مكانه، فَأَنَّى له حالئذٍ أن يقوم بواجب التدبر على وجهه؟!، بينما يؤدي الصوم إلى فراغ المعدة، فيرتخي الحجاب الحاجز، ويكون القلب مستريحاً، فيصبح أقدرَ على التعقل والتفكير، وعندئذٍ ينفتح له من كنوز القرآن ما لم يكن له في الحسبان.

وأما القيام فقد أمر به الرحمن في سورة المزمل؛ بل طلب أن يكون نصفَ الليل، أو انقص منه قليلاً، أو زد عليه، ورَتِّلِ القرآن ترتيلاً، بمعنى أَطِلِ التلاوة في القيام، واقرأه مرتلاً كما أُنزل، مع الخشوع والحُزْنِ والبكاء، ثم إنه جل وعلا قد عَلَّلَ هذا التكليف بثلاثة تعليلات، كان أوسطها:

" إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا " الآية (6)

ذلك أن معناها أن ما تنشئه في الليل من القيام والترتيل تتواطأ عليه الجوارح، وتتعاون على تفهمه، وتستقيم الألسنة به؛ والسرُّ في ذلك فراغ القلب من الشواغل والحاجات، فمتى جَنَّ الليل، وصار سَكَناً، لم يَعُدِ القلب مهموماً بالضرب في الأرض، أو المشي في مناكبها، والابتغاء من فضل الله، أو المشي في الأسواق، وتحصيل قوائم الحاجات، وعندئذٍ فإن ما تلتقطه الآذان من تلاوة اللسان بالقرآن يجري تحليله في الجَنَان، فتتواطأ هذه الجوارح الثلاث على استدرار ما فيه من بينات الهُدى والفرقان.

غير أن كثيراً من الناس ينتظر بفارغ الصبر أُفُولَ الشمس؛ ليستدرك مغرباً ما فاته ضَحْوةَ النهار، ولا يعدو صومه أن يكون جمعَ تأخيرٍ لوجبتي الغذاء والعشاء، فهو لا يطيق صلاة التراويح إلا بشقِّ الأنفس، وصعوبة الأنفاس، كأنما يَصَّعَّدُ في السماء، فأنى له أن يعيش مع القرآن، أو أن يستمتع بما يفتح الله به على الآخرين من المعاني الرائعة التي يطرب لها القلب، وتبتهج بها النفس؟!!.

ولعله من المناسب أن أسوق مثالاً من آيات الصيام على أهمية التدبر في حصاد المعاني والأحكام التي لا تستفاد بالمرور على القرآن مرور الكرام، وقد اخترتُ الآية الأخيرة من الآيات الخمس التي تضمنت المسائل الرئيسية في أحكام الصيام؛ أعني قوله تعالي:

" أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ .." الآية (187)

فإن صيامنا قبل هذه الآية كان كصيام الذين من قبلكم؛ إذْ كان يبدأ من العِشاء إلى المغرب، فلا يحل شيءٌ من محظورات الصيام إلا بين المغرب والعشاء، ثم إذا حصل وأخذ أحدَهم سِنَةٌ من النوم قبل العشاء؛ فقد حَرُم عليه أن يتناول شيئاً إلى مغرب اليوم التالي، وقد حدث أن واقع بعض الصحابة بليلٍ، سواء كان ابنَ الخطاب أو غيرَه من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فكانوا  بذلك قد اختانوا أنفسهم يوم اعتدوا في حدود الله، فأنزل الله هذه الآية يُظْهِرُ فيها قيام الشريعة على رفع الحرج، فقد جاءت لتضع عن أهل الكتاب إصْرَهم، والأغلال التي كانت عليهم، يريد الله بذلك أن يخفف عنكم، وخُلق الإنسان ضعيفاً.

إن أول ما يَشُدُّ الانتباه نعتُ الإفضاء إلى الأزواج بالرَّفث، وهو كل قبيح من الأقوال أو الفِعال، ولا شكَّ أن الوَطَرَ حين يكون محرماً يكون اقترافه في غاية القبح والفحش، وقد نفاه في الحج، كما نفى الفسوق والجدال، ولعلَّ الحكمة هي التنفير منه؛ بما أن فطرة الله التي فطر الناس عليها تأنفُ من القبيح.

ثم إن الله جل جلاله قد وصف شدة الاحتكاك بين الزوجين بما يصعب معه الصبر عن الغريزة، فإذا هي كاللباس الملتصق بالجسد المحيط به؛ لِيُسَوِّغَ بذلك الرخصة في تمديد الفطر إلى الفجر، وما أشبهَ ذلك بما ورد في سورة النحل من إذاقة كفرة قريش لباسَ الجوع والخوف!!، فهم لا يتحركون إلا فيهما، ولا يسكنون إلا فيهما، فالجوع والخوف مُطَوِّقٌ لهم، لا ينفكُّ عنهم إحاطة اللباس بالأجساد.

غير أن هذه الكناية فيها تشبيهُ الحياة الزوجية باللباس، ما دام كُلُّ واحدٍ منهما لباساً لشريك حياته، وهذا يعني ضرورة مراعاة أحكام اللباس وأوصافه في الحياة الزوجية، ومن ذلك:

1.  إن الأصل في اللباس أن يستر العورات، ويزين الهيئات، كما قال تعالى: " يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ " الأعراف (26)

لذلك فالواجب على كل زوج أن يستر عورة صاحبه، فلا يتحدث بنواقصه وأخطائه، ولا يفشي أسرار الزوجية، بل أن يبدي كل منهما الأخلاق الحميدة لصاحبه التي تزين سيرته في الناس.

2.  ضرورة النظافة والطهارة في السرابيل والسراويل؛ فإن اللباس إذا اتَّسَخَ أزرى بصاحبه عند الناس، وإذا تَدَنَّسَ أزرى بصاحبه عند الله، وهكذا ضرورة العفة والحياء، وقَصْر الطَّرَفِ عن اتخاذ الأخدان، أو الخيانة الزوجية؛ فإن ذلك يلوث صفو الحياة الزوجية قَذَراً ورِجْساً.

3.  إن الأصل في اللباس الخصوصية، فلا يشترك اثنان في لباسٍ واحدٍ، وهكذا اختصاص كل من الزوجين بصاحبه، إلا ما استثنى في حق الرجال لِحِكَمٍ إلهية.

4.  ولما كان لكل شخص لباسٌ يناسب منزلته؛ فإن اشتراط الكفاءة بين الزوجين هو الذي يُقيم حياتهما على الشكر لا على الصبر، فأحرى أن تدوم إلى القبر.

 

ولله في كتابه أسرارٌ يهدي إليها من يشاء من عباده الأخيار

 

 

 

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .