بالصوم في الصيف، والضرب بالسيف تأمنون من حَرِّ الحشر، ومن لظى سَقَر

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 805
بالصوم في الصيف، والضرب بالسيف تأمنون من حَرِّ الحشر، ومن لظى سَقَر

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( بالصوم في الصيف، والضرب بالسيف تأمنون من حَرِّ الحشر، ومن لظى سَقَر )

 

 ] فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [

التوبة (81)

أشفق كثير من الناس من تزامن شهر رمضان مع موجة حَرٍّ غير مسبوقة، تجتاح الأرض المباركة هذه الأيام، فإلى جانب طول النهار هناك فارق عشر درجات تقريباً في مستوى الحر بالقياس إلى سنواتٍ خلتْ، لم تكن درجة الحرارة فيها تفوق الثلاثين، بينما هي في هذا الموسم تزاحم الأربعين، غير أنها تُعَدُّ ربيعاً بإزاء ديار نَجْدٍ والخليج، وبعض الدول الأفريقية، ومع ذلك فلم يفلح الفرار إلى الشُّرفات، أو الشوارع، أو الشواطئ في التهوين من التبرم من الأجواء المشبعة بالرطوبة الناتجة عن تبخر المزيد من مياه البحر؛ فإن غزة قرية حاضرة البحر.

وقد تساءلتُ في موعظةٍ ألقيتُها عن حالنا لو كان معظم العام على هذه الشاكلة؟؛ حيث لا تكاد تنفع المراوح الهوائية إلا في تحريك الهواء الساخن الذي لا يُبْرِدُ ولا يُغني من حَرٍّ، وليس في أيدي الناس ما يقتنون به أجهزة التبريد، ولئن وُجِدَتْ فلا تتيسَّرُ الكهرباء ذات الضغط المرتفع الضروري لتشغيلها؛ فإن أذناب الحصار قد أوضعوا خِلالنا يبغوننا الفتنة؛ لعل الناس حين تضيق ذرعاً بالحرِّ والفقر أن تثور في وجه الحكومة، وتطلب منها الرحيل، وإفساح الساح للدخيل والذليل الذين يُوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غُروراً، وكأنَّ الحال في رام الله، وتحت الاحتلال، أفضل منه في غزة التي ترتع في الأمن وصلاح البال، إلا من شرذمةٍ تتغنى بالنضال، وهي أقرب إلى الاحتيال!!.

هذا إذا قِسْنا أنفسنا ببعض البلاد في حياتنا الدنيا، فكيف لو كان القياس بقيام الساعة، يوم ينفخ في الصور، ويبعث مَنْ في القبور، فتدنو الشمس من رؤوس العباد، حتى تكون بمقدار ميل، فيغرق الناس في العرق، فمنهم من يبلغ كَعْبَيْه، ومنهم من يغطي ركبتيه، ومنهم من يصعد إلى حِقْوَيْهِ، أو يرتفع إلى كتفيه، فكيف بمن يُلْجِمُه إلجاماً، ويذهب في الأرض سبعين ذراعاً؛ فإنه يأتيه الموت من كل مكان في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وما هو بميت، ومن ورائه عذاب غليظ؟!!.

حقاً؛ إنه يوم عسير، على الكافرين غير يسير، بل هو عَبُوسٌ قمطرير، تتقلب فيه القلوب والأبصار، ويجعل الوِلْدانَ شيباً كالشيوخ الكبار، والعياذ بالله الرؤوف الغَفَّار.

وهنا نتساءل: كيف يمكن لأيٍّ منا أن يأتي آمناً يوم القيامة، فلا يسمعوا حسيسها، فضلاً عن أن يَرَوْها أو أن يَصْلَوْها، ولا يحزنهم الفزع الأكبر، ولا الحرُّ الأكثر؛ فإننا لو سلمنا أن حَرَّ الآخرة عشرة أضعافه في الدنيا، وكان متوسط القيظ في الدنيا خمسين درجة؛ فإن حَرَّ القيامة يجاوز الخمسمائة، ولو عُمِّر أحدنا مائة عام فإن طول مقامه في الحشر قبل الظَّفر بالجنة أو التردي في سَقَر، يبلغ خمسمائة ضعفٍ لهذه الحياة الدنيا، فكيف بمن توفي دون الخمسين، والأكثرون يموتون دون السبعين؟!!.

إن الجواب يكمن في الخِيَرَةِ بين حَرَّيْن، وبين حياتين؛ فإما أن يختار الإنسان الحياة الدنيا وزينتها، فيركن إلى الراحة، وينضم إلى الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، وهي لا تعرف الصيام، ولا تفرق في الطعام بين الحلال والحرام، ثم تكون النار مثوىً لهم، لا يُقْضى عليهم فيموتوا، ولا يُخَفَّفُ عنهم من عذابها، بل يصطرخون فيها: ربَّنا أخرجْنا نعملْ صالحاً غير الذي كنا نعمل، فقد غَلَبَتْ علينا شِقْوتُنا، وكنا قوماً ضالِّين، فإن عدنا فإنا ظالمون، ولو رُدُّوا لعادوا لما نُهُوا عنه، وإنهم لكاذبون، لذلك سيكون جواب ربهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، فإذا دَعَوا هنالك ثُبُوراً قيل لهم: لا تَدْعُوا اليوم ثبوراً واحداً، وادعوا ثبوراً كثيراً، لكن الذي يَصْلَى النار الكبرى لا يموت فيها ولا يحيى، وما هم بخارجين من النار.

وقد نعجب من هؤلاء حين يضيقون ذرعاً بالحشر وطوله وأهواله، فيتمنون أن يستريحوا منه ولو إلى جهنم، ولكنهم كمن يستجير من الرمضاء بالنار، فقد فزعوا إلى آدم وجميع المرسلين يسألونهم الشفاعة عند ربهم؛ ليريحهم من عقاب الحشر إلى الحساب، وما الحساب منه بأمثلِ؛ فإن الحساب العسير ترتعد منه الفرائض، وتبلغ القلوب الحناجر، وينتهي بقول الله عز وجل للزبانية الغلاظ الشداد الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤمرون:

" خُذُوهُ فَغُلُّوهُ . ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ . ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ "الحاقة (30-32)

فإذا كان من العتاة العصاة كان الأمر للتسعة عشر:

" خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ . ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ . ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ " الدخان (47 – 49)

فإما أن يختار هذا المصير، وإما أن يختار احتمال الحرّ في الدنيا وهو يصوم في الصيف، ويضرب بالسيف، بل ويضربون في الأرض يقاتلون في سبيل الله، لا يحول دون ذلك بَرْدُ شتاءٍ؛ كما في غزوة الخندق، ودفع الأحزاب، ولا حَرُّ صيفٍ؛ كما في غزوة تبوك، والزحف تلقاء الروم بني الأصفر، وتكون العاقبة جنةً عرضها السموات والأرض، أُكُلُها دائمٌ وظِلُّها، فهم في سدْرٍ مَخْضود، وطَلْحٍ منضود، وظِلٍّ ممدود، وماءٍ مسكوب، وفاكهةٍ كثيرةٍ، لا مقطوعةٍ ولا منوعة، قد وَقَاهم الله شَرَّ ذلك اليوم، ولقَّاهم نَضْرةً وسُروراً، وجزاهم بما صبروا جنةً وحريرا، متكئين فيها على الأرائك لا يَرَوْنَ فيها شمساً ولا زمهريراً، ولا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعينٍ جزاء بما كانوا يعملون، وأنتم فيها خالدون.

وبالعودة إلى آية المقال نجدها تخبر عن المنافقين الذين فرحوا بالإذن لهم بالقعود، والترخيص لهم في التخلف عن غزوة تبوك، بالمعاذير الكاذبة، حتى عُوتب فيهم عليه الصلاة والسلام، فلو لم يأذنْ لهم لامتاز أمامه الذين صدقوا، وعَلِمَ الكاذبين، فإنهم سيقعدون ولو لم يُؤْذَنْ لهم، ولكنَّ نبينا عليه الصلاة والسلام أيقن أنهم لو خرجوا فينا ما زادونا إلَّا خبالاً، فثَبَّطهم؛ ليستريح من فسادهم وفتنتهم.

وقد جمع أولئك الأوغاد بين الفرح بالقعود مع الخوالف والقواعد من النساء، وبين كراهة الجهاد بأموالهم وأنفسهم؛ لأنهم يتخذون ما ينفقون مغرماً، ويرغبون بأنفسهم عن الشهادة، وعسى أن يكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لهم، وعسى أن يكرهوا شيئاً، ويجعل الله فيه خيراً كثيراً.

ثم إنهم قد تواصوا بعدم النفير في الحرِّ، والمنافقون يقعدون ويأمرون الناس بالقعود؛ فإن الله جل جلاله يعلم المعوقين منكم، والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إلينا،ولا يأتون البأس إلا قليلاً، وإنَّ منكم لمن ليبطئن؛ فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً، وقد نهاكم ربكم أن تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض، أو كانوا غُزَّىً، لو كانوا عندنا ما ماتوا، وما قُتِلوا؛ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم.

إن الله عز وجل يعلمنا أن نقول لأولئك المُخَوِّفين من الحرِّ، الناهين عن الخروج للجهاد فيه: إن نار جهنم أشدُّ حراً، ولو كنتم تفقهون ذلك لما تَخَلَّفْتم، ولما أمرتم غيركم بالتثاقل إلى الأرض مثلكم.

إن نارنا هنا في الدنيا التي جعلها الله تذكرةً ومتاعاً لِلْمُقْوينَ المسافرين، وللمقيمين القاطنين من بابٍ أَوْلى، لا تزيد عن كونها جزءاً من سبعين جزءاً من نار جهنم، وقد فُضِّلتْ عليها بتسعة وستين ضِعْفاً، وإن أدنى أهلها عذاباً من يكون له نَعْلانِ من نار، أو توضع جمرتان في إخمص قدميه، يغلي منهما دماغه، ولا يرى أن أَحَداً قد فُضِّلَ عليه بعذاب، وإنه لأهونهم عذاباً، وقد أوقد الله جل جلاله على النار ألف عام حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء كالليل البهيم؛ فضلاً عن سواد وجوههم، كأنما أُغْشِيت قطعاً من الليل مظلماً، ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكدْ يراها؛ فَلْيضحكوا في الدنيا قليلاً، ولْيبكوا في الآخرة كثيراً؛ جزاءً بما كانوا يكسبون.

 

وما ربك بظلامٍ للعبيد

 

 

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .