ماذا بعد الحج من واجبات على الآيِبينَ من كل فَجّ

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 799
ماذا بعد الحج من واجبات على الآيِبينَ من كل فَجّ

من وحي آية

د. يونس الأسطل

 

(ماذا بعد الحج من واجبات على الآيِبينَ من كل فَجّ)

 

]  فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [

البقرة (200، 201)

إن الحج هو الركن الخامس للإسلام، فإذا أتممنا الحج والعمرة لله، فما هي الواجبات الشرعية التي تلي هذا الركن؛ لينصبَّ عليها الجهد، وَيَنْصبَ فيها المكلَّفون؛ عملاً بقوله تعالى: "فإذا فرغت فانصب

للإجابة على هذا السؤال الضروري ينبغي الالتفات إلى التكاليف التي أعقبت أحكام الحج في مواضعه من القرآن، مع الانتباه إلى اجتهاد الفقهاء في ترتيب الكتب الفقهية، وما هي الأبواب التي جرى تفصيل أحكامها بعد الفراغ من فصول الحج ومسائله؟.

- إن آية المقال تشير إلى مثالٍ من تلك التكاليف والأفعال، فهي تأمر بعد قضاء المناسك أن نكثر من ذكر الله تعالى؛ ليكون متفوقاً على ما كان في الجاهلية من الافتخار بالآباء، وتَنَاشُدِ الأشعار في أسواق عكاظ، ومِجَنة، وذي المجاز، وليكون بديلاً عنه؛ فإن الذين يفتخرون بآبائهم وأنسابهم، دون إيمانهم وأعمالهم، أهون على الله من الجُعْلان الذي يُدَهْدِهُ النتن بأنفه.

وقد كان ذكر الله تعالى أحدَ مقاصد الحج الكبرى، كما في قوله سبحانه: "لِيشهدوا منافعَ لهم، ويذكروا اسمَ اللهِ في أيامٍ معلومات..." الحج (28)؛ فإن المؤمن الحقيقي لا يزال لسانه رطباً بذكر الله؛ لئلا نَسْهُوَ عن الله، أو يغيب عن بَالنَا، ولنكون من المُخْبِتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإنْ كان الذكر الواجب ليس قاصراً على عبادات اللسان، إنما هو عام في كل الشعائر التعبدية، وإذا عاد الحاج أنشط في الطاعة منه قبل شَدِّ الرحال إلى الحرم، كان متحققاً بهذا التكليف، وكان ذلك أمارةَ حَجِّه المبرور.

وقد قَسَّمَتِ الآية الحجيج إلى فريقين؛ فريق لا هَمَّ له إلا الدنيا، فما جاؤوا لإقامة الركن، ولكنْ بنيةٍ دنيئة، ويدخل فيهم العناصر الأمنية التي تدسها الأنظمة؛ لمراقبة نشاط الحجاج، ورصد تواصلهم مع إخوانهم المؤمنين القادمين من مشارق الأرض ومغاربها.

وأما القِسْمُ الآخر فهم المخلصون لله الذين يطلبون الحسنة، دنيوية كانت أو أخروية، وأهم ما يقلقهم هو النجاة من النار.

-  ومن التكاليف التي أعقبت أحكام الحج في سورة البقرة قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً... " الآية (208)؛ حيث إن المراد بالسلم الإسلام كله؛ ذلك أنَ مَنْ حجَّ فلم يَرْفُثْ، ولم يفسق؛ رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فلا ينبغي أن يعود إلى الفسوق والعصيان، واتباع خطوات الشيطان، فيترك بعض ما انزل الله إلينا.

- ولعل أهم ما يجب التشبت به هو الجهاد في سبيل الله؛ فإنه ذروة سنام الإسلام، ولو كان للإسلام ركنٌ سادسٌ لكان الجهادَ والقتال، وإن مما يشهد بصحة ذلك أن الآيات التالية لهذه الآية جاءت بمثابة التمهيد لقوله جل جلاله: " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ..." الآية (216).

بل إن سورة الحج قد فتحت باب المقاومة والدفاع بعد آيات الحج مباشرة في قوله تعالى: " إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ . أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ " الآيتان (38، 39).

ذلك أنه لولا دفع الله الجبابرة بالمؤمنين المجاهدين لفسدت الأرض؛ فإن الطواغيت سَيُهَيْمِنُونَ على مقاليد الأمور، ويحاربون الأديان، وقد حاول أبرهة الأشرم الحبشي أن يهدم الكعبة، ولم يجدْ مقاومة من عرب الجاهلية، فأهلكه الله بالطير الأبابيل، فالجهاد حصانة لبقاء الحرم، وقيام ركن الحج، بل والصلاة؛ فإنها إلى الكعبة كما هو معلوم بالضرورة.

إن قريش لما صّدَّت المؤمنين عن المسجد الحرام، واغتصبت الشرعية عليه، أمر الله بقتالهم؛ لأنهم يستحقون العذاب، وحتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كلُّه لله، قال سبحانه: " وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ .." الأنفال (34).

لذلك قَاتِلوهم يعذبْهم الله بأيديكم ويُخْزِهم وينصرْكم عليهم، ويَشْفِ صدور قوم مؤمنين؛ فإننا نتربص بهم أن يصيبهم الله بعذاب من عنده، أو بأيدينا.

إن سورة التوبة كذلك قد أمرت بالبراءة من المشركين، وأعلنت في موسم الحج من العام التاسع منع المشركين من قربان المسجد الحرام بعد عامهم ذاك، وأمهلتهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض، وقالت بعد ذلك: " فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ " الآية (5)

كما أنكرت على الذين يجعلون سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام، كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله.

-  أما سورة آل عمران التي أوجبت لله على الناس حِجَّ البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، فقد عَقَّبتْ على ذلك بالتحذير من مكائد اليهود؛ فإنهم يشترون الضلالة، ويريدون أن تضلوا السبيل؛ ليردوكم بعد إيمانكم كافرين، وأمرت في مقابل ذلك أن تتقوا الله حقَّ تقاته، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا؛ فإن اليهود يودون لو يستطيعون أن يعودوا كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض، وفي ذلك يقول سبحانه: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ " الآية (100)، واقرأ بعدها الآيات إلى رقم (107).

وأما سورة المائدة فقد جعلت الحكمة من تحريم الصيد على المُحْرِم أن يعلم الله من يخافه بالغيب؛ حذراً من علم الله المحيط، وقدرته المطلقة، ومن ذلك قوله تعالى: " جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " الآية (97).

والجدير بالذكر أن هذه الحكمة لكل المحظورات مؤقتة أو مؤبدة، سواء تعلقت بالإحرام أو بغيره.

فإذا الْتفتنا إلى صنيع أئمة الفقه وجدنا المالكية يتناولون كتاب الجهاد والسِّير بعد الحج مباشرة، وهم بهذا يستلهمون منهج سورة الحج وغيرها.

أما الحنفية فقد انتقلوا بعده إلى النكاح والأحوال الشخصية؛ لكونها أقرب إلى العبادات، وهي طريق تكثير النسل الضروري للعبادة والجهاد.

وأما الشافعية والحنابلة فانتقلوا إلى البيوع والمعاملات، لأن الأمر بالولاء بالعقود قد جاء في صدر سورة المائدة التي حَرَّمَتِ الصيد على المحرمين.

وفي تقديري أن أرجح المذاهب نظراً في ترتيب الفقه بعد العبادات هم المالكية، والله تعالى أعلم، وهو وليُّ التوفيق.

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .