( قتال أعداء الله أوجب الواجبات بعد إتمام الحج والعمرة لله )

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 766
( قتال أعداء الله أوجب الواجبات بعد إتمام الحج والعمرة لله )

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( قتال أعداء الله أوجب الواجبات بعد إتمام الحج والعمرة لله )

 

 ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[

البقرة (208)

 بعد الفراغ من الركن الخامس، ورجوع الحجيج إلى دنياهم، يثور السؤال المهم: ما هي الفريضة التي تلي أركان الإسلام؛ بحيث لو كانت تلك الأركان ستة لكان ذلك الواجب هو السادس، فلما انحصرت الأسس في خمسة كان ذلك التكليف هو أوجب الفرائض بعدها؟.

إن سورة البقرة، وغيرها من السُّور التي ذكرت طرفاً من أحكام الحج، قد أجابت عن هذا التساؤل، فالآية التي بين أيدينا هي أول نداءٍ بعد آيات الحج، وكأنها تقول لنا: أَمَا وقد قضيتم مناسككم، وفرغتم من الأركان؛ فادخلوا في الإسلام كلِّه، أي الْتَفِتوا إلى بقية بنيان الشريعة، واستمسكوا به جميعاً، ولا شكَّ أن الفرائض هي أَوْلى ما نبدأ به، فما عُبِدَ الله بشيءٍ أحبَّ إليه مما افترض على عباده، ثم يكون التقرب إليه بالنوافل؛ لنكون ممن يحبهم ويحبونه، وحالئذٍ سَيُسَدِّدُ الله جوارحنا، فيكون سَمْعَنا الذي نسمع به، وبَصَرَنا الذي نبصر به، وأيدينا التي نبطش بها، وأَرْجُلَنا التي نمشي بها، ولئن سألتموه ليعطينكم، ولئن استعذتموه ليعيذنكم.

إن سورة البقرة قد مهدت بعد ذلك للحديث عن القتال الذي كُتب عليكم، هو كُرْهٌ لكم، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شَرٌّ لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ثم تأتي الرخصة في القتال في الأشهر الحُرُم؛ لأنه أخفُّ الضررين؛ بالقياس إلى الجرائم التي يرتكبها أعداؤنا؛ إِذِ الفتنة عن الدين أكبر من انتهاك حرمة الزمان؛ بقتال المشركين في الأربعة الحُرُم، خاصة وأنهم لا يزالون يقاتلونكم؛ حتى يردوكم عن دينكم إِنِ استطاعوا، وإن الذين يرتدون عن الدين، فيموتون كافرين، هم الذين اتبعوا خطوات الشيطان، فَزَلُّوا من بعد ما جاءتهم البينات، فاستحقوا حبوط الأعمال، والخلود في النار، والعياذ بالله.

إن الآية السابقة على آية المقال تخبر عن طائفة من الناس باعوا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، وقد جاء في سبب نزولها أنَّ استشهادياً، يدعى هشام بن عامر أو غيره، قد انخرط مُلَثَّماً يوم الْتقى الجمعان في إحدى المعارك، وقبل ساعة الصِّفر، ودخل بين صفين للعدو، وطَفِقَ يجندل العشراتِ منهم عن يمينٍ وشمال، حتى تكاثروا عليه، فقتلوه، فقال بعض الصحابة: ألقى بيديه إلى التهلكة، فأنزل الله تلك الآية؛ لمباركة صنيعه، والثناء على شجاعته، ولبيان مدى حرصه على رضوان الله، ودوره في التعبئة والتحريض على قتال أعداء الله، وبهذا يظهر أن تلك الآية كانت تمهد لبيان أهم شعائر الإسلام بعد الحج، أخذاً بأولويات الفرائض ونحن نلج في الإسلام كافةً.

ولا يفوتني أن أَشُدَّ الانتباه إلى أن سورة البقرة قد فَصَّلتْ في أحكام القتال الدفاعي أو المقاومة، قبل أن تأمر بإتمام الحج والعمرة لله مباشرة، وقد جاءت تلك الأحكام بعد الجواب عن سؤال الأَهِلَّة، لِمَ قَدَّرَ الله القمر منازل حتى عاد كالعُرْجون القديم؟، فكان الجواب: هي مواقيت للناس والحج، ومن المواقيت الأشهر الحُرُم التي لا يحل فيها قتال الزحوف إلا رُخْصةً، تماماً كالأماكن الحُرُم من مكة والمدينة، فقد قيل بشأنها: " وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ " البقرة (191).

فإذا ذهبنا سوياً إلى سورة الحج نفسها وجدناها على شاكلة سورة البقرة؛ من حيث إن أحكام الحج قد اكتنفها الحديث عن القتال من قَبلُ ومن بعدُ، فقد جاء فيها في سياق تأكيد الله جل جلاله نصر نبيِّه عليه الصلاة والسلام التعريجُ على معركة بدر، وتصوير العاقبة في الآخرة لكل من الفريقين اللَّذيْنِ اختصموا في ربهم، أمَّا الأولون فقد خرجوا من ديارهم بطراً، ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله، واستجابة لتزيين الشيطان؛ بأنه لا غالب لهم ذلك اليوم من الناس، وهو مجيرٌ لهم، لكنه تَبَرَّأ منهم، ونكص على عقبيه؛ حين رأى جبريل مقبلاً في ألفٍ من الملائكة مُردفين، وأما الآخرون فهم البَدْرِيُّون الذين قاتلوا حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله.

ثم بعد الفراغ من أحكام الحج والمناسك أكَّد ربنا جل وعلا أنه يدافع عن الذين آمنوا، وأنه لا يحب كل خَوَّانٍ كفور، ثم أَذِنَ للمؤمنين الذين مضى عليهم قرابة عقد ونصف وهم يُضْطَهدون ويُقَاتَلون بالدفاع عن أنفسهم، وبمقاتلة من يقاتلهم، وإن الله على نصرهم لقدير، فقد أخرجوا من ديارهم بغير حقٍّ؛ إلا أن يقولوا ربنا الله، وكانوا من قبل يتشوقون للإذن لهم بأن يدفعوا عن أنفسهم، والوحي يأمرهم بكفِّ أيديهم، والاستعانة بالصبر والصلاة، وبإيتاء الزكاة كذلك، حتى يجعل الله لهم سبيلاً؛ فإنه سيجعل من بعد عُسْرٍ يُسْرا.

ولولا أن أذن الله لهم بالجهاد، ثم أوجبه عليهم؛ لتسلط الكفرة الفجرة على رقاب الناس، ولحاربوا العقيدة والدين، سواء كان أهلها هوداً، أو نصارى، أو مسلمين، فَهَدَّموا الصوامع، والبِيَعَ، والصلواتِ، والمساجد التي يُذكر فيها اسم الله كثيراً، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين.

وقد ختم الله جل جلاله هذا التكليف بالقَسَم المؤكد لينصرنَّ من ينصره، فهو القوي الذي لا يُغلب، العزيز الذي لا يُقْهر، وإن الحقيقين بالنصر هم الذين إنْ مكَّنهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهو عن المنكر، ولله عاقبة الأمور.

فإذا عدنا إلى سورة التوبة التي ذكرت بعض أحكام المسجد الحرام، وحرمان المشركين من قربان مكة، وجدناها تنعى على الذين يظنون أن الاشتغال بسقاية الحجيج وخدمتهم، والانشغال بعمارة المسجد الحرمان، مُغْنٍ عن الجهاد في سبيل الله، وأن الفعلين لا يستويان، فالذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، فهم أهل الفوز، والبشارة بالرحمة، والرضوان، والنعيم المقيم، في جنات الخلد أَبَدَ الآبدين، وقد أعدَّ لهم أجراً عظيماً.

ولعلَّ السرَّ في ترتيب الجهاد على الحج أن الحج جهادٌ لا شوكة فيه، فهو تدريب على الخروج بالنفس والمال، وهجر الأوطان والأهل، وقطع الفيافي والأودية، واحتمال الظمأ والنَّصَب والمخمصة، مع ما في الحج من التدريب على ذكر الله كثيراً، وتذكر الحشر والآخرة، واستحضار أطياف الصبر في مكة، والمصابرة في المدينة، حتى جاء نصر الله والفتح، وكل هذا ضروري في الإعداد للجهاد، والتحريض عليه، والله أشدُّ بأساً، وأشدُّ تنكيلا.

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .