في الحج زاد للدعاة الذين يريدون وجه الله

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 782
في الحج زاد للدعاة الذين يريدون وجه الله

 

بسم الله الرحمن الرحيم

( في الحج زاد للدعاة الذين يريدون وجه الله )

د. يونس الأسطل

الحمد لله الذي جعل تعظيم شعائره من تقوى القلوب, و أخبر أن الصفا و المروة من شعائر الله, كما جعل البُدْنَ لكم من شعائر الله.

و بعد :

فما أحوج الدعاة إلى الزاد الإيماني الذي يعصمهم من الفتور, أو أن يكونوا ممن يقولون ما لا يفعلون!!, و ما أحوجهم كذلك إلى الزاد العلمي الثقافي الذي يجنبهم أن يقولوا على الله ما لا يعلمون, أو أن يُحِسُّوا يوماً بالضعف و البضاعة المزجاة, فيختاروا الانزواء عن الأعين حتى حين!!.

و لا شك  أن في مواسم الطاعات من الأزواد الإيمانية و العلمية ما يُجَدِّدُ هِمَّة الداعية, و يصرف عنه سوء الكسل, و فحشاء الخمول, و من هنا فقد رأيت أن أتوقف عند طائفةٍ من أقوات الداعية المستمدة من ركن الحج, و خاصة ما انطوى عليها قوله تعالى : " الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ". البقرة ( 197 )

فقد تضمنت النهي عن الأخلاق الذميمة من الرفث و الفسوق و الجدال, سواء كانت آثاماً لِسانيةً, أو مما تقترفه الجوارح الأخرى, فقد تنوعت التأويلات فيها بين أن يراد بالرفث فحش القول, أو وَطْءُ الأزواج, و هو المؤيَّد بقوله تعالى : " أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ... " البقرة ( 187 ), و كذلك الفسوق؛ هل يراد حصره في النهي عن الذبح للأصنام, أم إبقاؤه على إطلاقه في شمول المعاصي كبائرِها و صغائرِها, و أما الجدال فلا يتناول المناظرات العلمية, إنما هو المِراء الذي يجفف مياه القلوب, و يبعث على العداوة و البغضاء؛ إذ إن معناه في اللغة الخصومة الشديدة, خاصة و أنه يفضي في كثير من الأحيان إلى السُّباب و المغاضبة.

أما حظُّ الداعية منها فهو أن يحرص على التزامها في الحج, أو التشبه بضيوف الرحمن إذا كان ممن أقام في الأوطان؛ حتى لا يكون ممن ينهى عن خُلُقٍ و يأتي مثله؛ فإن الداعية لا يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه, و لا ممن يأمرون الناس بالبر و يَنْسَوْنَ أنفسهم, كما أنه يتلقى من ذلك درساً في ضرورة وعظ الناس بتلك المناهي, و تدريبهم على تركها عملياً؛ فإن الله تبارك و تعالى ما جعلها من أخلاق الحجيج إلا ليتخلقوا بها بعد عودتهم إلى بلدانهم, و إلى يوم أَوْبتهم إلى ربهم.

ثم إنه سبحانه قد ندبهم إلى الاشتغال بأضداد تلك المنكرات, فقال: " و ما تفعلوا من خيرٍ يعلمْه الله ", فلا يضيع عمل عاملٍ منكم من ذكر أو أنثى؛ إذ المراد هنا لازم علم الله, و هو الجزاء الأوفى, و إنْ كان مثقال حبةٍ من خردل, أو مثقال ذرةٍ من خير.

و إن حظَّ الداعية من هذه العبارة هو أنه حين ينهي عن منكرٍ فعلوه, عليه أن يطرح البديل, و يرشد إلى ما فيه مرضاة الله؛ فإن انشغال العصاة بالطاعة يلهيهم عن الالتفات إلى ما كانوا عليه, بينما الفراغ يغري النفس والشيطان بمراودة الإنسان؛ ليعود سيرته الأولى.

و أما قول ربنا سبحانه : " و تَزَوَّدُوا؛ فإنَّ خيرَ الزادِ التقوى " ففيه نعيٌ على ما كان يفعله بعض أهل اليمن؛ إذْ يأتون للحج, و لا يحملون الأزواد, زاعمين التوكل على الله, قائلين : كيف نكون من الوافدين على الله, ثم لا يطعمنا؟!, فإذا جاؤوا الموسم اضطروا أن يسألوا الناس, مع ما فيه من إراقة ماء الوجوه, لكنه تبارك و تعالى ينتهز فرصة الإحساس بمدى الحاجة إلى الزاد في سفر الدنيا؛ لِيذكِّر بأن سفر الآخرة أحوج إلى الزاد, فإنه يومٌ يَفِرُّ فيه المرء من أخيه, و أمه و أبيه, و صاحبته و بنيه, فلا يغني مولىً عن مولىً شيئاً, و لا هم ينصرون, كما لا ينفع فيه مال و لا بنون, إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

إن من نهج القرآن أن ينتهز الشعور بحاجة المرء إلى أمرٍ دنيوي, فيذكره بما هو أهمُّ منه في آخرته و مصيره, و من ذلك أن أبوينا آدمَ و حوّاءَ لما أكلا من الشجرة, فنزع الشيطان عنهما بذلك لباسهما؛ ليريهما سوءاتهما, و طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة؛ قال سبحانه ممتناً و واعظاً : " يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ...". الأعراف ( 26 )

أما حظ الداعية منها فهو أن التقوى خير زادٍ له؛ فإنه بها يكون للناس فيه أسوة حسنة؛ إذ إنها تنطوي على اتقاء ما يغضب الله عز و جل, سواء كان اقتحاماً لمعصية, أو زُهداً في طاعة, فإذا كان الداعية من المتقين كان من العافين عن الناس : " و أنْ تعفوا أقربُ للتقوى .. " البقرة ( 237 ), و كان من العادلين: " اعْدلوا هو أقربُ للتقوى ..." المائدة ( 8), و جعل الله له بالتقوى مخرجاً, و رزقه من حيث لا يحتسب, بل ألزمه ربُّه كلمة التقوى, و جعله أحقَّ بها و أهلها؛ فإن الذي جاء بالصدق, و صدَّق به؛ أولئك هم المتقون, فكان بذلك على الهدى, و أَمَر بالتقوى, و العاقبةُ للتقوى؛ فإن للمتقين لَحُسْنَ مآب, جناتِ عدنٍ مُفَتَّحةً لهم الأبواب, متكئين فيها, يَدْعونَ فيها بفاكهةٍ كثيرةٍ و شراب, و عندهم قاصرات الطَّرْف أتراب, و إن للمتقين مفازاً, حدائق و أعناباً, و كواعب أتراباً, و كأساً دهاقاً, لا يسمعون فيها لغواً و لا كذاباًً, جزاءً من ربك عطاءً حساباً.

و ختم الآية بقوله :" و اتقونِ يا أُولي الألباب ", فأشار بذلك إلى أن الذين يسمعون أو يعقلون هم الذين يخشون ربهم بالغيب, و هم من الساعة مشفقون, لذلك فإنهم يتخذون التقوى زاداً في الدنيا يمشون بها في الناس, و عُدَّةً للآخرة يأتون بها آمنين يوم القيامة, لا يحزنهم الفزع الأكبر, و تتلقاهم الملائكة يقولون : هذا يومكم الذي كنتم توعدون.

هذا؛ و إن في الحج من زاد الدعاة ما تضيق عنه مساحة المقال, و لكنْ ما لا يدرك كلُّه لا يترك جُلُّه, و من ذلك أن الحجيج عندما يُنَقِّلونَ أقدامهم في أرجاء مكة, أو أحياء المدينة المنورة, يتذكرون أطياف الدعوة, و ما عاناه نبيُّنا عليه الصلاة و السلام و الذين آمنوا معه, حتى اضطروا أن يهاجروا للحبشة, ثم أُخْرِجوا من ديارهم بغير حقٍّ, إلا أن يقولوا : ربنا الله, و لكن التوكل على الله, و الثقة المطلقة بنصره, مع التسلح بالصبر و الإعداد, حتى في سٍنِيِّ الحصار في شِعْبِ أبي طالب, جعل الله لهم به سلطاناً نصيراً, فأخرجهم من مكة مُخْرجَ صدقٍ, و أدخلهم في المدينة مُدْخَلَ صدق, ثم آواهم و أَيَّدهم بنصره, و رزقهم من الطيبات, ثم جاء نصر الله و الفتح, و دخل الناس في دين الله أفواجاً, كما أن سيدنا إبراهيم كان في غاية اليقين و التوكل عندما أسكن من ذريته بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيت الله المحرم, و غير ذلك من الذكريات التي يربط الله بها على قلوب الدعاة و المصلحين.

و لعل من أعظم الدروس في الحج أنه نموذج ليوم الحشر, فملابس الإحرام كأكفان الموتى, و الامتناع عن التطيب, و الأخذ من الشعر و الظفر, و الصيد في البر,و دواعي النكاح, و غيره, كلُّه زيادة في التشبه بأصحاب القبور, ثم إن الوقوف بعرفة كيوم الحشر, و الانتقال بين المناسك و الشعائر كالتحول في مواقف الحشر, بين الحساب و الميزان, و الظلمات و الصراط, و غير ذلك من العرصات, ثم إن البلد الأمين مذكر بالمقام الأمين و الجنات و العيون, خاصة و أنتم تشربون من زمزم, و ترون كيف أن الحرم يُجْبى إليه ثمرات كلَّ شيء.

و لا يخفى على أحد أن عقيدة اليوم الآخر من أهم أسلحة الدعاة, فهو المصير؛ إذْ فريق في الجنة, و فريق في السعير, و لا شكَّ أن الذي يرجو الله و اليوم الآخر, و يخاف وعيد, و يرجو رحمة ربه, هو الأكثر إشفاقاً من الساعة, و شوقاً إلى لقاء الله.

و لا يفوتنا أن نُذَكِّر بما في الحج من الإعداد للجهاد و الجلاد, حين يخرج الحاجُّ بنفسه و ماله, و يصيبه الظمأ و النصب و المخمصة, و يهجر الأزواج و الأموال, و يهاجر إلى الله تاركاً الديار و الأوطان, و كلها- لَعَمْرُ الله – مما يكابده المجاهدون, و الفرق أن الحج لا شوكة فيه, و الكلام عن دروس الحج يطول, و فيما ذكر كفاية, و الله يتولى الهداية.

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .