إيجاز الفقرة في بعض الإعجاز لآيات الحج في سورة البقرة

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 774
إيجاز الفقرة في بعض  الإعجاز لآيات الحج في سورة البقرة

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( إيجاز الفقرة في بعض  الإعجاز لآيات الحج في سورة البقرة)

 

 ] الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ، وَلَا فُسُوقَ، وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ، وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ، وَتَزَوَّدُوا؛ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ[

البقرة (197)

لم يكن الحج ركناً من خمسة، هي أعمدة البنيان الشامخ للإسلام؛ إلَّا لما ينطوي عليه من الأهمية البالغة في غرس كثيرٍ من شعائر الله وشرائعه في النفوس عملياً، في رحلة تشبه من ناحيةٍ زحوف المجاهدين، ومن ناحية أخرى تُذَكِّرُ بزحوف الخلق إلى الحشر، يوم يخرجون من الأجداث سراعاً، كأنهم إلى نصب يوفضون؛ إذا كانوا من الكافرين والمنافقين، فقد شَخَصَتْ أبصارهم مُهطعين مُقْنِعي رؤوسهم، لا يرتدُّ إليهم طَرْفُهم، وأفئدتهم هواء، أو يُحشرون إلى الرحمن وَفْداً؛ إذا كانوا من الأتقياء، لا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقاهم الملائكة، هذا يومكم الذي كنتم توعدون.

ولعله من المناسب أن أشير إلى أن أحكام الحج قد وردتْ في عددٍ من سُوَر القرآن، منها البقرة، وآل عمران، والمائدة، والتوبة، وسورة الحج نفسها، غير أن هناك إشاراتٍ أخرى للمسجد الحرام، والبلد الأمين، والبيت الحرام، والكعبة، ومكة، في عدد آخر من سور القرآن.

ولن أقدر على الإتيان على كل ذلك في مقالٍ واحدٍ، وقد رأيتُ أن أَحْصُرَ قلمي هذه المرة في آيات البقرة؛ للوقوف على طائفةٍ من أسرارها، وقد بدأتْ بالأمر بإتمام الحج والعمرة لله، فهي تأمر ابتداءً ابتغاء وجه الله، والتجرد لمرضاته بالدخول في أحد النُسُكين أو كليهما، مع وجوب إتمام كلٍّ منهما بعد الشروع فيه، ثم ذكر احتمال طُروء أسبابٍ يُحْصَرُ بسببها المحرم عن بلوغ المسجد الحرام، لمرضٍ أو سَبُعٍ، أو عدوٍّ، وعليه حالئذٍ أن يذبح ما استيسر من الهَدْيِ؛ ليكون مُشْعراً له بتمام أجره، حتى لكأنهم قد قَضَوْا تفثهم، فما عليهم إلا أن يُوفوا نُذُورهم.

وقد انتقل بعد ذلك إلى أحد محظورات الإحرام، وهو حَلْقُ الرؤوس، وأَخْذُ الشعر، حتى يبلغ الهَدْيُ محله في صباح العيد، وبعد ارتفاع الشمس، واستثنى من كان مريضاً، أو به أذىً من رأسه، لِجُرْحٍ أو قَمْلٍ، ونحو ذلك، فرخَّص له أن يحلق ويُفْدي بصيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، وقد جاء هذا التفصيل في السنة التي هي تِبْيانٌ لمجمل القرآن.

ثم انتقل إلى رخصةٍ أخرى، وهي جواز الجمع بين العمرة والحج في سفرٍ واحدٍ، مع إفراد كل منهما بإحرامٍ مستقل، والتمتع بجميع محظورات الإحرام في الأيام التي تفصل بين النُسُكين، وفي مقابل ذلك فلابد من دم شُكْرانٍ وجُبْرانٍ، أما الشكر فهو في مقابل الصحة والمال والهداية للنُّسُك، والعون عليه، وغير  ذلك من أَنْعُمِ الله التي إنْ تَعُدُّوها لا تحصوها، ومن لم يستطعْ طَوْلاً أن يذبح الهَدْيَ المُهْدى إلى فقراء الحرم؛ أجزأه أن يصوم عشرة أيام، ثلاثة في الحج؛ إما قبل يوم التروية، وهو المستحبُّ، وإما في أيام التشريق، وهو مكروهٌ لغير المتمتع المُفْلس، فإذا عاد إلى موطنه فَلْيَصُمْ سبعة أيام، لتكون كمال العشرة، ولعل كثرتها لمنع الترخص بها لغير الفقير المُدْقِع.

وقد بَيَّنَ أن حجَّ التمتع رخصة لأهل الآفاق، وأما حاضرو المسجد الحرام الذين لا يَشُقُّ عليهم الاعتمار في غير موسم الحج، فليس لهم إلا إفراد الحج دون العمرة، ولا هَدْيَ عليهم.

وقد ختم الآية بقوله:" .. وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " الآية (196)؛  للترهيب من ارتكاب ما يُنافي آداب الحج في بُرْهة التمتع بين النُسُكين، إذِ المطلوب أن يظلَّ الحاجُّ في منطقة المسجد الحرام للطاعة والعبادة، خاصة في البيت الحرام عند الكعبةِ البيتِ العتيق؛ ولأنَّ مَنْ يُرِدْ فيه بإلحادٍ بظلم يُذِقْهُ ربُّه من عذابٍ أليم.

ومن هنا تجيء آية المقال لتتضمن النهي عن الأخلاق الذميمة، وهي بعض ما توعَّد الله به المتمتعين وعموم الحجيج في الآية الفائتة، وهي ابتداءً تحصر ركن الحج في أشهرٍ معلومات، لا يجوز الإحرام به قبل دخولها، وهي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، أو العَشْرُ الأُولى من الشهر الأخير؛ إِذِ الحجُّ عرفة، ومن لم يدرك الوقوف به، ولو في آخر لحظةٍ من ليلة العيد؛ فقد فاته ذلك العام، ولْينتظرْ عاماً آخر.

وقد نصَّ على الرَّفَث، والفسوق، والجدال؛ لمناقضتها لمقاصد الحج، أما الرفث فهو كلُّ قبيحٍ، ويندرج فيه النكاح ودواعيه، وأما الفسوق فهي الآثام، ولاسيما الكبائر، وأما الجدال فهو المشادات الكلامية التي تستفزُّ الغضب، والانتصار للنفس، ولو كان مُحِقّاً، إِذِ المطلوب الحفاظ على الأخوة والمحبة والآداب، ليكون المؤمنون جميعاً كالجسد الواحد، والمطلوب الاشتغال بأضداد ذلك من أعمال الخير، فذلك قوله تعالى في الآية:" وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ".

ثم أمر بالتزود لرحلة الحج، حتى لا نكون عالة على الناس في طعامنا ونفقاتنا، ولا يكونوا كأهل اليمن في حينه، إذْ كانوا يخرجون للحج، ولا يحملون الأزواد قائلين: (نحجُّ بيت ربّنا ولا يطعمنا)، ولما كان الخروج للحج مرسخاً مدى الحاجة إلى الزاد في سفر الدنيا، فقد نَبَّهَنا إلى سفر الآخرة، وهو أشدُّ وأشقُّ، وإنَّ زاده هو التقوى، فأخلصوا في حجكم؛ ليكون زادكم إلى ربكم، فإنك أيها الإنسان كادحٌ إلى ربِّك كدحاً فملاقيه، وإنَّ إلى ربِّك الرُّجعى، وإن إليه إيابهم؛ لتعلم نفسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرتْ، فقد كتب ما قَدَّمُوه وآثارهم، أحصاه الله ونسوه، وما كان ربُّك نَسِيَّاً.

أما الآية التالية فتجيز للمحرم أن يزاول العمل والتجارة؛ فإن الله قد جعل الكعبة البيت الحرام قِياماً للناس في دنياهم وأُخراهم، بشرط ألَّا يُلْهِيهم الحرص على الكسب عن ذكر الله، لاسيما عند الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة، وهي المشعر الحرام، حيث يبيتون فيها، ويجمعون الحصى لرمي الجمار، وللإشعار بأن المسيرات المليونية، مع التكبير والعَجِّ، وهو رفع الصوت بالذكر، وقذف الحجارة، لها أثرها الكبير في رُعْب شياطين الإنس والجن أعداءِ جميع الأنبياء، وبذلك سقطت بعض الأنظمة مؤخراً.

ولْيكنْ ذكركم شكراً على نعمة الهداية، وكيما تدركوا عظيم تلك النعمة؛ تذكروا يوم كنتم من قبلها لمن الضالين في العقائد، والعبادة، والسلوك.

ثم إنه من أجل تكريس المساواة، وَوَأْدِ الطبقية والعنصرية؛ فقد أمر قريشاً أن تفيض من حيث أفاض الناس، ولا تخصَّ نفسها ببعض المواقف والأحكام التي ما أنزل اله بها من سلطان.

وقد أمر في نهاية المطاف بالاستغفار مما عساه عَلِقَ بالحج –نيةً أو نسكاً- من قصور أو انتهاك؛ فإن الله غفورٌ رحيم.

ولما كان قد أمرهم وهم يتجردون من الثياب المخيطة أن يتجردوا من الآثام؛ فقد أمرهم هنا أن يتجردوا من الأنساب، ولْيشتغلوا بذكر الله بأشدَّ مما كانوا ينشغلون به في أسواقهم بعد الحج من الافتخار بآبائهم، مع أنهم من فحم جهنم، وهم رموز الجاهلية الأُولى.

ذلك أن الناس فريقان؛ فريقٌ يطلب الدنيا حراماً أو حلالاً، وما لهؤلاء في الآخرة من خَلاقٍ أو نصيب، وفريقٌ آخر يضرع إلى الله أن يجمع له بين الحسنتين: حسنة الدنيا من الصحة والعافية، والكَفَاف، والزوجة الصالحة، والولد الصالح، والعلم النافع، وغير ذلك، وحسنة الآخرة؛ حيث الجنة، ورضوان الله، ورؤية وجهه الكريم، وغير ذلك مما أُخْفِيَ لنا من قُرَّة الأعين، وأنتم في الغرفات آمنون.

وأما قوله تعالى: "وَقِنا عذابَ النار" فهو إشفاق من أن يكون نيل حسنة الآخرة بعد أخذ قسطٍ من العذاب في جهنم، والعياذ بالله تعالى.

ولما كانت النجاة موقوفة على الأخذ بالأسباب، لا بالدعاء وحده، قال سبحانه: "أولئك لهمْ نصيبٌ مما كَسَبوا" يزحزحون به عن النار، والله سريع الحساب؛ لئلا يتأخر المؤمنون عن وُلُوج الجنة التي أُعِدَّتْ لمن أتموا الحج والعمرة لله، فلم يرفثوا، ولم يفسقوا، ورجعوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم.

بقيتِ الإشارة إلى ذكر الله في أيام التشريق؛ ليغفر الله ذنوبهم، ولو  تعجلوا في يومين، فما بَالُكُم بمن تأخر للثالث، وعليكم أن تتقوا الله، وأن تعلموا أنكم إليه تحشرون، وقد مَرَرْتُم بنموذج الحشر الأصغر؛ بدءاً بالتجرد من الثياب، ولبس الأكفان، إلى أن تَرَوُا الملائكة بعد الحشر يطوفون بالعرش  وهم يسبحون بحمد ربهم، لتتأسوا بهم، وتطوفوا طواف الوداع في آخر المطاف.

 

وتقبل الله منا ومن حجيجنا صالح الأعمال

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .