الذكــر الكثـير لله الغفـــــور من مقاصـــــد الحـــــج المـبرور

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 739
الذكــر الكثـير لله الغفـــــور من مقاصـــــد الحـــــج المـبرور

في رحاب آيـة

د. يونس الأسطل

 

( الذكــر الكثـير لله الغفـــــور من مقاصـــــد الحـــــج المـبرور )

 

) فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ( البقرة (200)

    قضى الحجيج مناسكهم، وقد تعجَّل أكثرهم في يومين، وتأخَّر كثيرون لثالثِ أيام التشريق، تلك التي ليس فيها من أعمال الحج إلا رميُ الجمرات الثلاث بعد الزوال لمن أراد أن يُتِمَّ السُّنَّة، وربما يتأخر طواف أحدهم للإفاضة عن يوم العيد، أو حتى لا يتمكن من الذبح فيه، فينشغل قليلاً باستدراكه، وتظلُّ تلك الأيام للأكل والشرب وذكر الله تعالى، كما أن من حِكَمِها أن تكون مؤتمراً إسلامياً عظيماً، يلتقي فيه المؤمنون الآتون من كل فَجٍّ عميق، فيتدارسون أحوالهم، ويتعاهدون على التعاون على البِرِّ والتقوى، ويتواصون بالحق، وبالصبر، وبالمرحمة، ثم يَنْفَضُّون إلى أوطانهم بعد أن يكون آخر عهدهم بالبيت طواف الوداع.

     إن ظاهر هذه الآية يأمر الحجيج بعد انقضاء مناسك الحج أن يكثروا من ذكر الله، ولا يكونوا كأهل الأوثان الذين كانوا ينهمكون بعد الحج في التفاخر بآبائهم وأنسابهم، فأولئك قومٌ لا يؤمنون بالآخرة، وإنما كان حجهم عادة ورثوها عن آبائهم، فهم على آثارهم يهرعون، ويقولون: إنا وجدنا آباءنا على أُمَّةٍ، وإنا على آثارهم مهتدون، وبهم مقتدون؛ لذلك فإنهم لا يتطلعون لأكثر من الدنيا، كالفوز ببعض التجارات، أو الغلبة في مآثر الآباء، بينما نحن – المؤمنين- نتطلع إلى حسنة الدنيا، وحسنة الآخرة، تلك التي تصاحبها الوقاية من النار، فلا نكون من عصاة المؤمنين الذين أُخْرِجوا منها بالشفاعة، بعد أن صَلَوْها حيناً من الدهر، كما في الآية (201) من البقرة.

    إن هذا التكليف بذكر الله كثيراً يجيء ثمرةً للحجِّ الذي شُرع لحِكَمٍ كثيرة، منها تدريب مَنْ حَجَّ البيت أو اعتمر على الذكر الكثير، فقد جاء في سورة الحج: )... لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ...(  الحج (28)

وفيها أيضا) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ... ( الآية (34) وفيها كذلك)... وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ*الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ... ( الآيتان(34،35) إلى أن يقول عن الهدايا: )...فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ...(( الآية 36) وقد قال من قبل في البقرة: ) فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ... ( الآية(198) وفيها بعد آية المقال:) وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ... ( الآية (203)

    لذلك فإن الحاج ما إنْ يُهِلَّ بحجٍّ أو عمرةٍ حتى يَشْرَعَ في الصدع بالتلبية، ويضمَّ إليها ما شاء من الأذكار، لا سيما التكبير والتهليل؛ إذْ لا يقيد بأدبار الصلوات، بل يستحب من أول ذي الحجة، فضلاً عن الأدعية، والمأثورات، وتلاوة القرآن، فإذا عاش المسلم لياليَ وأياماً رَطِبَ اللسان بذكر الله، فالمتوقع أن يصبح هذا ديدنَه وعادته، فيكون قد عاد خيراً مما ذهب، وتلك أمارة الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلا الجنة.

    إن ذكر الله الكثير قد جاء الأمرُ به، أو الثناء على أهله، في عدد من مواضع القرآن الكريم:

    فقد جاء الأمر به مطلقاً في قول الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( الأحزاب (42،41)

    ذلك أن الناس لمَّا أكثروا من اللغو في قصة زيد بن حارثة، وتطليقه زوجَه زينت بنت حجش، ثم زواج رسول الله بها؛ إبطالاً للتبني عملياً، بعد إلغائه نظرياً في صدر السورة؛ إذ كما لم يجعلِ الله لرجلٍ من قلبين في جوفه لم يجعل له أبوين، وأمر أن تدعوهم لآبائهم، هو أقسط عند الله، لمَّا أكثروا في ذلك أَمَرَهم أن يُعْرضوا عنه بالتوجه إلى ذكر الله كثيراً، وتسبيحه بكرةً وأصيلاً، وأغرى مَنْ يأخذ بهذا التكليف أن يفوز بصلاة الله عليه ورحمته، وصلاة ملائكته، ودعائهم لهم كذلك، وهو ما يترتب عليه أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومنها خروجهم من اللغو والرفث إلى الذكر والتسبيح.

    وفي سورة الأحزاب نفسِها أن الذين يرجون الله واليوم الآخر، وذكروا الله كثيراً، هم الذين كان لهم في رسول الله أسوة حسنة، وهو يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يذكر  الله كثيراً، فقد كان يذكر الله في كل أحيانه؛ قياماً وقعوداً وفي المضاجع، لذلك فقد كان الذاكرون الله كثيراً والذاكرات، مع تسع صفاتٍ أخرى، ممن أَعَدَّ لهم مغفرةً وأجراً عظيما. انظر الآيتين (21)،(35)

    وقد أمر الله عز وجل بالذكر الكثير بعد صلاة الجمعة، والانخراط في كسب الأرزاق، والابتغاء من فضل الله؛ لئلا تأخذنا الدنيا، فتنسينا ذكر الله؛ قال تعالى:) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( الجمعة(10)

    ولعل أهمَّ المواقف التي نكون فيها في أمسِّ الحاجة إلى التسلح بذكر الله الكثير ساعةُ لقاء العدو؛ فقد قال جل وعلا: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ  (الأنفال(45)

 

    ومن هنا فقد كان الرِّبِّيون يدعون الله سبحانه أن يغفر لهم ذنوبهم، وإسرافهم في أمرهم، وان يثبت أقدامهم، وأن ينصرهم على القوم الكافرين، كما كانوا يتوسلون أن يُفْرِغَ عليهم صبراً، إلى جانب تثبيت أقدامهم، ونصرهم على القوم الكافرين. انظر البقرة(250)، آل عمران(147)

    هذا، وإن الله بهذا قد أَمَرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقد قال لسيدنا زكريا):...آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ( آل عمران(41)

    وكان سيدنا موسى عليه السلام قد علََّلَ سؤاله أن يجعل له ربُّه وزيراً من أهله هارون أخاه بقوله: ) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً *  وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ( طه ( 33-34)

    كما أن الله عز وجل لما ذمَّ الشعراء أئمةَ الغاوين؛ لهيامهم في كلِّ وادٍ، وأنهم يقولون ما لا يفعلون؛ كما قد استثنى الذين آمنوا منهم، وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيراً، وانتصروا من بعد ما ظُلِموا، كما في الآية الأخيرة من سورة الشعراء (277).

    وقد شُرِعتْ العبادات كلها لإحياء ذكر الله في الأرض، لا سيما الصلاة؛ فقد قال سبحانه لسيدنا موسى:)... فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (طه(14) وجعل إحياء ذكر الله بالصلاة أكبرَ من حكمة نهيها عن الفحشاء والمنكر، كما في العنكبوت(45)، بل قد أخبر نبيُّنا عليه الصلاة والسلام أن الرجل إذا أيقظ أهله بالليل، فصليا ركعتين، كانا من الذاكرين الله كثيرا، كما في بعض السنن.

    وإذا نظرنا إلى المأثورات في سائر اليوم، والأحوال المختلفة؛ وجدناها تملأ علينا حياتنا، فلا يغيب ربُّنا عن بَالِنا، وإما يُنْسِيَنَّكَ الشيطان فإنك سرعان ما تعود إلى ذكر الواحد الديان، فَمِنْ دعاء الاستيقاظ من النوم بِسَحَرٍ، أو مع الفجر، إلى دعاء النوم عند المضجع، مروراً بدعاء الخلاء دخولاً وخروجاً، ثم التسمية للوضوء، ودعاء ختمه، فإذا خرجت من بيتك أتيتَ بدعاء البروز منه، وعند دخول المسجد والخروج منه أدعيةٌ مأثورة، وقبل الأكل وبعده، وعند ركوب السيارة والنزول منها، فضلاً عن الترديد خلف الأذان، والأدعية بعده، وكذا مائة تسبيحة دبر كل صلاة، مع الأحوال المختلفة؛ كصعود مرتفعٍ، أو هبوط وادٍ، أو هبوب ريح، أو نزول الغيث، أو عيادة المريض أو القيام من المجلس، أو رؤية ما يعجبك، فتقول :) مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ( الكهف(39)

وغير ذلك مما يستعصي حصره في هذا المقال، وخاصة أدعية الصباح والمساء، سواء أخذتَ بالوظيفة الكبرى، أو الصغرى، ثم تلاوة القرآن، ومدارسته، فهو الذكر الحكيم، فإنَّ مَنْ أخذ بأحسن ما ذُكِرَ يجعل مَحْيَاهُ ومماته كصلاته ونسكه، لله رب العالمين، لا شريك له، وهو الذي يكون قد أتى بالطاعة على وجهها؛ إذ المقصود رؤية أثر العبادة في حياة الإنسان كلِّها، صلاةً أو حَجَّاً، أو غير ذلك من أصناف الذكر الكثير.

والله الهادي والمعين على ذكره وشكره وحُسْنِ عبادته

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .