(الإيجاز النافع فيما في الحج من المنافع)

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 598
(الإيجاز النافع فيما في الحج من المنافع)

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

(الإيجاز النافع فيما في الحج من المنافع)

 

 ] لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [

الحج (28)

من المعلوم أن العشر الأُولى من ذي الحجة هي خير أيام السنة على الإطلاق، ولذلك فإن العمل الصالح فيها يضاعف أجره أضعافاً كثيرة، بحيث لا يضاهيه في الأجر أيُّ عملٍ في غيرها، فالنافلة خير من النافلة، والواجب فيها متفوق على الواجب ولو كان جهاداً في سبيل الله، مع أنه ذروة سنام الإسلام، وفيه ذروة هامة الأجر، إلا ما كان من رجلٍ خرج يخاطر بنفسه وماله في سبيل الله، فأنفق النفس والنفيس، ولم يرجع من ذلك بشيءٍ، فقد شَرَى نفسه وماله لله؛ بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله، فَيَقْتُلُون ويُقْتَلُون؛ ذلك أنه من يقاتلْ في سبيل الله، فَيُقْتَلْ أو يغلبْ؛ فسوف يؤتيه الله أجراً عظيماً.

ولعل السرَّ في هذا التفضيل هو ما قاله ابن حجر من اجتماع أمهات العبادات فيها، فالصلاة فيها قائمة ودائمة، والصوم مستحبٌّ، ويتأكد في يوم عرفة، وهو خيرها بلا مرية، وفيه الحج الأكبر؛ إِذِ الحج عرفة، فهو الركن الأعظم في الركن الخامس الذي قام عليه بنيان الإسلام مع الأربعة الأُوَلِ، وأما ركن الصدقة فيتمثل في الإنفاق الذي يتزود به الحجيج، أو ثمن الأضحية، والتوسعة على الأهل والأرحام للمقيم في بلده وسائر الصدقات، ففيه زكاة النفس وتطهيرها من رجس العبودية للمال، فقد تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم، كما تعس عبد القطيفة، وعبد الخميصة، وسائر الألبسة الفاخرة.

إن آية الحج المذكورة تشير إلى حكمتين كُبْرَيَيْنِ من مقاصد فريضة الحج، فقد أمر الله تبارك وتعالى خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يؤذن في الناس بالحج، فإذا فعل أتاه المؤمنون رِجالاً، أو ركباناً على الإبل الضامرة المهزولة من نَصَبِ السفر، فقد جاؤوا من كل فجٍّ عميق؛ ليشهدوا منافع لهم، وهذه هي الحكمة الأُولى، غير أنها جاءت مجملة ومطلقة، فلا هي قاصرة على منافع الدنيا، ولا هي محصورة في نعيم الآخرة، وقد جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس، في دُنياهم وأُخراهم، فالحرم المكي يُجْبى إليه ثمرات كل شيءٍ؛ إجابةً لدعاء سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ حين أسكن من ذريته بوادٍ غير ذي زرع عند بيته المحرَّم؛ ليقيموا الصلاة، وسأل ربه أن يجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم، وأن يرزقهم من الطيبات؛ لعلهم يشكرون، ولذلك فقد رفع الجُناحَ عن المُحْرِمين إذا رغبوا في أن يبتغوا فضلاً من ربهم، ماداموا ممن يقولون: ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وَقِنا عذاب النار، لا ممن يقولون: ربنا آتنا في الدنيا، وما لهم في الآخرة من خَلاق.

وقد ذكرت الآية من منافع الدنيا الأكل من بهيمة الأنعام، وتظهر قيمة هذه النعمة حين نعلم أن الأمم السابقة ما كان يؤذن لها في أن تَطْعَمَ من قربانها، إنما تأكله النار النازلة من السماء؛ دلالةً على قبوله، فإذا لم تنزل فإن القربان يكون مردوداً على صاحبه؛ إما لعدم طهارة المال، فالله طيب، ولا يقبل إلا طيباً، وإما لعدم الإخلاص فيه، ولا يقبل ربنا إلا ما كان خالصاً لوجهه؛ بل إن الآية قد جعلت من مقاصد الحج، وإلزام المتمتع والقارن بذبح الهدي، إطعامَ البائس الفقير؛ ليتعود الحاج على الإطعام، فيكون كريماً، كما كان سيدنا إبراهيم كذلك، فهو أبو الضيفان، وأنتم تعرفون أنه ما لبث أن جاء بعجلٍ حَنيذٍ، حين راغ إلى أهله؛ ليكرم مجموعة من الملائكة دخلوا عليه وهو يظنهم بشراً، فنكرهم، وهم له عارفون، فلما أوجس منهم خيفةً؛ حين لم تمتدَّ أيديهم إلى زاده؛ إذا بهم يقولون: إنا أُرْسِلْنا إلى قوم لوط، وإن موعدهم الصبح، كما بَشَّروه بغلامٍ عليم، وهو إسحق عليه السلام.

ومن المنافع الدنيوية الكبرى أنه مؤتمر إسلامي سنوي، تلتقي فيه ثلة من شعوب الأمة الإسلامية، ليتعارفوا، ويتعاونوا على البِرِّ والتقوى، وحين يكون القائمون على موسم الحج من القيادة الشرعية للأمة، لا من رموز الحكم الجبري، أو الرويبضات، يكون للحج طعمٌ مختلف، ولتقريب الصورة أكثر تخيَّلوا يوم تكون قيادة الموسم التي تخطط له أمثال القرضاوي، ومرسي، ومشعل؛ أي القيادة الشرعية الشعبية لأُولي الأمر منكم من العلماء، والحكام، وقادة القسام؛ فإن خريطة العالم ستوضع أمامهم لتوجيه جيوش الدعاة والفاتحين إلى البلاد التي لم تصلها رحمة الله بالعالمين، وستكون طاقة الأمة ومُقَدَّراتُها في خدمة هذه الأهداف، وهذا ليس حُلْماً أو خيالاً، إنما هو واقعٌ، ماله من دافع في بِضْعِ سنين بإذن الله ربِّ العالمين.

أما المنافع الأخروية ففي مقدمتها التذكير بيوم الحشر، ذلك أن التجرد من المخيط، وارتداء الإزار والرداء، يشبه الدخول في أكفان الموتى، ثم بقية المناسك كالانتقال يوم القيامة من موقفٍ إلى آخر؛ كالحساب، والميزان، والظُّلمة، والصراط، والقنطرة التي يكون فوقها القصاص من الحسنات والسيئات، وكان آخر المناسك طواف الوداع تشبهاً برؤية الملائكة حَافِّينَ من حول العرش، يُسَبِّحون بحمد ربهم، بعد أن سيق أهل النار إليها زمراً، وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً.

ومن المنافع الأخروية التدريب على ذكر الله كثيراً، فقد نصَّت آية المقال على ذلك، لاسيما على نحر ما رزقكم من بهيمة الأنعام، وهي الحكمة الكبرى الثانية، فاذكروا اسم الله عليها صوافَّ، فإذا سقطتْ جُنُوبها، فكلوا منها، وأطعموا القانع والمعترَّ؛ لتكونوا من المخبتين الذين إذا ذكر الله وَجِلَتْ قلوبهم، وهم مأمورون بالذكر عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم، كما عليكم إذا قضيتم مناسككم أن تذكروا الله كذكركم آباءكم، أو أشدَّ ذكراً، وأن تذكروا الله في أيامٍ معدودات؛ فإن الذاكرين الله كثيراً والذاكرات أَعَدَّ الله لهم مغفرةً وأجراً عظيماً.

وعلينا أن نتخذ الذكر، وسائر المناسك والطاعات، زاداً في رحلتنا إلى الله، وشكراً لنعمة الصحة والمال، والانتباه إلى أنه لا رفثَ في الحج، ولا فُسوقَ، ولا جدال، وغير ذلك كثير، ولا مجال للاسترسال في سرده، وفيما ذُكِر تنبيه على عظمة مقاصد الحج ومنافعه.

ولعله من المناسب أن أشير إلى أن في الهَدْي والأضحية أسراراً كثيرة، منها اتباع ملة إبراهيم حنيفاً، وتحقيق إمامته للناس، وتعظيم شعائر الله، وإحياء مفهوم الفداء؛ بل الفدائية في الإسلام، حين جاد الشيخ بولده الوحيد، وجاد الولد بالنفس لبارئها، وكذا نَيْلُ المغفرة مع أول قطرةٍ من دمها، والفوز بعدد شعرها حسنات، مع التوسعة على الأهل والأرحام والمساكين والأيتام، والتحدث بنعمة الله، وشكر نعمة الحياة والرزق، وتذليل بهيمة الأنعام للأنام، وغير ذلك مما لا يحيط به إلا ربُّنا الذي وسع كلَّ شيءٍ رحمةً وعلماً، فَطِيبُوا بها نفساً، وانحروها إيماناً واحتساباً.

وكل عام وأنتم بخير

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .