مكافأة العيد انتزاع الأسود من أشداق اليهود، ولا زلنا نوقن بالمزيد

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 772
 مكافأة العيد انتزاع الأسود من أشداق اليهود، ولا زلنا نوقن بالمزيد

من وحي آية

د. يونس الأسطل

 

( مكافأة العيد انتزاع الأسود من أشداق اليهود، ولا زلنا نوقن بالمزيد )

 

]  إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ . وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [

(الصافات: 106، 107  )

 قد لا يفطن كثير من الناس إلى الدرس العظيم الذي أراد ربنا تبارك وتعالى أن يُعَلِّمَنا إياه، حين أمر سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أن يذبح ولده الوحيد، لمَّا بلغ معه السعي، وكان قد أصابه الكِبَر، فصار شيخاً، وقد جاءه التكليف بالرؤيا المنامية، فما تردد في السمع والطاعة، لكنه لم يشأ أن يأخذه على حين غِرَّةٍ، فيذبحه نائماً، أو غافلاً، بل راح يعرض عليه ذلك الأمر الإلهي؛ لينظر ماذا يَرَى، فإذا بأبينا ونبيِّنا إسماعيل يُحَرِّضُ أباه على تنفيذ أمر الله واعداً إياه أن يجده إن شاء الله من الصابرين.

فلما هَمَّ به، وكان ذلك بِمِنىً في موضع رمي الجمرات؛ إذا بإبليس يعترضه؛ ليزين له العدول عن امتثال أمر الله، فما كان منه إلا أن حصبه بسبع حصيات، فلما استيأس الشيطان منه انقلب إلى اسماعيل نفسِه ظاناً أنه لا زال غلاماً، وأن حرصه على الحياة سيدفعه إلى الرجوع عن القبول، والفرار من التضحية بنفسه، فلما وسوس إليه بالإباء أو الإِباق؛ إذا به يرميه بسبع حصيات ، وظنَّ إبليس أن استفزاز عاطفة الأمومة عند أُمِّنا هاجر سيؤتي أُكُلَه، ولسوف تقفز كالمجنونة لانتزاعه من السكين، فهو وحيدها، ومؤنس غربتها بوادٍ غير زرع عند بيت الله المحرم، ولكن الصدمة كانت أكبر  وهو يتلقى الرجم بسبع حصيات أُخَر، ولم يبق إلا التنفيذ، وحانت لحظة الصفر، وقد أكَّبه على وجهه، أو تَلَّهُ للجَبِين، وقد شحذ السكين، وما درى أنه إنما أمضاها لكبشٍ عظيمٍ ضخمِ الجثة، قد أحضره جبريل عليه السلام؛ ليكون فداء لسيدنا إسماعيل عليه السلام من الموت؛ فقد صَدَّق الرؤيا، وامتثل الأمر.

ولقد عَبَّر القرآن عن لحظة التنفيذ بأنها الصورة المثلى لإسلام الوجه لله، فقال: " فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا.. " ( 103 -105)

إن الدرس الأعظم في هذه القصة هو إبراز مفهوم الإسلام؛ إذْ هو الاستسلام لله، والطاعة المطلقة، في المنشط والمكره، وفي العسر واليسر، حتى لو كان تضحيةً من الآباء بالأبناء، أو تضحية من الأبناء بأنفسهم؛ فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون ويقتلون، ولنكون ممن يَشْرِي نفسَه ابتغاء مرضاة الله، فإن المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، منهم  مَنْ قَضَى نَحْبَهُ في سبيل الله، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا.

إن العظمة في قصة الذبح هذه أن تجيء لشيخ عجوز، لم يرزق الولد إلا بعد أن وهن العظم منه، واشتعل الرأس شيباً، كما حصل لسيدنا زكريا، وقد بلغ من الكبر عِتِيَّاً، وكانت امراته عاقراً.

ثم إن ذلك الولد قد صار غلاماً يافعاً قادراً على الكسب، والسعيِ مع أبيه، فقد أَيْنِعَ ثمره، وإنْ لم يكن قد استوى على سُوقِه، والعجبُ في الأمر أن يجيء بأضعف طرق الوحي؛ إذْ رأى في المنام أن الله يأمره بذلك، وأن يتولى ذبح ولده بنفسه، دون نيابة، ثم أنْ يفشل إبليس في إغواء الثلاثة، ولا يجد إلا الرَّجْمَ بالحجارة جزاء تزيين سوء الأعمال، ومَنْ أطاعه فتوحل في معصية، أو تورط في خيانة، فسرعان ما يسمع منه تَنَصُّلَه وقوله: إني بريءٌ منك، إني أخاف الله رب العالمين، كما قال إبليس لقريش يوم بدر: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جارٌ لكم، فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه، وقال إني بريءٌ منكم، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، وهو في ذلك كذَّابٌ أَشِر؛ إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً.

إن الفرق شاسع بين ولد إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وابن نوح الذي كان كأمِّه في الكفر، فنفى الله عز وجل لنوحٍ عليه السلام أن يكون من أهله؛ لأنه عملٌ غير صالح، وقد حال بينهما الموج، فكان من المغرقين.

إن الله عز وجل قد كافأ سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام على ذلك بأن حفظ له ولده، وأصلح له زوجه الأولى، ورزقه منها إسحق، ومن وراء إسحق يعقوب، ولم يكن هذا من آيات الله عجباً؛ فإنه يُخْرِجُ الحيَّ من الميت، فكيف بإخراجه من عجوزٍ عقيمٍ، وشيخٍ كبير؟!.

وقد أراد الله تبارك وتعالى لمشهد الاستسلام ذلك أن يُخَلَّدَ في  التاريخ، وأن يجعلهم للناس أئمةً، وللمتقين إماماً، فكان استحباب الأضاحي في كل عامٍ بشاةٍ على الأقل على أهل كلِّ بيتٍ؛ لتكون فداءً لأنفسنا، وعِتْقاً لها من النار والهلاك؛ فضلاً عما فيها من الأجر والثواب؛ فإن للمضحي بكلِّ شعرة منها حسنة، وإنه ليغفر لنا بأول قطرةٍ من دمها، وإن الدم لَيَقَعُ من الله بمكانٍ قبل أن يقع على الأرض، كناية عن القبول والرضوان.

لذلك؛ فإن استسمان الأضاحي واستحسانها من تعظيم شعائر الله، ومَنْ يعظم شعائر الله؛ فإنها من تقوى القلوب، ومن يعظم حرمات الله فهو خيرٌ له عند ربه.

وقد كان من أسرار مشروعيتها أن تكون شكراً لله على نعمة الحياة التي تتجدد عاماً بعد عام، وعلى نعمة المال الذي نقدر به على ثمنها، وعلى نعمة تيسير بهيمة الأنعام؛ لتأكلوا منها، وتطعموا البائس الفقير، أو القانع والمُعَتَرَّ، فقد اكتفى ربَّنا جل وعلا بذكر اسمه عند نحرها، وأبقى لنا اللحم والجثة، بينما كان قربان الأولين أن تنزل نارٌ من السماء فتلتهمه؛ دلالةً على القبول، فإنْ لم تنزل تلك النار لم يُتَقَبَّلْ ذلك القربان، وقد وضع ربُّنا بذلك عنا إِصْرَ الأولين، والأغلال التي كانت عليهم.

لعله من حُسن الطالع في هذا العام أن يَحُلَّ العيد وقد نجحنا في إرغام اليهود على كسر القيود عن فرساننا الأسود، ولا زلنا ننتظر أن يعود المزيد من القادة والجنود، وسنظل نقول عملياً: هل من مزيد، حتى لا يبقى أحدٌ خلف قضبان الحديد؛ إنْ في سجون الأسياد، أو في سجون العبيد، وكلهم عبيد، ولسوف يعلمون حين يُنازلون جند الله مَنْ هو شرٌّ مكاناً، وأضعف جنداً، ومَنْ هو أضعفُ ناصراً، وأقلُّ عدداً.

وكفى بربِّك هادياً ونصيراً

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .