فقه العيد التضحية بالأنفس والبنين لله الواحد المجيد فقه العيد التضحية بالأنفس والبنين لله الواحد المجيد

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 751
فقه العيد التضحية بالأنفس والبنين لله الواحد المجيد فقه العيد التضحية بالأنفس والبنين لله الواحد المجيد

في رحاب آيـة

د. يونس الأسطل

(فقه العيد التضحية بالأنفس والبنين لله الواحد المجيد )

(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) الحج ( 34 )

مع دُنُوِّ عيد الأضحى المبارك ؛ فإنه من الجدير بنا الوقوف عند طائفة من حِكَمِ استحباب نَحْرِ الأضاحي؛ حتى كانت سنةً مؤكدةً عند جمهور الفقهاء ، وقبل الاسترسال في تتبع تلك المقاصد يحسن أن نذكر أن الأضاحي سنة أبينا إبراهيم ، وقد أُوحِي إلينا أن نتبع ملة إبراهيم حنيفاً ، وما كان من المشركين .

وتتلخص القصة في أنه عليه الصلاة والسلام قد صار شيخاً قبل أن يرزق الولد ، فلما جاء إسماعيل ما لبث أن أمره ربه جل وعلا أن ينقله إلى جوار البيت العتيق ، وقد كان بوادٍ غير ذي زرعٍ ولا ماء ، بل لم يكن ثَمَّ أنيس ولا جليس، وقد كان يتردد عليهم فيزورهم بين الحين و الآخر ، حتى إذا بلغ مع السعي ، وصار في مسيس الحاجة إليه ؛ إذا به يؤمر مناماً بذبحه ، وأن يباشر ذلك بيده ، ولم يشأ أن يباغته بذلك على حين غفلةِ منه ، فراح يعرض عليه ذلك الأمر الموحى به بمجرد الرؤيا المنامية ،فلم يتردد الغلام أن يغري أباه بطاعة مولاه واعداً إياه أن يجده من الصابرين إن شاء الله .

وفي صبيحة العاشر من ذي الحجة كانا على موعدٍ مع أجلى صور الإسلام في الاستسلام لأمر الله، ذلك أن أكثر الناس لو كتب الله عليهم أن اقتلوا أنفسكم ، أو اخرجوا من دياركم ، ما فعلوه إلا قليل منهم ، لكننا أمام رسول من أولي العزم قد ابتلاه ربه بكلماتٍ فأتمهن ، فكان جديراً أن يجعله للناس إماماً ، و أن يكون لنا فيه أسوة حسنة .

انه ما إن تَلَّهُ للجبين ، وفي يده السكين ، حتى ناداه ربه أن يا إبراهيم قد صَدَّقْتَ الرؤيا ، و إذا بجبريل قد جاء بكبش ٍعظيم، فذبح مكانه ،وكان سُنَّةً من بعده الي يوم يبعثون.

هذا ، و إن في الأضاحي من الدروس والفضائل ما يضيق عنها المقال ،غير أني قبل الإشارة إلى أهمها القي نظرة علي مدلول آية الحج التي في جبين المقال.

 إن الله سبحانه وتعالي قد جعل لِكلِّ أمةٍ نوعاً من النٌُسُك يتقربون بإراقة دمه إلى الله ، ويتعبدون ربهم بذكر اسمه عند ذبحها أو نحرها ، شاكرين لِأَنْعُمِهِ على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.

وقد رتَّب علي ذلك التنبيه إلى وحدانيته جل وعلا؛ فإن وحدة الشرائع مع تباعد الأزمان دليل علي وحدة المُشرِّع ؛فلولا ذلك ما تشابهت كثير من الأوامر ، ولا أكثر النواهي، و إذا كان الأمر كذلك فواجبٌ  عليكم أن تُسلِموا له ؛ فإنه من يسْلمْ وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ، ولا أَحد أحسن ديناً ممن أسلم وجهه إلى الله و هو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفا.

ثم ختم الآية بالأمر بالبشارة للمُخْبتين ، وهم المتواضعون المنقادون لأمر الله ، وقد ذكر من صفاتهم في الآية اللاحقة أنهم يَوْجَلون لذكر الله، وهم الصابرون علي ما أصابهم المقيمو الصلاة ، ومما رزقناهم ينفقون .

إذاً فالذبح ليس بِدْعاً من التشريع ، ولئلا يكون عدواناً على ذوات الكبد الرطبة ؛ فقد كان ذكر الله عليه للإيذان بأنه ما كان إلا لأن الواحد الديان هو الذي أذن فيه ، و أباحهُ لعباده؛ لنعلم أنه لا إله إلا الله، فَنُسْلِمَ مع المؤمنين لله رب العالمين .

و إذا كان ذكر الله مقصداً شرعياً علي ما رزقكم من بهيمة الأنعام؛ فإنا نجده مقصداً عظيماً للحج نفسه، فقد أمركم إذا أفضتم من عرفات أن تذكروا الله عند المشعر الحرام، و أن تذكروه كما هداكم ، كما أوجب عليكم إذا قضيتم مناسككم أن تذكروا الله كذكركم آبائكم أو أشدَّ ذكراً, و بخصوص أيام التشريق فقد أوجب أن تذكروه في تلك الأيام المعدودات ؛ بالإضافة إلى ما شرع من الاستغفار والتلبية والتكبير والذكر الكثير ؛ لعلنا بذلك أن نصير من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، إذْ مكثتْ ألسنتنا رطبة بذكر الله في أيام معلومات ، فهيهات هيهات لمن ذاق حلاوة الذكر أن يهجره من بعد ، أو أن يزهد فيه .

إن الذكر الكثير الذي نتعوده في الحج و الأضاحي هو السلاح الأمضى في ميدان المجابهة مع أعداء الله ؛ فإن الله جل جلاله قد أمركم إذا لقيتم فئةً أن تثبتوا، و أن تذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون، كما أمركم إذا قُضِيَتْ الصلاة من يوم الجمعة ، وبعد أن تنتشروا في الأرض، وتبتغوا من فضل الله، أن تذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون كذلك، وقد سبق أن أمر به سيدنا زكريا ؛ إذ قال له ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ) آل عمران ( 41 ), كما أن سيدنا موسى عليه السلام حين توسل إلى الله أن يجعل هارون أخاه وزيراً له من أهله ؛ علل ذلك بقوله (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا . وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ) طه ( 33, 34 ) .

ومن دروس الأضاحي أن نتأسى بسيدنا إبراهيم في الجود بولده لله ، و أن نكون كسيدنا إسماعيل في التضحية بنفسه لله كذلك ؛ فإن أمة يدفع الآباء و الأمهات فيها أبناءهم إلى الشهادة ، ويندفع فيها الشباب والذرية إلى القتال ، لجديرة بما وعد ربنا من الاستخلاف والتمكين و الأمن ، وقد رأينا بعضاً من ذلك فيما أكرمنا الله به من تقهقر العدو عن جنوب لبنان، ثم عن  جنوب فلسطين ، أمام السيارات المفخخة ،وضربات الاستشهاديين ، ولا زال هذا العدو المحتل مرعوباً من هذه المقاومة التي جعلنا الله فيها أكثر نفيرا ، فقد أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ، وجاءهم بجنودٍ لا قِبَلَ لهم بها ، وتحققت بذلك معجزة الإسلام في المرات الكثيرة التي تغلب فيها فئة قليلة الفئة الكثيرة بإذن الله ، مصداقاً لوعد ربنا في اليهود (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ) آل عمران ( 111 ).

ومن دروس الأضاحي شكر نعمة الحياة التي تتجدد عاما بعد عام كلما عاد العيد ، فيكون سبحانه قد عَمَّرنا سنة كاملة يتذكر فيها من تذكر ، فقد جعل الليل والنهار خِلْفةً لمن أراد أن يَذَّكر أو أراد شكورا ، ولو شاء لقبضنا إليه ، فقامت بذلك قيامتنا ، ولم نستطع أن نكسب المزيد من الطاعة والجهاد .

ومع شكر الحياة شكر نعمة المال ؛ فإن القادر على التضحية ، سواء كان مالكاً لنصاب الزكاة كما اشترط الحنفية، أو عنده قوت أيام التشريق كما اقتصر عليه الشافعية – يكون الله قد آتاه من فضله، وفَضَّله على كثير من خلقه العاجزين عن التضحية تفضيلا .

ولن يفوتني أن أذكركم بما في الأضاحي من الثواب والمغفرة ، فقد جاء في الأثر استحباب شهود الأضحية عند ذبحها لمن لا يتولى ذلك بنفسه ، فإنه يغفر له بأول قطرة من دمها ، ذلك أنه لن ينال اللهَ لحومُها ولا دماؤها ، ولكن يناله التقوى منكم في استسمان الأضاحي واستحسانها ، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، و إن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض ، كناية عن القبول ، فطيبوا بها نفساً .

فإذا سألنا عن الثواب كان الجواب؛ إن لنا فيها بكل شعرة حسنة, سواءً كانت من شعر المعز والبقر، أو من الصوف والوبر، فضلاً عن ثواب إدخال البهجة على الأهل والأرحام، ثم الأصدقاء والجيران، وكذلك الفقراء والمساكين، بالإضافة إلى الضيفان والزائرين .

وقد يتساءل الكثيرون: ماذا نصنع اليوم وقد اشتدَّ الحصار علينا في غزة منذ ثلاثة أعوام ،كما ازداد إحكامه في هذه الأيام ؟

هنا نتوجه إلى جميع القادرين عليها ألا يزهدوا في التضحية هذا العام؛ فإن الحنفية يرونها واجبة، وعلى فرض رجحان كونها سنة مؤكدة، فهل أنتم في غنىً عن المغفرة والثواب حتى تبخلوا بها؟، فإن من يبخل فإنما يبخل عن نفسه، والله الغني وانتم الفقراء، و إن تتولوا يستبدل قوما غيركم ، ثم لا يكونوا أمثالكم .

بل إنني أنصح للقادرين على اثنتين، أو علي التفرد ببقرة أو بدنة أن يفعلوها؛ فإن بالناس خصاصة إلى الطعام، كما أنه بالإمكان أن يشترك أكثر من واحد في الأضحية بحيلة شرعية ،وهي أن يدفع أحدهما إلى أخيه ما معه من المال الذي لا يسع شاة على جهة الهبة ، ويقوم ذلك الموهوب له بالتضحية ، والإهداء لأخيه ما تجود به نفسه ، دون أن يكون موازياً لما دفع من المال ، وفي العام القادم يدفع المضحى لمن لم يضحِّ في العام الماضي هبة ، و أن يصنع به صاحبه مثلما صنع به في عامه المنصرم . والله تعالى أعلم ، وهو الأعز الأكرم.

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .