تكبير العيد شعارنا المديد في مجابهة العبيد

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 800
تكبير العيد شعارنا المديد في مجابهة العبيد

في رحاب آيـة

د. يونس الأسطل

 

(تكبير العيد شعارنا المديد في مجابهة العبيد)

 

]  وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ (البقرة: 185)

 

يشدُّ الانتباهَ مشروعية التكبير في العيد، مع استحباب رفع الصوت به فَجْرَ العيد إلى أن يشرع الإمام في الصلاة، وعندئذٍ يتوقف التكبير إلا مع الإمام حين يكبر الزوائد في صلاة العيد، وحين يكبر في الخطبة، وإلاَّ في الأضحى؛ فإن التكبير يبدأ من فجر يوم عرفة التاسع من ذي الحجة، ويستمر حتى عصر يوم الثالث من أيام التشريق في أدبار الصلوات المكتوبة.

وقد دلَّ على مشروعية التكبير في الفطر هذه الآية التي عَقَّبَتْ على آيات الصيام بذكر هذه العلل الثلاث، إِذِ الوسطى منها:(وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ)، وقد جاءت هذه الجملة بنصها في استحباب التكبير يوم الأضحى، فقال سبحانه عن بهيمة الأنعام:

(لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) (الحج: 37).

وقد جعلت الآيتان التكبير شكراً لنعمة الهداية، فما هو الهُدَى الذي نشكره بالصوم، أو نحمد الله عليه بالهَدْيِ والأضاحي؟

إن الله عز وجل قد اختار رمضان ظرفاً لركن الصيام بوصفه أُنزل فيه القرآن، وأن هذا القرآن كان هدىً للناس، وبيناتٍ من الهدى والفرقان، فقد ذكر الهدى مرتين؛ أولاهما في إخراج الناس من الظلمات إلى النور بالإيمان، والثانية في تفاصيل الأحكام التي تبين للناس ما نُزِّل إليهم، وكيف يتقون ربَّهم، وفي خصوص الصيام فإنه ذكر فَرْضَه أولاً، ثم استثنى أصحاب المشقة من المرضى، ومن كان على سفر؛ ولو شاء الله لأعنتكم، لكنه يريد بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر، وما جعل عليكم في الدين من حرج، ملةَ أبيكم إبراهيم، ثم طلب إلى المترخصين أن يقضوا ما أفطروه حتى يلحقوا بإخوانهم في الأجر، أولئك الذين أكملوا العدة، فلم يُبْتَلَوْا بما يبيح لهم الإفطار، وإن هذا البيان نعمة تستوجب الشكر، وقد اختار لنا أن نشكره عليها بالتكبير.

ولعل السر في هذا هو أن الآلهة الأخرى التي تُعبد من دون الله، أو تُجعل شركاء معه، حريصة على أن تغرينا بالفطر، وجحود الصوم، أو الزهد فيه، فمن اتخذ إلهه هواه، كانت نفسه الأمَّارة بالسوء تُطَوِّعُ له أن ينتهك حرمة الشهر، ومن اتبع خطواتِ الشيطان، فعبده وهو له عدوٌّ مبين؛ فإنه يُزَيِّنُ له سوء عمله فيراه حسناً، فيكون ممن ضَلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ومن رأى الدنيا جَنَّتَه، أو النساء قِبْلَتَه، كان عبداً لشركاء متشاكسين، وإنْ هي إلا دار استخلافٍ من ربكم؛ لينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، فصاروا كالحمار يحمل أسفارا.

فمن آمن بالله، وكفر بما كانوا به يشركون، فقد جعل أمر الله تبارك وتعالى أكبر من وساوس الآلهة، فَحَرِيٌّ بهم، وقد أكملوا عدة رمضان بالاحتساب والإيمان؛ أن يجأروا بالتكبير في العيد، إغاظةً لشياطين الجن والإنس.

وأما في الأضحى؛ فإن مظاهر الشرك تَتجسَّدُ في الذبح والنحر، أو الإهلال بها لغير الله، مع عدم التورع عن أكل الميتة والدم، وكل ما ابتدعته الجاهلية العربية في شأن بهيمة الأنعام، وجاء الإسلام ناهياً عنه، فإن الله عز وجل قد فَصَّلَ لكم ما حَرَّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه، فمن التزم شرع الله فيه فقد كبَّر ربَّه عملياً، وحُقَّ له أن يصدع بالتكبير ابتهاجاً بالفوز على كلِّ ما افتراه العرب الخَصِمُون على الله، فضلوا وما كانوا مهتدين.

وقد جاء الأمر بالتكبير صريحاً في أكثر من آية، ومن ذلك ما افتتحت به سورة المدثر، ثم ختمت به سورة الإسراء؛ وفي الأولى قال عز وجل:( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ^ قُمْ فَأَنْذِرْ ^ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) الآيات (1–3)  وفي الثانية يقول جل جلاله:(وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (الآية: 111).

فإذا كان الله في الأولى قد أمر بالمبالغة في تعظيمه جل وعلا، فإن الفعل في الإسراء جاء مؤكداً بالمصدر؛ ليفيد وجوب إجلال الله بكل ما هو حقيقٌ به من الإخبات والخضوع، والانقياد والخشوع، مع تنزيهه عن العجز أو القصور في الجلال، أو الجمال، أو الكمال.

ولا عجب في ذلك فقد اشتقَّ لنفسه من الكبرياء اسمين؛ كالحال في الرحمة والمغفرة، فهو الرحمن الرحيم، وهو الغَفَّار الغفور؛ لذلك فإنه الكبير المتعالي، وهو العلي الكبير، كما أنه العزيز الجبار المتكبر، وله الكبرياء في السموات والأرض، وقد جاء في السنن من حديث أبي هريرة مرفوعاً: يقول الله تعالى في الحديث القدسي:"الكبرياءُ رِدائي، والعظمةُ إِزاري، فَمَنْ نازعني واحداً منهما أَلْقَيْتُهُ في النار"، انظر سنن أبي داوود (4090)، وابن ماجة (4174).

ولعل التعبير بالإزار والرداء للإيماء إلى الاختصاص؛ حيث إن الأصل في اللباس التفرد، فلا يشترك اثنان فيما يلبسان، وهذا ما أفاده تقديم المفعول على الفعل في قوله:( وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)؛ أي ربك لا غيره فكبر.

وقد أشار إلى تفوق صفة الكبرياء على العظمة، حين جعلها رداءً، إِذِ الإزار هو ما يستر العورة، بينما يختص الرداء بما علا من الجسد، والكبرياء صفة ذاتية لله، بينما التعظيم فعل العباد.

هذا؛ وإن إعلان كبرياء الله تعالى ليس خاصاً بموسم العيدين؛ إنما هو شعارٌ وجؤارٌ لنا على مدار الساعة في الصلاة، وخارجها.

أما في الصلاة فإنها تبدأ بتكبيرة الإحرام، وتبدأ كل ركعة بعدها بتكبيرة القيام، وهناك أربع تكبيرات للانتقال في كل ركعة، فيكون المجموع خمساً، ولما كانت الصلوات الخمس فرضها ونفلها نحواً من ثلاثين ركعة؛ فإن مجموع التكبيرات يناهز مئة وخمسين، وقد يكون لنا من نافلة النهار، أو ناشئة الليل، ما يوازي هذا العدد زيادةً على أصل الصلاة، فمن سنة الوضوء إلى تحية المسجد، وصلاة الضُّحى، والنافلة بين الأذان والإقامة، إلى قيام الليل، ويستحب ألاَّ يقلَّ عن ثماني ركعات، وهناك صلاة الحاجة، والاستخارة، والشكر، والأوابين، وقد يحدث كسوف أو خسوف، فتصبح الصلاة سنة مؤكدة.

كما أنه من المندوب أن نختم صلواتنا بمائة تسبيحة، منها ثلاثٌ وثلاثون تكبيرة، فهذه مائة وخمسون أخرى في أدبار المكتوبات، ومن المعلوم زيادة سبع تكبيرات في الركعة الأولى، وخمس في الثانية من صلاة العيد، وأن صلاة الجنازة لا تقل عن أربع تكبيرات.

وأما ما وراء ذلك مما هو خارج الصلاة فتكبيرات الأذان، وهي ستٌّ في كل أذان، وأربع في كل إقامة، تلك عشرة كاملة، وهي في اليوم الواحد خمسون، ويضاف إليها تكبير الإحرام بحجٍّ أو عمرة، وعند الحجر الأسود، وعلى الصفا والمروة، وعند رمي الجمار، وعند الذبح والصيد، وعند رؤية الهلال، وعند صعود الناشز من الأرض، وعند الإعجاب بشيءٍ، أو مجيء النعمة، ولمطلق ذكر الله تعالى، ومجموع ذلك يبلغ خمسمائة تكبيرة في اليوم والليلة، حواليها لا عليها، أفلا يدل هذا على أن تكثير التكبير من مقاصد التشريع؛ حتى لا توجس نفوسنا خيفة من المستكبرين في الأرض بغير الحق، فالله أكبر منهم جميعاً، وإنْ هم إلا كالعنكبوت اتخذت بيتاً.

 

والله أكبر ولله الحمد

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .