القول السديد في ليلة القدر و زكاة الفطر و آداب العيد

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 668
القول السديد في ليلة القدر و زكاة الفطر و آداب العيد

بسم الله الرحمن الرحيم

د. يونس الأسطل

 

( القول السديد في ليلة القدر و زكاة الفطر و آداب العيد )

 

الحمد لله الذي شَرَعَ يُنزِلُ القرآن في ليلة القدر من شهر رمضان, ثم جعل يُنَزِّلُ بقدرٍ ما يشاء, و النبي يقرؤه على الناس على مُكْثٍ؛ ليثبت الذين آمنوا, و هدى و بشرى للمسلمين.

أما بعد :

فقد ثبت أن النبي عليه الصلاة و السلام كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان؛ التماساً لليلة القدر, تلك التي مَنَّ الله بها علينا دون مَنْ سبقنا بالإيمان, فجعل الطاعة فيها أعظم أجراً من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر, و قد كان سبب هذا الفضل الكبير ما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من أن رجلاً من بني إسرائيل جاهد في سبيل الله ألف شهر, فأشفق على أمته ألا تبلغ ما بلغ الأولون؛ نظراً لقصر أعمارنا, و قلة أعمالنا, فأعطاه ربُّه تبارك و تعالى ليلةً ثوابُ العبادة فيها إيماناً و احتساباً خير من جهاد السابقين ألف شهر.

و قد قيل : إن الألف لمطلق التكثير و المبالغة, فتكون هذه الليلة بناءً على ذلك خيراً من آلاف الشهور, و حسبها شرفاً أن جبريل عليه السلام قد نزل فيها أول مرة بصدر سورة العلق على قلب رسول الله؛ ليكون من المنذرين, و لا زال يتنزل فيها مع جموع الملائكة التي تهبط إلى الأرض؛ حتى تضيق بمن عليها من الملائكة, فيباهيهم الله عز وجل بعباده القائمين و الركع السجود, ثم المستغفرين بالأسحار, و قد قالوا يوماً عن آدم و بنيه: " .. أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ " البقرة (30).

ثم إن من هدف نزولهم أن يجعلوا كلَّ أمرٍ سلاماً في هذه الليلة, حتى مطلع الفجر, و لِيُؤَمِّنوا على دعائنا و استغاثتنا؛ فإنه أحرى بالقبول؛ فإن الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم, و هم من خشيته مشفقون.

هذا, و قد أخفى الله سبحانه و تعالى ميقات هذه الليلة, و جعلها في العشر الأواخر, و في الوِتْرِ منها ؛ لنجتهد فيها كلَّها, فَيُعْظِمَ لنا أجراً, و هذا كإخفاء اسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب, وإذا سُئل به أعطى؛ لندعوه بأسمائه الحسنى كافَّةً, و قد أخفى ساعة الإجابة يوم الجمعة؛ لنتضرع إليه سائر اليوم, و يندرج في ذلك إخفاء الآجال, و الاستئثار بعلم الساعة, و ما شاكل ذلك.

و لعل أفضل علاماتها قوةً أن تشرق الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها, ذلك أن الملائكة المخلوقة من نور تَصَّعَّد في السماء, فتنعكس من أثر ذلك خيوط الأشعة, فتبدو الشمس مختلفة عن المعهود فيها, و من أماراتها كذلك ألَّا نرى الكواكب فيها رجوما للشياطين, فقد وَلَّتْ الأدبار, و نكصت على أعقابها من رؤية الملائكة.

إن إحياء ليلة القدر ليس قاصراً على ألوانٍ بعينها من الطاعة, فكلُّ العبادات طَيِّبةٌ, لكن القيام و ترتيل القرآن فيه مُفَضَّلٌ على غيره, و أما الدعاء فَأَوْلَاهُ بها سؤال العفو و المغفرة؛ استئناساً بحديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها و قد سألت :

إن أنا أُرِيتُ ليلة القدر ما أقول يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة و السلام : قولي : " اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فأعف عني ".

        و يستحب لمن أراه الله ليلة القدر بعينها أن يكتمها, و لا يقصص رؤيته على أحدٍ؛ خشية الرياء أو الحسد من ناحية, و حذراً من الحرمان من ناحية أخرى.

       ثانياً : أحكام زكاة الفطر

       إن صيام رمضان رهين قبوله بصدقة الفطر, و قد شُرعت طُهرةً للصائم من اللغو و الرفث, و طعمة للمساكين, ذلك أن العيد يفرح فيه المؤمنون بتوفيق الله للطاعات, و إعانتهم عليها حتى بلغوا ليلة الجائزة, تلك التي يعتق فيها ربنا من النار بعدد الرقاب الذين أعتقهم من أول الشهر, و لله في كل ليلة منه عتقاء من النار, لذلك فهي زكاة مفروضة, مَنْ أدَّاها قبل الصلاة فهي مقبولة إن شاء الله, و مَنْ أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.

        و المعلوم أنها تجب على المسلم القادر عليها عن نفسه, و عن جميع من له عليهم ولاية, و لهم عليه النفقة, ما لم يكونوا أغنياء؛ كالصبية الذين يرثون مالاً فيملكون نصاباً, أو النساء العاملات, فالزكاة واجبة في أعناقهم و أموالهم.

        و ضابط القدرة عند جمهور العلماء أن يملك نفقة يوم العيد فاضلةً عن مقدار الزكاة, و قد قَدَّرها المفتون هذا العام بثمانية شواقل للفرد الواحد, بينما ذهب الحنفية إلى أن وجوبها قاصر على من ملك نصاب زكاة المال, و هو ما يوازي قيمة عشرين ديناراً ذهباً, و قد بلغ وزنها خمسةً و ثمانين جراماً, و هو ما يوازي بالتقريب أَلْفَيْ دولار أمريكي حالياً, غير أن الأحوط الأخذ برأي الجمهور, و لو أدى إلى أن يؤدي الفقير الزكاة مما يجتمع عنده من الأموال.

        هذا و يجوز إخراجها في سائر الشهر, غير أنها كلما اقتربت من العيد كان أولى, فقد أضيفت إلى الفطر لا إلى الصيام, و لينتهي التسول الصادق في يوم العيد, حتى يكون بهجةً على الجميع.

        و الأصل أن تُفَرَّقَ في الفقراء و المساكين, خاصة في الأرض المحتلة التي أرهقها الحصار و الإضراب و العدوان, لكنها لو أعطيت لأصناف أخرى من مستحقي الزكاة جازت؛ عملاً برأي الجمهور خلافاً للمالكية, و قد نقل القرطبي في التفسير أنهم لا يدفعونها لتارك الصلاة أو الصيام حتى يتوب؛ فإن الذي لا يؤدي حق الله عز و جل, و لا يحقق مقصد وجوده على الأرض, جديرٌ أن يحرم من الحقوق جزاءً وفاقاً.

        و اعلموا أن العيد فرصة لصلة الأرحام, و زيارة الأخلَّاء, و التوسعة على الأهلين, لذلك فلا يكره الإسراف المعقول في هذا اليوم, و لنحرص على صلاة العيد في المصلى, مع الاغتسال, و ارتداء أحسن اللباس, و المشي إذا أمكن, مع مخالفة الطريق, و البشاشة و التهنئة للإخوة جميعاً, و لا يفوتكم صيام ستة من شوال, و لا قيام ما تيسر من الليل, فإن الصوم المبرور في المضي على برنامج رمضان إلى العام القابل, أو إلى ستة أشهر في أضعف الإيمان.

و تقبل الله منا و منكم, و كل عام و أنتم بخير.

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .