( وجوب تقليص أو تخليص جثث الشهداء من براثن الأعداء )

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 672
 ( وجوب تقليص أو تخليص جثث الشهداء من براثن الأعداء )

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( وجوب تقليص أو تخليص جثث الشهداء من براثن الأعداء )

 

 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [

البقرة (207)

كان من آيات الله العجيبة أن يتمكن المكبَّلون في السجون من تحرير أكثر من تسعين جثة من جثامين الاستشهاديين، بعد أن حَرَّروا معظم المعزولين، مع قبضةٍ من الإنجازات الأخرى في انتصار الكرامة، وقد مضى على بعض تلك الجثث معكوفةً أن تبلغ أهلها زُهاءَ سبعٍ وثلاثين سنة، وهنا يثور سؤالٌ عن سرِّ أَسْرِ تلك الأجساد كلَّ هذه الآماد، مع أن الاحتلال كان قد أعاد آلاف الشهداء بواسطة الارتباط إلى ذويهم؟.

لعل العلة في تلك السياسة أن أبطالنا الاستشهاديين قد أنزلوا بالعدوِّ ما أساء وجوههم، وأذاقهم وَبَالَ أمرهم؛ وشرَّد ببعضهم مَنْ خلفهم، فراح الصهاينة من غيظهم يختطفون جثامينهم؛ لعلهم بذلك يُذْهِبون بعض غيظ قلوبهم، ويؤلمون قلوب آبائهم أو أبنائهم، أو إخوانهم، أو أزواجهم، أو عشيرتهم، فضلاً عن إرهاب الشباب من أن يدخلوا عليهم الباب وهم مُتَزَنِّرون بالأحزمة المتفجرة، أو السيارات المفخخة، ما دام ذووهم يُحْرَمون من نظرة الوداع، أو قُبْلة الشكر على القصاص والثأر.

وكان من غباء الأعداء أنهم بذلك الاحتجاز قد شَدُّوا الأنظار إلى أولئك المجاهدين؛ ليكونوا نبراساً يتخذه المتقون نوراً يمشون به في ثباتهم وتضحياتهم، لذلك فالواجب أن تكون سيرة هؤلاء الأفذاذ غذاءً يرضعه الأجيال، ودَرْباً يمضي فيها الذين جاؤوا من بعدهم، حتى تتحرر فلسطين، وحتى يبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار من المشارق والمغارب، فنصل إلى العين الحَمِئة عند مغرب الشمس، وإلى قوم لم يُجْعَلْ لهم من دونها ستراً عند مطلع الشمس، وإلى كلِّ قومٍ؛ حتى لو كانوا لا يكادون يفقهون قولاً.

أما آية البقرة فقد ورد في أحد أسباب نزولها أنها قد أَثْنَتْ على شهداء ماء الرجيع، وفيهم خبيب بن عدي، وهو الذي كان سبباً في الكشف عن وجوب إنقاذ أجساد الشهداء من براثن الأعداء.

وتتلخص القصة في استدراج هُذَيْلٍ لعشرة من الصحابة؛ بواسطة رجالٍ غَادِرِين من قبائل عُضَلٍ والقارَّة؛ ليثأروا لمقتل أشقاهم سفيانَ بنِ خالد الهذلي، الذي راح يجمع أوشاب الناس، أو أوباشهم؛ للإغارة على المدينة بعد وعكة أُحًدٍ، فبعث إليه النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن أنيس، فاحتزَّ رأسه، وحمله إلى المدينة، وعاد في غضون ثمانية عشر يوماً.

إن أولئك الدعاة، وفي مقدمتهم أميرهم عاصم بن ثابت، ما كادوا يَصِلون ديار هُذيل عند ماءٍ تُسمى الرَّجيع حتى فُوجئوا بنحو مائة فارسٍ يطوقونهم، ويدعونهم إلى الاستسلام، فَأَبَوْا وراحوا يدافعون عن أنفسهم، حتى استشهد سبعةٌ منهم، ثم لَحِقَ بهم الثامن يوم رفض القيد، ولم يقدروا عليه، فقتلوه، واقتادوا خُبيباً بنَ عدي، وزيداً بن الدثنة، وباعوهما لرجالٍ من قريش قُتل آباؤهم أو أبناؤهم يوم بدر.

وقبل أن نقف على مصير هذين الأسيرين يحسن أن أعود إلى عاصم بن ثابت، حيثُ كانت هذيلٌ حريصةً على اختطاف جثته، وبيعها لامرأة في مكة، تدعى سلافة بنت سعد، كان عاصم رضي الله عنه قد قتل اثنين من ولدها يوم أحد، فأقسمت لتشربن الخمر في قحف رأسه، وقد عجز القوم عن الوصول إلى جسده الملقى على الأرض؛ إذْ بعث الله جل جلاله خَلِيَّةً من الدَّبَر أو الزنابير، فجعلت تهجم على كلِّ من يدنو منه، فانتظروا الليل حتى تهدأ، وفي المساء كانت سيول جارفة تحمل جثة عاصم، وقد اختفت إلى يوم القيامة، وكان عاصم قد أٌقسم يوم أسلم ألَّا يمسَّ مشركاً، وألَّا يسمح لمشركٍ أن يمسَّه، فلما بَرَّ بقسمه في حياته بَرَّ الله تبارك وتعالى بيمينه بعد مقتله.

أما زيدٌ وخبيبٌ فقد بِيعا في مكة من أناس قُتِل بعض الأقربين منهم يوم بدر، وقد أُخرج زيدٌ إلى التنعيم فقتل، وكان أبو سفيان قد سأله: هل تحب أن محمداً مكانك الآن تضرب عنقه وأنت آمنٌ في أهلك؟، فردَّ قائلاً: والله ما أحب أن محمداً في مكانه الذي هو فيه الآن تصيبه شوكة وأنني آمنٌ في أهلي، فعقَّب أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كَحُبِّ أصحاب محمدٍ محمداً، وأظنه رضي الله عنه قد ذاق طعم ذلك الحب بعد أن أسلم يوم الفتح، ولم يَدْرِ أحدٌ أين ذهبت قريش بجسد زيدٍ بن الدثنة رضي الله عنه.

وأما خبيبٌ فقد استأذن في صلاة ركعتين قبل القتل، فصارت سنةً تقريريةً من بعده، وقال: لولا أن تظنوا أنني جزعت من الموت لاستزدت من الصلاة، ثم رفع يديه ودعا: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تُبْقِ منهم أحداً، فرفعوه على خشبة وهو يترنم بأبيات من الشعر يظهر فيها عدم مبالاته بالقتل مادام يلقى ربَّه مسلماً، وما دامت الرُّجعى إليه وحده.

وقد بلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنهم قتلوه طعناً بالحربة، وتركوه مصلوباً، فأرسل من يَحُلَّ وثاقه، ويحضر جثمانه، ولكنه فوجئ بوجود من يحرسه من المشركين، فاختبأ حتى استغفله، فصعد الخشبة، وفكَّ وثاقه، وسمع ارتطامه بالأرض، ثم هاله أنه لم يَجِدِ الجثة، فهل ابتلعتها الأرض، أم احتملتها الملائكة؟، فإن مصيرها لا زال مجهولاً كمصير قائد سريته عاصم بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين.

إن الذي يهمنا هو أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يتركه مصلوباً، وكان حريصاً على تحرير جسده، فدلَّ ذلك على وجوب السعي لالْتقاط جثت الشهداء، ولولا ذلك لما كانت المخاطرة بإيفاد من يختطفها في مغامرة محفوفة بالمخاطر، ولو أمسكوا بذلك الفدائي فربما ألحقوه به؛ فيرتفع به عدد الشهداء إلى أحدَ عشرَ كوكباً، ولكنَّ الله سلم، إنه عزيز حكيم.

وقد عَقَّبَ المنافقون على تلك المذبحة، فقالوا: (يا ويح هؤلاء المفتونين، لا هم أقاموا فَسَلِمُوا، ولا هم بَلَّغوا رسالة صاحبهم)، فنعتهم القرآن بأنهم أشدُّ الخصام، وأنهم يسعون في الأرض بالفساد؛ لِيُهْلِكوا الحرث، والنسل، وإذا قلنا لهم في أنفسهم قولاً بليغاً أخذتهم العزة بالإثم.

وفي خبيب وإخوانه نزلت آية المقال؛ لتصفع المنافقين، ولتشهد بأنهم بشهادتهم قد باعوا أنفسهم لله ابتغاء مرضاته، وأن الله جل وعلا من عظم رأفته بهم قد كتب لهم الشهادة؛ لأن الشهداء لا يموتون، بل أحياء عند ربهم يرزقون، فضلاً عما ينتظرهم من الكرامة والنعيم المقيم، وعن قيام الحجة على الناس بدماء الشهداء، إذْ لولا يقين الشهداء بأن الإسلام هو عين اليقين، بل حقُّ اليقين، لما جادوا بالنفوس والنفيس من أجل عُلُوِّه في الأرض، ولعل ذلك هو سبب تسمية القتل في سبيل الله شهادة.

ولعله من المناسب أن أشير إلى الفرق الكبير بين معاملة الإسلام لقتلى الأعداء، وإجرام أعدائنا في حَقِّ قتلانا، فقد جاء في السيرة أن نوفل بن عبد الله قد قتل يوم الخندق، فبعث أبو سفيان بديته مائة من الإبل طالباً تسليم جثته، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بردِّ النُّوق، ودفعه إليهم مجاناً، وعلَّق قائلاً: "إنه خبيث الدية خبيث الجثة".

أما هند بنت عتبة ونسوة قريش فقد جعلن يوم أُحُدٍ يجدعن أنوف الشهداء، ويقطعن آذانهم، ويصنعن منها الأحزمة والقلائد، كما بقرتْ حمزة رضي الله عنه، ولاكتْ كبده، فلما لم تستطع إساغته لَفَظَتْه، فأقسم عليه الصلاة والسلام أن يُمَثِّلَ بسبعين منهم إذا أمكنه الله من رقابهم، فنزل آخر سورة النحل يدعو المؤمنين إلى الصبر، فهو خير للصابرين، ويأمر الرسول بالصبر، مؤكداً أن صبرك بالله وحده، ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق مما يمكرون، كما تجدر الإشارة إلى قيامنا بدفن قتلى المشركين يوم بدر في قَليبٍ، إلا ما كان من أمية بن خلف؛ إذْ كان عظيم الجثة، وانتفخ سريعاً، وراح يتفسخ، فدفنوه في مكانه بالتراب والحجارة.

والله رؤوف بالعباد

 

 

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .