وجوه الإسهام في تمكين الصهاينة اللئام هي النكبات العظام

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 544
وجوه الإسهام في تمكين الصهاينة اللئام هي النكبات العظام

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

(وجوه الإسهام في تمكين الصهاينة اللئام هي النكبات العظام)

] وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ[

( المؤمنون : 73، 74 )

يكاد أكثر الحديث في هذه الأيام يدور حول ما يُسمى بالنكبة، يعنون بذلك الذكرى الثانية والستين لقيام كيان الاحتلال على أرض فلسطين، ذلك أن الخامس عشر من أيار عام 1948م قد شهد إعلان الاستقلال لما يُسمى بدولة إسرائيل، بعد أن مكَّن لهم الإنجليز في أرضنا على مدار ثلاثين عاماً أو يزيد من الغزو البريطاني لأرضنا المقدسة، إلى جانب معظم المنطقة العربية، وقد تقاسمها الإنجليز والفرنسيون كتركة لا وارث لها، وكان من نتيجتها شَرذمةُ هذه المنطقة إلى أكثر من عشرين دولة، لا زال بعضها مرشحاً لمزيد من الانقسام.

ولعل مصطلح (النكبة) هو نكبة في حد ذاته، فقد جاء في إطار تخفيف وَقْعِ الهزيمة الكبرى التي نزلت بسبعة جيوش عربية، وكان الأَوْلى أن تسمى بالخزي أو الذلة، والبوار والاندحار، وغير ذلك من المصطلحات التي تُرَسِّخُ مفهوم الهزيمة النكراء، والخسارة الشنيعة التي فاقت مصيبة الأندلس، غير أن لفظ (النكبة) يلقي بظلال الكوارث الطبيعية، والآفات السماوية، التي لا يحتمل عواقبها الرويبضات من الزعامات الخؤونة في تلك الحقبة الحالكة من تاريخ الأمة.

والعجيب كذلك أن يبدأ تاريخ تلك الواقعة من عام 1948م، مع تناسي فترة الاحتلال الصليبي البريطاني لفلسطين، حتى لا يظهر أننا اليوم في الذكرى الثالثة والتسعين لضياع فلسطين.

إن مصطلح النكبة لم يرد في القرآن الكريم بأحد مشتقاته إلا في موضعٍ واحد، هو تلك الآية من سورة المؤمنون، حيث أكَّدت أن النَّبي صلى الله عليه وسلم يدعو قومه إلى صراط مستقيم، صراطِ الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، ومع ذلك فإن الذين لا يؤمنون بالآخرة والنشور، والقيام من القبور، وأن المصير فريق في الجنة، وفريق في السعير، قد تَنَكَّبوا ذلك الصراط؛ أي حَادُوا عنه، وازْوَرُّوا عن سبيله، كمشية الناكب، وهو المائل لِشِقِّهِ؛ لاعوجاج منكبه، فقد اتبعوا السبل، فتفرقتْ بهم عن سبيله.

إنني أفهم من هذه الآية أن النكبة الحقيقية هي في عدم الإيمان بالآخرة، وفي الرضا بالحياة الدنيا، والاطمئنان بها، والغفلة عن الساعة، تلك التي يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، والذين آمنوا مشفقون منها، ويعلمون أنها الحق، ألا إن الذين يُمارون في الساعة لفي ضلال بعيد.

إن مما يشهد بذلك أن أعداءكم لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إِنِ استطاعوا؛ لأنهم يعلمون أن الإيمان بالله واليوم الآخر هو الذي يدفع المؤمن بهمة عالية للجهاد والمقاومة، ولا ينتظر أن يأخذ الإذن بالخروج من أحدٍ، بينما يستأذن في الخروج للجهاد الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وارتابت قلوبهم، فهم في ريبهم يترددون، كما في سورة التوبة (44، 45).

إن مصيبة فلسطين أو نكبتها ليس في وقوعها في قبضة الاحتلال، فهي أرض مقدسة، سرعان ما تتطهر من الدنس، وقد غزاها في التاريخ البابليون، والأشوريون والروم، والصليبيون، والمغول، وغيرهم، لكنها قد لَفَظَتْ رِجْسَهم بالمقاومة والفتوحات، وإن الهجمة الصليبية الصهيونية المعاصرة ليست بدعاً من الاحتلالات، ولكن الطامة في ألوان من النكبات جعلت التحرير يتأخر تسعة عقود أو يزيد، في حين أن الروم المسيحية عندما غُلبتْ في أدنى الأرض أمام الفرس الوثنية قد استعادوا كرامتهم وغَلَبَتهم في بضع سنين، وهذا ما حدث بالفعل للسابقين الأولين من المهاجرين، فقد رجعوا إلى مكة فاتحين في ثماني سنين.

إن أول هذه النكبات هو اعتناق الأفكار المناقضة للدين، فقد انتشر الإلحاد واليسار الذي يَعْتَبِر الدينَ أَفْيونَ الشعوب، بينما يعتقد أنه إذا وصل إلى الحكم في الكيان اليهودي حزب (راكاح) فلنضعِ السلاح، فقد سيطر إخوانهم في الكفر والجحود، وارتفعت راية الماركسية، فتحققت الأحلام التي من أجلها يناضلون.

وقد انتشر كذلك الفكر القومي الذي سلخ فلسطين من بُعدها الإسلامي إلى الحظيرة العربية، ولم تَعُدِ الشعوب الإسلامية غير العربية متحملة لشطر المسؤولية تجاه فلسطين، ثم جاء الفكر الوطني بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، لتصبح مسؤولية التحرير على عاتق الفلسطينيين وحدهم، وعلى الشعوب العربية أن تنام مِلْءَ جفونها، وفي أوسلو وما بعد أوسلو صارت قضيةَ حكم ذاتي، أو هيمنة أمنية على أهل الضفة والقطاع لصالح الاحتلال، ولا مانع من تسمية ذلك دولة، أو حتى إمبراطورية، فإن القرد في عين أُمِّهِ غزال، كما يقال.

أما ثاني هذه النكبات فهي أن كثيراً من العرب قد أعانوا الصهاينة على إقامة كيانهم، ولا يزالون، فقد دخلت إلى فلسطين سبعة جيوش عربية لمقاتلة الصهاينة في الظاهر، وللحيلولة دون سيطرتهم على فلسطين، أو على ما زاد عن قرار التقسيم (181)، فإنه لم يُعْطِهم من أرضنا إلا 56%، بينما امتدَّ اغتصابهم إلى 78%، ولن نصدم إذا علمنا أن القائد العام لتلك الجيوش هو (كلوب باشا) الإنجليزي، وأن الجيش الأردني كان يقوده خمسون ضابطاً، لم يزد الضباط الإنجليز فيهم عن خمسة وأربعين فقط، ولما كان معظم تلك الدول خاضعاً للاحتلال البريطاني، فقد كان تحرك تلك الجيوش بالتنسيق المباشر معه باسم ترتيب شؤون مستقبل فلسطين.

لذلك فقد أصدرت قيادة تلك الجيوش ثلاثة قرارات قبل دخولها المعركة إذا صَحَّ أنها تريد قتال عصابات اليهود:

  1. إلغاء منظمة الجهاد المقدس التي يرأسها الحاج أمين الحسيني.

2.  إلغاء جيش الإنقاذ الذي أسسه الشيخ محمد محمود الصواف العراقي الأصل، وإلغاء الهيئة العربية العليا الممثلة لأهل فلسطين.

  1. نزع السلاح من جميع الفلسطينيين؛ لحصر المعركة في القوات الرسمية.

إن أربعة وعشرين ألف جندي، هي مجموع الجيوش السبعة قد انشغلت بنزع أسلحتنا المتواضعة عن أن تواجه المنظمات العسكرية الصهيونية، وإن أسلحة بعض تلك الجيوش كانت صَدِئَةً، وبعضها كان مُشَرَّكاً ينفجر في صاحبه فيقتله، والأسرار المخزية كثيرة.

إن هذه النكبة قد وصلت إلى حَدِّ تسهيل هجرة الجاليات اليهودية في الدول العربية إلى فلسطين، وإن كثيراً من تلك الدول تقيم علاقات دبلوماسية وتجارية، بل وأمنية مع الاحتلال، ألم تروا كيف تُسْهم بعض الدول العربية في حصارنا اليوم لدرجة قتل الصيادين، وعمال الأنفاق، وتُعَذِّبُ من تناله أيديهم من المجاهدين، ومؤخراً كان السقوط الذريع لزعيم عربي كبير في السن وهو يهنئ قادة الاحتلال بعيد الاستقلال الثاني والستين.

ولعل النكبة الأكبر من تواطؤ العرب مع الصهاينة أن تقوم شرذمة من المحسوبين على الشعب الفلسطيني بنفس الدَّوْر، فإن وظيفتها اليوم نزع سلاح المقاومة، واعتقال المجاهدين، وتعذيب بعضهم حتى الموت، والتعاون الأمني معه على مستوى العالم، وبالأخص فيما يتعلق بالتجسس على الشعوب العربية والإسلامية؛  فضلاً عن الاعتراف بشرعية الاحتلال، والإقرار بيهودية الدولة، والقبول بإلغاء حق العودة، واستبداله بالتعويض، أو التوطين، أو التجنيس، ومن يدري فلعل النية المُبَيَّتة لِلَّاجئين أن يُمَزَّقوا كل مُمَزَّقٍ في البرازيل وغيرها من الدول النائية عن فلسطين، كما حدث لإخواننا اللاجئين في العراق، أو حتى لطائفة من مبعدي كنيسة المهد بمباركة فلسطينية.

إن النكبة اليوم في الركون إلى الضمانات الشفوية الأمريكية بإقامة دولة فلسطينية، وأن يكون سقف المشروع السياسي هو المبادرة العربية التي تتحدث عن حلٍّ عادل موهوم لمشكلة اللاجئين، اتكالاً إلى القرارات الدولية الاستهلاكية التخديرية؛ بل إن أمنية الأمنيات عندهم اليوم هي الرجوع إلى طاولة المفاوضات، ولو غير المباشرة، بواسطة المندوب الأمريكي المتعهد بأمن الاحتلال، وتفوقه العسكري.

ولكن إحدى الكبر، وثالثة الأثافي، والداهية الدهياء؛ أن يصل الحدُّ بالشرذمة الفلسطينية أن تُحَرِّضَ الاحتلال على اجتياح قطاع غزة، وأن تمتلئ غيظاً عندما قَرَّرَ الاحتلال إيقاف العدوان من طرفٍ واحد، قبل أن يحقق أحلامه وأحلامهم بالقضاء على المقاومة في قطاع غزة، والإحاطة بالحكومة الشرعية، وفرض شروط الهزيمة، وهي شروط الرباعية، على أهل القطاع.

إن وجوه المصائب كثيرة، لا يتسع لها مقال مقتضب، غير أني أرى بشائر النصر والتحرير تتمثل في جموع المقاومة التي أيقنت بلقاء الله، ومضت تجاهد في سبيله غير آبهةٍ بالميزان المادي للقوة، فكم من فئةٍ قليلةٍ غلبتْ فئةً كثيرةً بإذن الله، ومن ورائهم شعوب عربية وإسلامية تعلن تأييدها لخيار المقاومة، ودعمها للمرابطين، وهناك أنظمة إسلامية، بل وعربية تنخلع رويداً رويداً من الولاء للأعداء، وتقترب شيئاً فشيئاً من برنامج المقاومة، وتَنْضَمُّ إلى خطِّ الممانعة، وإن الاحتلال في تراجعٍ واضمحلال، بينما أمريكا سيدة أطراف النكبة تلعق هزائمها، وترتب الانسحاب الآمن من أوحال العراق وأفغانستان.

ولله الأمر من قبل ومن بعد

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .