وجـــوب إنقـاذ الأســــــير وَجَـلاً من يــــوم عبــــوس قمطريــر

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 534
وجـــوب إنقـاذ الأســــــير وَجَـلاً من يــــوم عبــــوس قمطريــر

في رحاب آيـة

د. يونس الأسطل

 

(وجـــوب إنقـاذ الأســــــير وَجَـلاً من يــــوم عبــــوس قمطريــر)

]وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً[(النساء 75)

    بمناسبة السابعَ عشرَ من نيسان، وهو ما اصْطُلِحَ على تسميته يوماً للأسير الفلسطيني، لم تهدأِ الفعاليات المنددة بالاحتلال، المنادية بتكثيف الجهود لإطلاق سراح الأسرى، أو التخفيف من معاناتهم في أضعف الإيمان، وقد ذهب بعضها إلى اجترار المطالبة بالخطوات الذليلة من المناشدات الموجهة للدول العربية، أو إلى المجتمع الدولي، أو أحرار العالم؛ للضغط على حكومة الاحتلال، لعل الذين قَسَتْ قلوبهم من بعد ما رأوا الآيات، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، تلين يوماً، وتستجيب للشحاذة العالمية.

    غير أن القاسم المشترك بين معظم المتحدثين هو التفاؤل بصفقة التبادل القريبة البعيدة، والإصرار على ضرورة أن تظل الفصائل الآسرة للجندي الصهيوني عند موقفها من شروط الصفقة، حتى لا تعود هزيلة كسابقاتها، حيث كان يطلق سراح عددٍ محدودٍ من الجنائيين الذين لا صلة لهم بالمقاومة، وفي أحسن الأحوال إفلاتُ مَنْ تبقَّى من عقوباتهم بضعة أيام أو أسابيع، وهم على أبواب الخروج بدون صفقة، ويبقى الآساد الحقيقيون في آلامهم يتقلَّبون، تارة بدعوى تلطخ أيديهم بالدماء، أيْ دماء أبناء الله وأحبائه في نظر قادتهم، وهم صراحة الذين جعل الله منهم القردة والخنازير وَعَبَدَ الطاغوت، وتارة لأنهم من المعارضة الإسلامية التي يراها رموز التفاوض خطراً على مشروعهم، حيثُ التعهد بأمن الاحتلال، ولجم المقاومة؛ بدعوى أنها إرهاب، وقد تعهد أبطال أوسلو بملاحقته.

    إنه مهما كانت المسوِّغات عند الذين يتناولون قضية الأسرى من زاوية سياسية أو إنسانية؛ فإنها لا تداني التكليف الرباني في التعاطي مع إخواننا الأسرى الذين هم من أَنْفُسِنا، بما أن مَثَلَنا جميعاً كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى؛ ذلك أن فكاك الأسرى فريضة في الإسلام وعقيدة.

    إن هذه الآية تنعى على المنافقين تَثَاقُلهم إلى الأرض، والقعود عن القتال في سبيل الله، وفي سبيل إنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يحملهم الابتلاء والبطش على الضراعة إلى الله أن يخرجهم من تلك القرية الظالمِ أهلها، والمراد بها قريش الذين يكادون يَسْطُون بالذين يتلون عليهم آياتنا، كما يبتهل أولئك إليه تبارك وتعالى أن يجعل لهم من لدنه ولياً ينصرهم بإذنه، وينقذهم برحمته.

    ويَشُدُّ الانتباه أن عطف الخاصِّ على العامِّ في الآية يجعل القتال لإنقاذ المستضعفين يدخل في رأس قائمة أنواع القتال في سبيل الله؛ لأن الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلا للهجرة في سبيل الله إِنِ استنصروكم في الدين فعليكم النصر؛ إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق، ما لم نَنْبِذْ إليهم على سواء.

    خلاصة القول: إن هذه الآية تجعل إنقاذ الأسرى من أيدي المشركين واجباً شرعياً، وفريضة إسلامية؛ إذْ لا توبيخ إلا على ترك واجب، أو فعل محرِّم، فالقضية إذاً لا خِيَرَةَ لنا فيها من أمرنا، وهي تكليف لا مِنَّةَ فيه على أحدٍ، ولكنْ نلتزمه معذرةً إلى ربكم، ولعلهم يُنْقَذون.

    هذا، وقد توعَّد القرآن الكريم بني إسرائيل بعذاب الخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، وأشدُّ وأنكى، وكان ذلك جزاءً وِفاقاً لإيمانهم ببعض الكتاب، وكُفْرِهِم بالبعض الآخر، وبالرجوع إلى سورة البقرة نجد أن الذي آمنوا به من الأحكام، والذي كفروا به، يتعلق بالأسرى؛ ذلك أن اليهود كانوا قد انقسموا في ولائهم لأهل يثرب بين الأوس والخزرج، ولطالما عملوا على التحريش بيهم؛ حتى إذا أوقدوا ناراً للحرب، ظَاهَرَ كلُّ فريق مواليه، وتظاهر على الفريق الآخر بالإثم والعدوان، وذلك بالاشتراك في أَسْرِ إخوانهم؛ إعراباً عن الصدق في الولاء والنصرة، حتى إذا وضعتِ الحرب أوزارها تعاونوا جميعاً على فداء أسراهم، فكانوا بالفداء قد آمنوا ببعض الكتاب، وكانوا بالقبض على إخوانهم، وإخراجهم من ديارهم، قد كفروا ببعضٍ آخر، كما في الآية (85)، والله عز وجل لا يقبل منا أن نجعل القرآن عِضين، فنأخذ منه ما نشاء، ونَذَرَ ما نشاء؛ إذْ ما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم؛ بل نقول سمعنا وأطعنا، ثم إنهم لا يجدون في أنفسهم حَرَجاً مما قضيتَ، ويسلِّمون تسليما.

    إن تلك الآية قد حكمت على اليهود بالخزي في الدنيا، والردِّ إلى أشد العذاب في الآخرة، مع أنهم فَكُّوا أسراهم وفَادَوْهم، فما بَالُكُم بمن أهملوا أسراهم، وتشاغلوا بهمومهم الشخصية؟!، فكيف إذا انضمَّ إلى ذلك أن يشاركوا في أَسْرِهِم بالتنسيق والعمالة، أو بالانخراط مع العدو، والمساهمة في القبض عليهم، وشَدِّ وَثَاقِهم، أليس ذلك حالتئذٍ كفراً بالكتاب كلِّه، فما جزاء من يفعل ذلك منهم إذاً ؟!! .

    أما العقيدة في هذا فقد كشفتْ عنها سورة الدهر أو الإنسان، تلك التي أخبرت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يطعمون الطعام على حُبِّهِ مسكيناً ويتيماً وأسيراً، وما يسارعون لذلك الإيثار، ولو كان بهم خصاصة، إلا ابتغاء وجه الله، دون أن يتطلعوا إلى مكافأةٍ وجزاء أو شكورٍ وثناء، ذلك أنهم يخافون من ربِّهم يوماً عبوساً قمطريراً، يجعل الولدان شيباً، وكان يوماً على الكافرين عسيراً، فهو في غاية الغيظ والتجهم، وهو دائم ومستمرٌ خمسين ألف سنة.

    إن الحديث عن الأسير هنا يتناول أعداءنا الحربيين حين نأسرهم، بعد أن نثخن في الأرض، أو حين نقبض على عُيُونهم الذين يَبُثُّونهم بين ظهرانينا، أو حين يكون لنا أسرى عندهم، فنأخذ بعض رعيتهم بجريرة سادتهم وكبرائهم، فإن من أخلاقنا أننا نُقَدِّمُ لهم قُوتَنا وطعامنا، ولو بقينا جائعين، أو بِتْنَا طاوين، وإذا كانت هذه شيمتنا مع عدونا فكيف بإخواننا في الدين، إذا وقعوا في قبضة الكفرة الحربيين، أو الغزاة المحتلين؟!! .

    إن الواقع يشهد أن وجود أسرى عندنا لأعدائنا اليهود نقطة ضعف عندهم، وبالمساومة عليها نُخْرجُ وَجبةً كبيرة من السجناء والمخطوفين، حتى لو كانوا حصيداً خامدين، لذلك فالواجب علينا، وعلى أمة الإسلام من ورائنا، أن نقعد لليهود كل مرصدٍ، ومتى لاح اختطاف أيٍّ منهم لم يَجُزْ أن نتوانى، فإنَّ ذلك أدعى إلي طيِّ ملفِّ الاعتقال حتى حين، ذلك أن أكثر من شطر أسرانا مدنيون، قد اقْتيدوا من بيوتهم بياتاً وهم نائمون، أو نهاراً وهم قَائِلون، فلم يكونوا تحت السلاح، ولا حتى من قاذفي الحجارة، بعد أن لم نَعُدْ في حاجة إلى الحجارة، وقد امتلكنا الصورايخ والقذائف برحمة الله وفضله، وإن من الواجب علينا أن نمضي بعيداً في تطوير المقاومة وتصعيدها؛ حتى يعلم الذين يأسروننا ويقتلوننا أيَّ منقلبٍ ينقلبون.

    ولا بد هنا من التشديد على المفاوض أن يجعل ملفَّ الأسرى أولاً، فلا يلتفت إلى أية قضية سياسية أخرى مع العدو، حتى نَذَرَ السجون خاوية من أهلها، وهذا هو فقه الفاروق عمر رضي الله عنه؛ إذ يقول: ( لأن أستنفذ رجلاً واحداً من أيدي المشركين خير عندي من جزيرة العرب ).

    وإلى أن تتحقق هذه الأمانيُّ، فالواجب التعاطف مع الأسرى وذويهم، كما نتواصل مع الشهداء والجرحى وأهليهم؛ تكافلاً وتعاهداً؛ بوصفهم خيرةَ الأمة؛ لأنهم قد ضَحَّوْا بشبابهم وراحتهم في سبيل ربهم،ثم من أجل أمتهم، فأضعف الإيمان ألاَّنعذبهم بتقصيرنا، وألاَّ نؤذيهم بغفلتنا، وأن نجعلهم للمتقين إماماً.

    إن الأسير الحقيقي ليس من غَيَّبتْهُ القضبان، أو احتضنته الزنانين، بينما روحه ترفرف في الأفق الأعلى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، فهو على يقين أن الفرج قريب؛ لأن دوام الحال من المحال، والله عز وجل يداول الأيام بين الناس ويوفِّي الصابرين أجرهم بغير حساب، إنما الأسير هو من رضي أن يكون عبداً لشركاء متشاكسين، من النفس الأمارة بالسوء، إلى الشيطان الذي يُزَيِّنُ له سوء عمله فيراه حسناً، إلى الدنيا الحلوة الخضرة متاع الغرور، وغير ذلك من الأهواء والشهوات، كما أننا في سجن كبير ما دام أعداؤنا يعربدون في مائنا وسمائنا، ويسيطرون على بَرِّنا ومعابرنا، الأمر الذي  يستوجب تطوير المقاومة، والقبض على المزيد من المستوطنين والجنود.

 

والله تعالى أعلم،،،

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .