وجوب القتال لانتزاع المخطوفين من مخالب الاحتلال مهما كانت الأهوال

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 542
 وجوب القتال لانتزاع المخطوفين من مخالب الاحتلال مهما كانت الأهوال

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( وجوب القتال لانتزاع المخطوفين من مخالب الاحتلال مهما كانت الأهوال )

 

]  وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا [

(النساء:75)

هل كان سهلاً على الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، وهي التي أُشْرِبَتْ في قلوبها حُبَّ اليهود، وعاهدت على السمع والطاعة لدايتون ومَنْ يَخْلُفُه، وقد وَفَّتْ بعهدها خيرَ وفاء، ولا زالت على العهد لا تَقِيل ولا تستقيل.. هل كان يسيراً عليها أن تذعن لخمسةٍ من المجاهدين قد اضطروا تحت شدة الاضطهاد أن يُضْرِبوا عن الطعام؛ ليخوضوا معركة الحرية بالأمعاء الخاوية، خاصة وأنه قد مضى عليهم ستة أسابيع دون أن يجدوا أُذُناً صاغية، فضلاً عن أُذُنٍ واعية؛ حتى إذا أشرفوا على الهلاك تدخلت أطراف مختلفة، منها جهود قَطَرِيَّة، فشفعتْ لهم، فأكره القوم على إفلاتهم.

وما كان يدور بِخَلَدِ الشافعين أن هناك مؤامرة حِيكتْ بليلٍ؛ ليتخطفهم الاحتلال من ليلتهم، ولِيتفوَّه أئمة الاعتقال بأن احتجازهم كان حمايةً لهم من الاحتلال، والجواب عن ذلك في التساؤل عن الحماية الغابرة لمختطفي سجن أريحا الذين خرجوا بألبستهم الداخلية؟!، غير أن السِّرَّ في غَضِّ الاحتلال الطَّرْف عنهم هو أنه لا فرق عند الصهاينة أن يكونوا بحوزتهم، أو في قبضة إخوانهم أذنابِ التعاون الأمني في الضفة ورام الله، اللهم إلا أن اليهود يحكمهم القانون الجائر، وأوتاد دايتون يسومونهم سوء العذاب بشريعة الغاب.

وقد ازدادت الجريمة بِلّةً حين أخطأ الجنود الصهاينة طريقهم إلى شقة المجاهد وائل البيطار، فدخلوا شقة خاله المُسِنّ عمر القواسمي المجاورة له، ولم يمهلوه، فقتلوه وهو على وِسادة النوم؛ لِتطالَ الجريمة ستةً،  أحدهم بالاغتيال، والبقية بالاعتقال، ولكل واحدٍ من المجرمين ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كِبْرَهُ منهم له عذاب عظيم.

ومن تدابير القدر أن تقع هذه الجريمة في صدر شهر صفر؛ لتكون اجتراراً لجريمة مشابهة وقعت في نفس الشهر من العام الرابع للهجرة، واشتهرت بسرية ماء الرجيع.

وتتلخص قصتها في أن قبيلة هذيل رغبت في النيل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعاونوا أمنياً مع قبيلتي عُضَل والقارَّة؛ حيث اتفقوا على أن يتظاهر بعضهم بالإسلام، وأن  يطلبوا دعاةً إلى قومهم؛ فإنهم يرجون لهم أن يُسْلِموا، ومتى وصل وَفْدُ الدعاة إلى هذيل، قبضوا عليهم، وباعوهم إلى رجال بمكة، ليقتلوهم ثأراً لبعض قتلاهم يوم بدر.

وما كاد ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم أميرهم عاصم بن ثابت يَصِلون إلى ديار هذيل عند ماء الرجيع؛ حتى فوجئوا بمائة فارس يطوقونهم، ويدعونهم إلى الاستسلام، فَأَبوْا وجعلوا يدفعون بأسيافهم، غير أن المقاومة قد تمخضت عن مقتل ثلاثة منهم، ووقوع ثلاثة في الأسر، وقد استطاع خالد بن البكير أن يفلت من القيد، وولَّى مدبراً، غير أنهم أمطروه بالحجارة حتى قتلوه، واقتادوا صاحبيه، وهما خُبَيْبُ بن عديّ، وزيد بن الدُّثُنَّة، فباعوهما في مكة، وما أشبه هذيلاً في هذا بمن يبيع المجاهدين لأعدائنا المحتلين في مقابل أموال الدول المانحة، ومتاع الدنيا القليل، وهذا مرتعٌ وَخِيم!!.

وقد كان من نبأ زيدٍ أنه لما أُخرج إلى التنعيم خارج الحرم للقتل سأله أبو سفيان: أتحبُّ أن محمداً مكانك الآن تُضْرَبُ عنقه، وأنك في أهلك؟ فأجابه: واللهِ ما أحبُّ أن يكون محمدٌ في مكانه الذي هو فيه الآن تصيبه شوكة وأنني آمِنٌ في أهلي، وقد علَّق أبو سفيان على ذلك بالقول: ما رأيت أحداً يحبُّ أحداً كحُبِّ أصحاب محمدٍ محمداً، ثم قَدَّموه فقتلوه.

وأما خُبيبٌ فقد رأته صاحبة البيت الذي حُبِسَ فيه؛ انتظاراً ليوم مقتله.. رأته يأكل من قِطْفِ عِنَبٍ مثل رأس الرجل، وما بمكة حبة عنب، إنما هو من عند الله؛ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

وحين أخرجوه إلى التنعيم استأذن في صلاة ركعتين، وتَجَوَّزَ فيهما؛ خشية أن يتهم بالجزع من الشهادة، وبعد أن ارتجز بأبياتٍ من الشِّعر مشهورة، توجه إلى الله بالدعاء، وقال:  اللهم أحْصِهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تُبْقِ منهم أحداً، ثم صلبوه وقتلوه.

وقد حرصت هذيل على أخذ رأس عاصم بن ثابت؛ لبيعه من سلافة بنت سعد، فقد أقسمت بعد أن قتل بعض أبنائها يوم بدر؛ لئن تمكنت منه لتشربن الخمر في قَحْفِه؛ أي جمجمته، غير أنهم ما استطاعوا الوصول إليه، فقد أرسل ربنا عليهم الزنابير المشبهة للنَّحْل، فلم يتمكنوا من الدُّنُوِّ منه، فقالوا: ننتظر الليل حتى تأوي إلى أعشاشها، فإذا بالسماء تُرعد وتُبرق، وصار الوَدْقُ يخرج من بين السحاب، فقد جادت السماء بِوابِلٍ من الماء، فاجترفت السيول جثة عاصم، وقد بَرَّ الله بِقَسَمه بعد مماته، كما وَفَّى هو بيمينه في حياته؛ إذ  أقسم يوم أسلم ألَّا يمسَّ مشركاً، وألَّا يمسَّه مشرك، ولم يعلم أين ذهبت جثته إلا الله العليم الخبير.

وقد سَلَقهم المنافقون بألسنةٍ حداد، فقالوا: يا وَيْحَ هؤلاء المفتونين الذين هلكوا، لا هم قعدوا في أهليهم، ولا هم أَدَّوْا رسالة صاحبهم، فأنزل الله فيهم آياتٍ من سورة البقرة، وأخرى في سورة النساء؛ فأما الأولى فقوله تعالى عن المنافقين وما تَفَوَّهوا به: " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ".. إلى قوله تعالى: "وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ .وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ " الآيات (204- 206)

وأنزل في الشهداء الآية التي تليها:" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ " الآية (207)

وقيل في أسباب نزولها روايات أخرى لا حاجة بنا إلى استقصائها.

وأما آيات النساء، ومنها آية المقال، فقد أمرت المؤمنين أن يأخذوا حِذْرهم، خاصة وأن شهر صفر من العام نفسه قد شهد  مجزرة أخرى، ذهبتْ بسبعين من حفظة القرآن في غَدْرَةٍ واحدة في بني عامر قِبَلَ نَجْدٍ التي يخرج منها قرن الشيطان آخر الزمان.

ولكن الحذر لا يعني الاختباء والانزواء؛ إنما هو في النفير بالسرايا القليلة العدد، أو بالزحف بجموعٍ كبيرة، لذلك فإن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قد بَثَّ عيونه في القبائل، وجعل لا يعلم بقومٍ يُبَيِّتون له إلا فاجأهم وهم في عُقرِ دارهم، فَفَرَّقَ جمعهم، واستاق نَعَمَهم.

وأما المنافقون فقد نَعَتْ عليهم أنهم يتباطؤون عن الخروج، فإن أصابتكم مصيبة، كما حصل لسرية الرجيع، أو لسرية بئر معونة؛ ما كان قولهم إلا أن قال قائلهم:" قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ".

بينما لو كانت النتيجة هي الظفر والغنيمة، كما حصل بعد شهر من ذلك التاريخ، وفي شهر ربيع الأول، إذْ أفاء الله على رسوله من فَيْءِ بني النضير الشيء الكثير، فَسَالَ لعاب المنافقين، وقال أشقاهم:" يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا " الآيات (71-73).

واستطرد السياق آمراً أن نقاتل في سبيل الله؛ لنكون ممن يشرون؛ أي يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، فهؤلاء هم الذين يفوزون فوزاً عظيماً، ويُؤْتَوْنَ أجراً عظيماً.

ثم أتتْ آية المقال تعاتب الذين تباطؤوا عن القتال؛ فَرَقَاً من مصير كمصير أصحاب الرجيع، وشهداء بئر معونة، إِذِ الواجب يقتضي أن يقاتلوا في سبيل الله؛ لتكون كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا،  ولإنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يفتنون في دينهم في مكة، وقد يؤول مصيرهم إلى القتل؛ مثل زيدٍ وخُبيب، لذلك فهم يضرعون إلى الله جل جلاله أن يخرجهم من أمِّ القرى؛ فإن أهلها كانوا ظالمين، وأن يجعل لهم من لدنه وَلِيَّاً ونصيراً.

إن هذه الآية توجب علينا الاشتباك مع العدو لتحرير أسرانا، مهما كانت المصائب التي حَلَّتْ بنا؛ فإن حقَّ الأسرى في الحرية أكبر من حسابات النفوس المهزوزة أو المهزومة، وإن تلك المقاومة هي المفهومُ الحقيقيُّ لأخذ الحذر، ولبيع الحياة الدنيا بالآخرة، حتى لو كانت النتيجة أن نُغْلَبَ في جولة، وأن نتغلب عليهم في جولة أخرى.

إن نبينا عليه الصلاة والسلام لم يَنَمْ عن ثأره ممن غدروا به، لكنه لم يتمكن من غزوهم إلا بعد سنتين وثلاثة أشهر بعد غزوة الخندق، وهو مصير حتمي لأرباب التعاون الأمني، ولا تحسبن الله غافلاً عمَّا يعمل الظالمون، فهو يمهل ولا يهمل، والله من ورائهم محيط.

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .