هل العودة إلى فلسطين حقٌّ لِلاجئين أم واجبٌ على المؤمنين

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 709
هل العودة إلى فلسطين حقٌّ لِلاجئين أم واجبٌ على المؤمنين

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( هل العودة إلى فلسطين حقٌّ لِلاجئين أم واجبٌ على المؤمنين )

 

]  وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ  [

(البقرة: 191 )

إن التشبت بحق العودة يزداد قوة عاماً بعد عام، وفي هذا العام قد اتخذ منحىً جديداً، فقد تحركت جموع الأمة تلقاء حدود فلسطين، في كل من مصر، وسوريا، ولبنان، والأردن، ولم يكن الشعب الفلسطيني وحده هو الزاحف في الداخل والخارج، فشعوب هذه الدول قد زحفوا أيضاً، وقَدَّموا الشهداء، وأصابهم القرح، ولا زال الاحتلال الصهيوني يرتكب نفس الحماقة، فهو في ضلاله القديم؛ إذْ ثبت في سِنِيِّ الانتفاضتين أن إطلاق النار على المتظاهرين لا يرهب الناس، بل يكون بمثابة صب الزيت على النار، تزداد به توقداً،  مما اضطر الصهاينة أن يستعينوا بالوكلاء في إطفاء الانتفاضة الأولى، ثم انفجرت الانتفاضة الثانية، فلم يجدوا بُدَّاً من الخروج من قطاع غزة أذلة وهم صاغرون، ولم ينفعهم أن عُتُوَّ أرباب المقاولات الأمنية جعلهم يصنعون عصاباتٍ، تُدْعَى فِرَقَ الموت، لكنها لم تُغْنِ عن الفريقين فتيلاً ولا قطميرا.

إن كل مؤامرات الالتفاف على حق العودة قد باءت بالفشل، فلا الحديث عن الحل العادل لمشكلة اللاجئين قد وجد عندهم آذاناً  صاغية، على الرغم من أن تضييق الخناق عليهم في مخيمات الدول العربية، حتى في لقمة العيش، لم يحملهم على القبول بفكرة التوطين، مع التعويض الهادف إلى إغلاق أفواههم، بما يشبه بطاقات التموين، وخدمات الأمم المتحدة، لتلهية اللاجئين عما فقدوه من الديار والأموال.

ولعل الأمر كان يبيت أن يُمْنَحُوا المواطنة الكاملة والتجنيس حيث يوجدون، ومن المعلوم أن أناساً معدودين كانوا قد استماتوا للحصول على جوازات سفر لبلدانٍ عربية، أو غربية، لا عشقاً لها؛ بل لتسهيل الإقامة، والحركة، والظفر بمصدر رزقٍ محترم؛ فإن التمييز القُطْري أو العنصري لا زال يحكم الفلسطيني في علاقته بمعظم بقاع الأرض.

أما آية البقرة فقد نزلت بعد الإذن بالدفاع عن النفس الوارد في سورة الحج، ذلك الإذن الذي جاء معللاً بكوننا قد أخرجنا من ديارنا بغير حقٍّ؛ إلا أن نقول: ربنا الله.

إن هذه الآية تنقل الحكم من الإباحة إلى الوجوب، فهي تفرض علينا أن نقاتل في سبيل الله الذين يقاتلوننا؛ ملتزمين بآداب القتال وعدم العدوان، ثم تأمر  بقتل المعتدين علينا حيث وجدتموهم، وكنتم قادرين على ذلك، فالكافر الحربي المعتدي ليس له أمان، فهو مهدور الدم والعصمة؛ حتى تضيق عليهم الأرض بما رحبت، فيختاروا بين الإسلام، أو الذمة، أو السياحة ولن يعجزوا الله في الأرض، ولن يعجزوه هَرَبا.

ثم عطفت الآية وجوب إخراج أعدائنا من حيث أخرجونا، وهذا يجعل العودة واجباً وفريضة، وليس مطلق حقٍّ، إِذِ الحقُّ يجوز التنازل عنه بعوضٍ، أو بغير عوض، وأرضنا المحتلة ليست حقاً مَحْضَاً للفسطينيين، بل هي للأمة كذلك، فهي وقفٌ للأجيال، وإنما هي أمانة في أعناقنا، ننتفع بها، دون أن نُفَرِّط فيها.

ومن هنا كان رفضنا الصارم للاعتراف بشرعية الاحتلال؛ فإنه هبة مجانية لمن لا زال يَلَغُ في دمائنا، ويستفزُّنا من الأرض؛ ليخرجنا منها، كما أخرج أهلنا من قبل، وهم اليوم يبلغون مثلي المقيمين في الداخل، ولذلك فقد كانت  نكبةً كبرى أن يفوز الاحتلال بأربعة أخماس فلسطين بالصفقة الأولى في أوسلو، وأن يظل الخمس الأخير أراضيَ متنازعاً عليها، فيلتهمها الجدار حيناً، وتلتهمها المستوطنات حيناً آخر.

ولعل الأنكى من ذلك هو الإقرار بيهودية الدولة؛ فإنه ينطوي على إبطال وجوب العودة، ويعطي الغطاء للاستمرار في ترحيل أهل القدس، والشروع في ترحيل المقيمين فيما احْتُلَّ عام 1948م، فهو استمرار اللجوء، وليس عودة اللاجئين.

إن مما يشهد بوجوب العمل لتحقيق العودة هو أننا أُمِرْنا أن نُعِدَّ ما استطعنا من قوةٍ، ومن وسائل القتال؛ لنرهب به عدوَّ الله وعدونا، ولا يماري أَحَدٌ في أن الإصرار على حقِّ العودة يرهب الصهاينة، فقد راهنوا على موت الآباء، ونسيان الأبناء، فإذا الأحفاد أشدُّ استمساكاً به، بفعل الوعي الديني، والصحوة الإسلامية.

ومما يشهد بالوجوب أنَّ أيَّ موطنٍ يغيظ الكفار يجب أن نطأه، ولا شكَّ أن العَضَّ على العودة بالنواجذ يغيض الأعداء المحتلين، فيكون واجباً.

لكن الأقوى من ذلك في الاستدلال أن النبي عليه الصلاة والسلام كان حريصاً على العودة إلى مكة؛ ليخرجهم من حيث أخرجوه؛ عملاً بهذه الآية، وإرواءً لِغَلِيلِ الحنين إلى أحب البلاد إلى الله، وأحبَّها إليه، لا سيما وأنه قد كان موعوداً بالردِّ إليها؛ فإن الذي فرض عليه القرآن سيرده إليها، وكان أمر الله مفعولاً، فهناك العديد من القرى كانت أقوى من القرية التي أخرجته أهلكهم، فلا ناصر لهم.

لذلك فقد خرج أولاً في مسيرة سلمية، قد ارْتَدَوْا فيها ثياب الإحرام، وقصدوا العمرة، وساقُوا الهَدْيَ والذبائح، ولم يحملوا إلا السيوف في قرابها، حتى يؤدي واجب العُمْرة سلماً؛ فلما وقفوا بخيلهم ورَجِلهم يمنعونه، ولم تفلح جولات الحوار في تليين موقفهم، وأشيع مقتل عثمان بن عفان، وقد ذهب مفاوضاً فأبطأ الرجوع، قام يبايع أصحابه على الموت تحت الشجرة، فقذف الله بذلك الرعب في قلوب قريش، وجنحوا إلى الصلح، فجنح لها، وتوكل على الله، حتى لو أرادوا بذلك الخديعة، فإن حسبنا الله، فإنه هو خادعهم، وما يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون.

ثم إنهم لما نقضوا ذلك الصلح بعد عامين، حين أعانوا بني بكر أولياءَهم في عدوانهم على أوليائنا بني خزاعة، وجب نصرتهم، وأَعْطَوْا بذلك الذريعة؛ لدخول مكة، وفتحها عُنْوةً، في يوم مرحمةٍ أعزَّ الله فيه قريشاً بدخولهم في دين الله، وانضمام قوتهم إلى قوتنا، وقد تهيأت الفرصة لدخول الناس في دين الله أفواجاً، ولتصير الجزيرة داراً للإسلام، وحتى يتطلع النبي عليه الصلاة والسلام من بعدها إلى غزوة الروم، وتحرير بيت المقدس وفلسطين، وعموم الشام.

إن طرد الناس من ديارهم أكبر محرضٍ على القتال؛ لطرد المحتلين منها، وانتزاعها من أيديهم، فكيف إذا كان المُخْرَجون منها مؤمنين؟!!.

لذلك فقد جعل القرآن إخراجنا من ديارنا مُحَرِّضاً على قطع الولاء مع الأعداء، وقتالهم بنية العودة إليها في الدنيا، والعودة للجنة في الآخرة، فنحن قد أخرج الشيطان أبوينا من الجنة، وأزلَّهما عن الشجرة، فأخرجهما مما كانا فيه، وأشقانا بذلك، فوجب السعي والتسابق لحق العودة إلى الجنة بأشدِّ مما نحرص من العَوْدِ إلى فلسطين، وإن كان تحقيق الثاني طريقاً للأول، فلا تحسبوا أن تدخلوا الجنة حتى يعلم الله الذين جاهدوا منكم، ويعلم الصابرين.

أما قطع الولاء ففي سورة الممتحنة التي أوجبت ذلك:

"إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ.." الآية (9)

وأما البلاء في قتال الأعداء ففي مثل قوله تعالى في التوبة:

"أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ " الآية (13)

وفي البقرة: "..وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا .." الآية (246)

وفي آل عمران: "فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " الآية (195)

إن فرعون – عليه لعنة الله- قد استغل عاطفة الأوطان، وحُبَّ البقاء فيها؛ ليحرض الأقباط على سيدنا موسى وهارون عليهما السلام، فإن أهل مصر إذا اتبعوا هذين الرسولين سيندمون؛ فإن الغرض الباطن لهما – على حد زعمه- أن يخرجوكم من أرضكم، وقد جاء ذلك في أربعة مواضع في القرآن الكريم، قال سبحانه:

"قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى" طه (57)

وفي نفس سورة طه: "قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى " الآية (63).

وانظر الأعراف (110)، (123)، والشعراء (35).

إن هناك العديدَ من المؤشرات والمبشرات تؤكد أن العودة قد أضحت قريبة، فالمقاومة على أرضنا ماضية في إعداد القوة، والقصاص من الاحتلال، ولعل المصالحة الداخلية تسهم بنصيب وافرٍ في دعم المقاومة، حتى لو لم يكن آنياً، ثم إن الثورات العربية، وجوهرُها هو الحركة الإسلامية، قد هَيَّأتِ الأجواء لدعم المقاومة، فضلاً عن التراجع الأمريكي الصهيوني أمام الجهاد في سبيل الله.

 

وما ذلك على الله بعزيز

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .