( نكبة النكبات في الردة عن الدين, و كراهية الممات

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 529
(  نكبة النكبات في الردة عن الدين, و كراهية الممات

في رحاب آيـة

د. يونس الأسطل

(  نكبة النكبات في الردة عن الدين, و كراهية الممات )

« وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» البقرة ( 217)

بحلول شهر أيار من كل عام تبدأ الفعاليات التي تُحْيِي ذكرى النكبة، تلك التي تمكنَّ فيها اليهود بمعونة إخوانهم من الإنجليز والصليبيين، ثم من العرب والوثنيين، من طردنا من ديارنا، واستلاب أربعة أخماس فلسطين، ومن أجل تشريد أهلنا فقد ارتكبوا في المدن، وما حولها من القرى، من المجاز والجرائم ما يَعِزُّ على الوصف، ويكفي أن نتذكر ما صنعوا بدير ياسين، ثم نقيس عليها العشرات من أمثالها, وصولاً إلى مجزرة بيت حانون مؤخراً .

    ولعل أضعف الإيمان فيما يُعَزِّي أنفسنا أن عودة اللاجئين حق شرعي وقانوني؛ فضلاً عن كونه ممكناً، وقد صدر مؤخراً عن المجلس التشريعي قانون يقضي بحرمة التنازل عنه، وأن الإقدام عليه ذلك جريمة تستوجب الملاحقة، سواء اقترفه الأفراد أو المسؤولون، وقد جاء هذا القانون ليقطع الطريق على كل المحاولات اليائسة لمشاريع إلغاء حق العودة, و استبداله في أحسن الأحوال  بالتعريض والتوطين، وأكاد أجزم بأن هذا سيجري الالتفاف عليه باسم الحل العادل لمشكلة اللاجئين؛ كما جاء فيما سُمِّي بالمبادرة العربية، أو بكون حق العودة غير ممكن واقعاً؛ كما في وثيقة جنيف التي أبرمها زبائن كوبنهاجن.

    وقد رأيت في هذا المقال أن تلك النكبة ما كانت لِتُعَمِّرَ ستين سنة خلتْ، وقد تناهز السبعين، إلا لنكبات أخرى, هي أكبر من أختها، وقد تضمنت آية المقال أُم تلك المصائب على الإطلاق؛ فإنها تخبرنا أن أعداءنا أجمعين مستمرون في قتالنا حتى يحققوا الهدف الأسمى من غَزْونا والعدوان علينا، وهو رَدُّنا على أعقابنا بعد إذْ هدانا الله؛ لنكون كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، أو لنكون من الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، والنار مثوىً لهم.

    ومن هنا فإن الآية تهدِّد المستجيبين لهم الذين يموتون على ذلك، ولا يتوبون من قريب؛ بأن تحبط أعمالهم في الدنيا والآخرة، أما في الأولى فيفتقدون تأييد الله ومعيته، فلا ينتصرون ولا يفلحون، بل يكونون ممن يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون، وأما في الأخرى فإن مثل أعمالهم كرمادٍ اشتدتْ به الريح في يومٍ عاصف، أو كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، فقد قَدِمَ الله عز وجل إلى ما عملوا من عملٍ، فجعله هباءً منثوراً, و في النار هم خالدون.

لذلك فإن المصير المحتوم أنهم أصحاب النار خالدين فيها، وبئس المصير.

   ومن عجبٍ أن يتمكن الصهاينة، ومَنْ معهم من الأعداء، من تحقيق هذا ا لهدف، ليس بتجنيد المزيد من العملاء والخونة، وجعلهم أصحاب النفوذ، ولكن بالإضافة إليه فقد نشروا الأفكار المناقضة للإسلام، لا بدءاً بالشيوعية واليسارية، ولا انتهاءً بالعلمانية والقومية، ثم الوطنية والقُطْرية، ولا زلنا نكتوي بآثار ذلك في الإلحاد السافر في مواقف كل المتربصين بالصحوة الإسلامية، الرافضين لشراكتها السياسية، أو لمقاومتها العسكرية.

    يا قوم ! ماذا يبقى لنا من أسباب القوة حين نقطع الصلة بالله ربِّ العرش العظيم؟!، أم مَنْ هذا الذي هو جندٌ لكم ينصركم في دون الرحمن، إِنِ الكافرون إلا في غرور؟!

    إن الإيمان بالله، والجهاد في سبيله، هو الذي يكون به ربنا  مولانا، وهو نعم المولى ونعم النصير، فضلاً عن عقيدة الشهادة والحياة عند الله، وهو الذي يعلمنا أن الآجال بيد الله، وأنه ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، وأن الموت الذي تَفرون منه فإنه ملاقيكم، وأن قوماً خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا، ثم أحياهم؛ ليعلموا أن الحذر لا يغني من القدر، وأن الفرار من الموت فرار إليه، ولن يتسع المقام لسرد كل ما يفيضه علينا الإيمان من السكنية، أو يُفْرِعُهُ علينا من الصبر، وحسبنا أن نوقن بأنكم لم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، وما رميت إذْ رميت، ولكنَّ الله رمى، وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً.

    أما النكبة الثانية فهي أن وهن العقيدة يورث انحراف الفكر، فبدلاً من أن نقاتل للمغفرة والجنة ندافع لأهداف دنيوية، ومقاصد أرضية، وهذا سِرُّ الجبن والبخل، ففيم يُضَحِّي الشباب بأرواحهم ؟! , أمن أجل أن يجلس القادة على الكراسي، ويستأثروا بالحكم والمال؟! .

    إن نبينا عليه الصلاة والسلام أخبرنا أن الأمم ستتداعى علينا كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، لا من قلة فينا، ولكن لأن كثرتنا كغثاء السيل؛ ذلك أن حُبَّ الدنيا وكراهية الموت قد أصابتنا بالوهن، فنزع الله المهابة من قلوب أعدائكم منكم، وقد نَبَّأنا من أخبار معركة أُحُدٍ؛ أن من أسباب صرفنا عن النصر والغلبة أن منكم من يريد الدنيا، أولئك الذين فشلوا، وتنازعوا في الأمر، وعصوا من بعد ما أراهم ما يحبون.

   ولو نظرنا إلى عبودية معظم أزلام السلطة للدولار، والمفاسد التي يتوحلون فيها بسببها، لأدركنا أيَّ نكبة نحن فيها، ولعرفنا التفسير الحقيقي الذي أحال مشروع التحرير إلى التعاون المذهل مع الاحتلال ضدَّ المقاومة والثوابت، وما ذلك إلا لأن مشروع الثورة قد استحال مشروع ثروة.

    أما النكبة التي تليها فهي الفُرْقَة التي تُصِرُّ عليها فِرْقَةُ محسوبة علينا، فقد اتفقنا في القاهرة على الشراكة وإحياء منظمة التحرير، ثم كانت وثيقة الوفاق الوطني التي أَسست لحكومة الوفاق الوطني والعمل المشترك، ثم كان الاتفاق على إعلان صنعاء؛ للشروع في حوار الوحدة والشراكة، غير أن الذين يراهنون في شرعية بقائهم على الاحتلال والأمريكان لن يستجيبوا لكم مالم نكن قادرين على إكراه الفريقين على قبولها.

    إن الله يأمركم أن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا، وأن تذكروا نعمة الله عليكم إذْ كنتم أعداء، فألَّف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخواناً، وقد نهاكم أن تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، فأغرى الله بينهم العداوة والبغضاء، حتى لتحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى.

    لقد أوجب علينا في صدر سورة الأنفال أن نتقي الله، وأن نصلح ذات بيننا، كما نهانا في وسطها عن أن تتنازعوا؛ فتفشلوا وتذهب ريحكم، ثم كان في الثلث الأخير منها أن سبب النصر يوم بدر أن الله ألَّفَ بين قلوب المؤمنين ألفةً لو أنفقنا ما في الأرض جميعاً ما تمكنا أن نصنع مثلها، فهي صبغة الله، ومن أحسن من الله صبعة ؟! .

    ولعل الآثام مطلقاً من أخطر النكبات، ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، ولعجَّل لهم العذاب، بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا.

    إن الطريق إلى القدس وفلسطين والأندلس، بل إلى الخلافة الراشدة، في الاستمساك بالعروة الوثقى، وهي الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، ثم في معالجة أسباب الوهن من حب الدنيا، وكراهية الموت، والعودة إلى الوحدة التي تجمع القلوب والصفوف، ونكون أخوف من ذنوبنا, ومن ربنا, منا من عدونا، وهو سبيل الصحوة الإسلامية المعاصرة والحركة الجهادية المباركة .

فاعتصموا بالله, هو مولاكم، فنعم المولى، ونعم النصير

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .