محنة الأسرى كبيرة ودروب إنقاذهم كثيرة

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 636
محنة الأسرى كبيرة ودروب إنقاذهم كثيرة

من وحي آية

د. يونس الأسطل

 

(محنة الأسرى كبيرة ودروب إنقاذهم كثيرة)

] وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا [

( النساء : 75 )

بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني تكثر الندوات والمهرجانات في هذا الشهر منددةً بالسياسة الصهيونية، ذاكرةً مناقب الأسرى، لا سيما وأنهم قد دخلوا هذه الأيام إضراباً مفتوحاً عن الطعام؛ احتجاجاً على سوء معاملتهم داخل السجون، وحرمانهم من بعض حقوقهم المنتزعة من أنياب الاحتلال في احتجاجات سابقة على مدار أكثر من ثلاثين عاماً، فضلاً عما يلاقيه ذووهم من العَنَتِ أثناء زيارتهم، فالطرق مليئة بالحواجز، والزيارة مثقلة بالاشتراطات والإجراءات المُهِينة، وغير ذلك.

وقد رأيتُ أن يكون هذا المقال راصداً للوسائل الشرعية التي أوجبها الإسلام؛ لاستنقاذ الأسرى من براثن الوحوش البشرية؛تذكيراً لمن كان له قلب، وإقامةً للحجة على من تجاهل المُعَذَّبين في الأغلال، أو تواطأ مع الاحتلال في القبض عليهم، أو إحكام القبضة حول أعناقهم.

إن هناك خمسَ سُبُلٍ للاجتهاد في فكاك أَحِبَّتِنا المأسورين، وهي على النحو التالي:

أولاً: ما تضمنته هذه الآية من وجوه القتال في سبيل الله، وهو القتال لإنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، وعدوُّنا لا يفرق في الاختطاف بين الذكران والنسوان والصبيان، وقد عبرت الآية عن مدى الاضطهاد النازل بهم حين سَجَّلت ضراعتهم إلى الله بأنْ أَخْرِجْنا من هذه القرية الظالمِ أهلُها، وهّيِّءْ لنا من يتولى أمرنا، وينصرنا على عدونا، وأنت خير الناصرين.

وقد جاء صدر الآية على صيغة الاستفهام الاستنكاري؛ لتوبيخ الذين تقاعسوا يوم أُحُدٍ زاعمين أنْ لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، ولكنهم مِمَّنْ يُبَطِّئون؛ فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم الله عليَّ إذْ لم أكنْ معهم شهيداً، فهم يتربصون بكم، فإن كان لكم فَتْحٌ قالوا: ألم نكن معكم، وإن كان للكافرين نصيبٌ قالوا: ألم نستحوذ عليكم، ونمنعكم من المؤمنين، فإنهم ما هم منكم ولا منهم، مذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء.

وقد بالغ بعض الفقهاء فَعَدَّ القتالَ لإنقاذ الأسرى فرضَ عين، بينما الراجح فيه كونه فرض كفاية، متى قام به عدد كافٍ، فأنقذ الأُسارى، سقط التكليف عن الباقين، ولكن الاجتهاد الأول يكشف عن مدى اهتمام الأئمة بحرية المعتقلين من المؤمنين، لا سيما إذا كانوا مقاتلين.

 

 

ثانياً: مفاداة الأسرى بالمال:

ذلك أنه إذا وجب علينا أن نجاهد بأنفسنا لاستنقاذ إخواننا المسجونين عند عدونا؛ فإن الجهاد بالمال لإنقاذهم يكون واجباً من بابٍ أولى؛ فإن المخاطرة بالمال أولى من المجازفة بالنفوس، فضلاً عن كون المال والنفس صِِنْوَيْنِ في وجوب الجهاد بهما في سبيل الله.

ولقد بلغ هذا الحكم من الأهمية أنه يظلُّ واجباً حتى لو أَحْْفَى ببيت المال كلِّه؛ فإنه موضوع لمصالح الأمة، وفي مقدمتها فكاك الأسرى، وحتى لو لزم بعد ذلك أن يُوَظِّفَ الإمام في أموال الموسرين ما يكفي لتحرير إخوانهم؛ فإن الأسرى قد جادوا بأنفسهم، وبأموالهم كذلك؛ من أجل أمننا وحريتنا، أفلا يجب على القادرين منا أن يكافئوهم بوقف أموالهم على إنقاذهم، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!.

ولعلي لا أفاجئكم إذا أعلمتكم بأن بعض المجتهدين قد أجاز مفاداتهم بالسلاح؛ إذا لم يكنْ بُدٌّ من ذلك؛ رغم أن العدو سوف يتقوى به علينا، وقياس ذلك أن مفاداة الأسرى بأسرى العدو جائزة، وهو يتقوى بجنوده الذين نطلق سراحهم في مقابل إخواننا، فتكون مفاداتهم بالسلاح بشرطها جائزةً كذلك.

ثالثاً: مفاداة الأسرى بالأسرى.

        لقد أوجب الله جل جلاله الإثخان في العدو قبل التفكير في أَسْرِ جنودهم، فما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، فإذا وضعت الحرب أوزارها، وصار الباقون من الأعداء عاجزين عن استئناف القتال، وقمنا بأسر شرذمةٍ منهم، جاز لنا بعد ذلك أن نَمُنَّ عليهم مجاناً؛ تأليفاً لقلوبهم، وجازتْ مفاداتهم بالمال، أو بالأسرى المسلمين، ولا الْتفاتَ إلى الخلاف في ذلك؛ فإن السنة النبوية قد أثبتت ذلك في حديث سلمة بن الأكوع، فقد وقعت في أَنْفَالِهِ جاريةٌ وضِيئةٌ من هوازن، فاستوهبها النبي صلى الله عليه وسلم منه، فبعث بها إلى مكة، ففدى بها رجالاً من المسلمين.

        بل إن قصة العقيلي الذي فدى به النبي عليه الصلاة والسلام رجلين من المسلمين؛ الأرجح في روايتها أن الصحابة قد أُمِروا بأسره ابتداءاً حتى يبادله بالأسيرين عند ثقيف.

        ولعل واقعنا يشهد بأهمية هذا اللون من الجهاد؛ فإن اختطاف ( جلعاد شاليط )  في عملية الوهم المبدَّد هي التي حركت قضية الآلاف من أسرانا في سجون الصهاينة، وكان لحزب الله تجربة سابقة، وكذلك لتنظيم القيادة العامة بقيادة السيد أحمد جبريل في عام 1985م.

        رابعاً: استغلال المحافل الدولية، والقانون الدولي، والإعلام.

        هناك ثغرات ومنافذ قانونية يمكن لمن حَذَقَها أن يستطيع برفع قضايا الأسرى في المحافل الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان، والصليب الأحمر، والهلال الأحمر، والشخصيات الفاعلة، وغير ذلك، ولا شكَّ أنها قادرة على الضغط على الاحتلال بدرجاتٍ متفاوتة، ومالا يُدرك كله لا يُترك جُلُّه، والمهم هو تفعيل معاناة المعتقلين، وهو من الواجبات المقدمة على أكثر الفرائض.

 

 

خامساً: الإكثار من الدعاء لهم بأن يجعل الله لهم مخرجاً وفَرَجاً قريباً

        فقد قَنَتَ النبي صلى الله عليه وسلم في العديد من الصلوات عندما يرفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة، ودعا للمستضعفين في مكة، وذكر منهم عياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد.

        هذا، وأودُّ التذكير بأن سيدنا يوسف قد أعلن أن السجن أحبُّ إليه مما دعته إليه امرأة العزيز وصويحباتها، فلبثَ في السجن بضع سنين؛ ليتأهل بذلك لمسؤولية خزائن الأرض في مصر، وليكون مُتَنَفِّذاً في الحكم، كما أن فرعون اللعين قد هّدَّد سيدنا موسى؛ لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين، وقد كان هذا من الفُتُون والابتلاءات التي صَنَعَ بها ربنا سيدنا موسى على عينه، واصطفاه لنفسه، لذلك فإن السجن محنة تعقبها مِنَحٌ كثيرة، وعلى رأسها نعمة الاستخلاف والتمكين.

 

والحمد لله رب العالمين

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .