ليس لمن فرط في الأرض إلا النفي والطرد، وإنما التمكين فيها للمتقين

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 795
ليس لمن فرط في الأرض إلا النفي والطرد، وإنما التمكين فيها للمتقين

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( ليس لمن فرط في الأرض إلا النفي والطرد، وإنما التمكين فيها للمتقين )

 

]  وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ . وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [

(إبراهيم: 13،14 )

لم تكن الذكرى الخامسة والثلاثون ليوم الأرض في هذا العام مثل كثير من السنوات السابقة، من حيث الاهتمام بها، والتجييش لها، فقد شهد هذا العام حُشوداً غير معهودة من المنخرطين في المسيرات المنددة بالاحتلال الصهيوني، المُعاهِدة على التمسك بالأرض، والجهاد لتحريرها؛ بوصفها أحدَ ثوابت القضية التي لا مساومة عليها، ولا تفريط بها، وقد الْتأمَ شمل فصائل المقاومة تحت العلم الفلسطيني وهم يسيرون باتجاه بيت حانون؛ ليكونوا أقرب إلى أرضنا المحتلة رميةً بِحَجَر، فضلاً عن مسيرات الداخل، مسيرة الضفة في رام الله، وإنْ كانت قد انْفَضَّتْ بعد أن انْقَضَّتْ عليها قوات دايتون أو حركة فتح؛ لتفريق شبابها، وتفريغ ميدان التحرير (المنارة) منهم.

وقد عجبتُ لما يُسَمَّى بفصائل منظمة التحرير وهم يُبَيِّتون أن يخرجوا بحشودٍ كبيرة في ذلك اليوم، ولكنْ في غزة، فتساءلت عمَّا إذا كانوا باكين على الأرض المغصوبة، أو متباكين عليها؛ لحاجة في نفس يعقوب، ولهم فيها مآرب أخرى؟!.

إنه من المعلوم أن اتفاقية أوسلو، وبالصفقة الأُولى، قد جرى فيها المباركة بأربعة أخماس فلسطين خالصة لليهود من دون الفلسطينيين، والدخول في تفاوضٍ على الخُمُسِ الأخير لجهة إقامة حكم ذاتي فيه، وهو في جوهره إراحة للاحتلال من عِبْءِ الاحتكاك بالناس الذي مَثَّل نزيفاً أمنياً وبشرياً للاحتلال، وقد رضوا في البداية بفكرة غزة أريحا أولاً، ثم امتدت سطوتهم على أهل الضفة الغربية، بعد أن أثبتوا ولاءً منقطع النظير للاحتلال، وحَقَّقوا نجاحاً غير مسبوق في قمع المقاومة في غزة، ومحاربة صُوَرِ التدين المختلفة.

وقد كشفت بعض الوثائق المهربة لفضائية الجزيرة مؤخراً حجم التعاون الأمني مع الاحتلال الذي بلغ حَدَّ تواطؤهم على اغتيال بعض المجاهدين، أو الإقدام على ذلك بمفردهم استجابة للرغبة الصهيونية، بل للإملاءات اليهودية.

وإذا كان أولئك المساومون صادقين في دفع الشعب الفلسطيني للخروج في تلك الاحتجاجات؛ ففيم إذاً قمع المحتشدين في المنارة، واعتقال الناشطين فيهم، اللهم إلا أن يكون تطبيقاً أميناً لما تَوَاصَوْا به من عدم التهاون مع أنصار حركة حماس في أيِّ نشاط يَتَنَفَّسون فيه الصعداء؟!.

أما هذه الآية فإنها تخبر عن سياسةٍ عامةٍ عند كل أعداء الله وأعداء أنبيائه وأوليائه؛ إنهم يُخَيِّرونهم بين العودة في ملة أقوامهم، أو الطرد من ديارهم، ومن المعلوم أن بعض الأقوام كانوا يتهددونهم بالقتل،أو الرجم بالحجارة، وقد تمكن بنو إسرائيل من قتل بعض النبيين، وثلةٍ من الذين يأمرون بالقسط من الناس، ذلك أن الطغاة والبغاة يرون في الدِّينِ خصماً يتهدد كراسيَّهم التي تَأَلَّهوا بها على الناس، ولا يتورعون أن ينعتوا المؤمنين بالمفسدين.

فهذا فرعون يقرر أن يتولى قتل سيدنا موسى عليه السلام بنفسه، معللاً ذلك بخشيته من أن يبدل دين الأَقباط، أو أن يظهر في الأرض الفساد، كما في سورة غافر، الآية (26).

فلما رأى الملأ من قوم فرعون تباطؤه في قمع بني إسرائيل الذين يتقاطرون، فيبايعون سيدنا موسى، وهم في ازدياد، راحوا يُغْرُونه بهم قائلين: ".. أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ.." الأعراف (127).

غير أن آية إبراهيم قد طمأنت المرسلين بأن الله جل جلاله  سيهلك الظالمين، ولسوف يجعل المؤمنين هم الوارثين لتلك الأرض من بعد أهلها، غير أن هذا وَعْدٌ لمن كان أهلاً لذلك من المؤمنين، وتلك الأهلية تتجلَّى فيمن خاف مقام ربِّه،ونهى النفسَ عن الهوى، وخاف وعيده؛ فلم يكن ممن طغى، وآثَرَ الحياة الدنيا.

ولنا أن نسأل عن مدلول الخوف من مقام الله، وكيف يُسهم في التأهل للتمكين في الأرض؟، وكيف ينسحب ذلك على من خاف الوعيد؟

إن مدلول مقام الله يدور حول معنيين: أولهما هو عظمة الله وجبروته؛ فإن بطشه شديد، وإن أَخْذَهُ القرى وهي ظالمة أليم شديد؛ فإن له القوة جميعاً، وما كان الله ليعجزه من شيءٍ في الأرض ولا في السماء، إنما أَمْرُهُ إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، لذلك فإن المؤمنين من خشيته مشفقون.

والمعنى الثاني قيام العباد بين يدي ربهم للحساب يوم يقوم الناس لربِّ العالمين، وحتى لو كان الحساب يسيراً؛ فإن تذكير المؤمن بذنوبه يُلْحِقُ به من الحياء والخجل، ومن الإشفاق والوجل، ما يجعله يتمنى أن لو كان نَسْياً مَنْسِيّاً، أو لم يكن شيئاً مذكوراً، أو لو تُسَوَّى به الأرض، فيكون تراباً.

فمن أشفق من وقفة الحساب، أو من جبروت رب الأرباب، دفعه ذلك لمزيد من الهمة والالتزام، ومدافعة المجرمين واللئام، ودليل ذلك في قوله تعالى:

" وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ " المؤمنون (60، 61).

فإن الوجل من عدم القبول قد دفعهم لمزيد من المسارعة في الخيرات، والاجتهاد في الطاعات؛ عسى أن يتقبل ربُّنا بعضها، فنكون من الفائزين.

وأما خوف الوعيد؛ فإنَّ أية إطلالةٍ على صورةٍ من ألوان العذاب – كما عرضها القرآن- ترتعد منها الفرائص، وتَوْجَلُ منها القلوب، بل وتذرف منها العيون، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:

" فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ . يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ . وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ . كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ " الحج (19 – 22).

ولعل مصداق ذلك في قدرتنا اليوم على الصمود في وجه العدوان، والتصدي له، دون أن نهونَ لما أصابنا في سبيل الله، أو أن نضعف، أو أن نستكين؛ فإن الذين يركنون إلى الذين ظلموا تمسهم النار، فَلْيَقْضِ أعداؤنا ما هم قَاضون، إنما يقضون هذه الحياة الدنيا.

إن الذين يخافون مقام ربهم، ويخافون وعيده، هم الموصوفون بالصالحين حيناً، وبالعابدين حيناً آخر، وبالمتقين كذلك، واقرؤوا في ذلك قول الله تعالى:

" وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ . إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ " الأنبياء(105، 106)

" قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " الأعراف (128).

 إن المراد بالأرض في هذه الآية مهما كان عاماً؛ فإن أرض فلسطين تدخل فيه دخولاً أولياً؛ فإن بني إسرائيل إنما ورثوا مشارق الأرض ومغاربها التي بارك الله فيها، ومن المُسَلَّمات أن الأرض المباركة هي بيت المقدس وأكنافه، يوم كان فيهم أمةٌ يهدون بالحقِّ، وبه  يعدلون، فقد جعل الله منهم أئمة يهدون بأمره لما صبروا، وكانوا بآياتنا يوقنون، فكانوا بذلك خِيرةَ العالمين في ذلك الزمان، فاستحقوا أن يرثوا أرض فلسطين؛ ليطهروها من القوم الجبارين؛ أي الظَّلَمة الفَجَرة، ثم أفسدوا فَأُخْرِجوا منها، حتى جاء جيل طالوت وداوود عليهما السلام، فأعادا الخلافة الإسلامية إلى أرض فلسطين.

لذلك فإن آية الأنبياء تؤكد بالقَسَم أن الزبور قد جاء مؤكداً لما نزل في التوراة أن الأحقَّ بوراثة الأرض هم الصالحون، وإن أرض فلسطين تدخل فيها بالأولوية.

ومن هنا فإن أرض فلسطين ليست للمساومين ولا للمزاودين الذين لا زالوا يتربصون المناسبات؛ كيوم الأسير، أو عيد العمال، أو ذكرى الاستقلال، أو النكبة، أو النكسة – كما أسموها-؛ ليثيروا الشغب، ويحركوا الشعب؛ بهدف مصادرة الأمن، وإرباك الإدارة، وتلويث صورة الدعوة، وضعضعة المقاومة، غير أن أكابر مجرميها إذا مكروا فيها فما يمكرون إلا بأنفسهم، وما يشعرون.

ومَنْ رام تحرير فلسطين فَلْيَبْنِ الأجيال على الصلاح والتقوى، وخوفِ مقام الله والوعيد، فقد وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً؛ إنه كان وَعْدُهُ مَأْتِيَّا.

 

والحمد لله رب العالمين

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .