هل تجرد كارتر الأمريكيّ لمهمة المطعم بن عديّ، أو لهمة الرجل القبطيّ

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 597
هل تجرد كارتر الأمريكيّ لمهمة المطعم بن عديّ، أو لهمة الرجل القبطيّ

بسم الله الرحمن الرحيم

هل تجرد كارتر الأمريكيّ لمهمة المطعم بن عديّ، أو لهمة الرجل القبطيّ

 د . يونس الأسطل

 

( وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( (القصص:20).

   أبدى الرئيس الأمريكي الأسبق – الراعي لمصيبة كامب ديفيد الأولى – شيئاً من المرونة في النظرة إلى حركة المقاومة الإسلامية حماس؛ فَأَقَرَّ أنها حركة تحررٍ وطني، وليست عصابة إرهاب، وأنها قد فازت بثقة الشعب الفلسطيني، واكتسبت الشرعية في منافسةٍ نزيهةٍ، لا يضاهيها في ذلك أية انتخابات أخرى، كان عليها كارتر من الشاهدين، فقد تَرَأَّسَ ما يربو على ثمانمائة مراقب، قدموا من الخارج؛ ليشهدوا الاقتراعات التشريعية، ثم يشهدوا لها أو عليها، والحقُّ ما شهدت به الأعداء، فقد سَجَّل شهادة تاريخية نعتزُّ بها، تنطوي على أن مجمل ما وقع من خروقاتٍ في الانتخابات لا ترقى إلى درجة الإدانة أو الطعن في نتائجها، فهي بهذا تمثل الإرادة الحقيقية للناخبين، وتعني أن الفلسطينيين يبايعون خيار الإسلام، ومنهج المقاومة، ويرفضون مسار التفريط في الحقوق أو الثوابت، ويثقون في أن حركة حماس أمينة على كل ذلك.

   ولم تختلف القضايا التي أثارها هذا الوسيط عما كان يثار في جولات اللقاءات مع المخابرات المصرية، فالحديث يدور حول التهدئة، وصفقة شاليط، ورفع الحصار، وكسر أقفال المعابر، وعودة الحاجات والسلع إلى التدفق على قطاع غزة، ثم يجري تسهيل حركة التصدير والمسافرين عبر الحدود، دون هيمنةٍ لليهود، أو حتى للمراقبين الدوليين، لكن الجديد في هذه المرة هو الجدية في تناول هذه الأزمات، فقد بدا من قبلُ أن الهدف من الحوار هو تطويل أمد الحصار؛ لعل الناس ينتفضون على الحكومة في غزة، ويطيحون بها، فيتحقق للاحتلال ما عجز عن تحقيقه في الشتاء الساخن، وبالقوة العسكرية، ومن ثَمَّ يعود أصحاب المقاطعة إلى القطاع، ويثأرون لما فقدوه من الكراسي والامتيازات، ويستأنفون دورهم اللَّحدي؛ تحقيقاً لأمن الاحتلال، وإحياءً لرسالة الخيانة في التعاون الأمني، والتجسس على أنفاس الشعب الفلسطيني، والدول المجاورة، فضلاً عن المجهود الواسع في العمالة العالمية.

   أما في هذه المرة، فالظاهر أن هذا الزائر كان مدفوعاً من الصهاينة؛ لإبرام تهدئةٍ مؤقتةٍ، تسمح بتمرير احتفالات الصهاينة بالعيد الستين لقيام الدولة، وتوفر الفرصة لمزيد من الإعداد لجولةٍ قادمةٍ من العدوان، فالصهاينة ينقضون عهدهم في كل مرةٍ وهم لا يتقون.

   لذلك فقد تَزَامَنَ الحوار مع تصعيد المقاومة، وتدبير عمليات نوعية جريئة؛ كتلك التي ضربت في معبر كرم أبي سالم شرقي رفح، أو في موقع نحال عوز شرقي غزة، وفي غيرها من المجابهات التي لم يسلم فيها الصهاينة من الخسائر والكمائن، وهو ما استدعى استهداف المدنيين والصحفيين والمساجد؛ إعراباً عن الهستيريا التي هيمنت على القرار الميداني للصهاينة، من قبل أن تطيح بالقادة المشرفين على مسرح التوغلات، الذين يعودون في كل مرةٍ بمزيد من القتلى، والعديد من الجرحى، وعددٍ من الآليات المجرورة، فقد تمكنت المقاومة من إعطابها أو نسفها، حيث تُسْتَدْرَجُ إلى مواطن العبوات المنصوبة، أو تزرع تلك العبوات في خطوطها الخلفية، فتصطادها وهي متقهقرة، بعد قرار الانكفاء إلى داخل حدود الأرض المحتلة.

  ولعل الهدف من التصعيد هو دعم المُحَاور الفلسطيني في كل المَحَاور المطروحة، حتى نعطي التهدئة من موقع العزة والاقتدار، وحتى يكسر الحصار بمثل هذا الانفجار؛ ليعلم الأشرار أنهم أعجز من أن يقتلوا شعب غزة بالموت البطيء، والحصار المحكم، والتلهي بالمفاوضات العبثية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

أما آية المقال فتتحدث عن رجلٍ من قوم فرعون، خرج لِتَوِّهِ من مجلسٍ قَرَّرَ فيه الملأ أن يغتالوا سيدنا موسى عليه السلام من قبل أن يكون نبياً بعشر سنين، ذلك أنه نشأ في قصر فرعون، ودخل المدينة يوماً على حين غفلةٍ من أهلها، فوجد فيها رجلين يقتتلان، أحدهما من شيعته، والآخر من عدوِّه، فاستغاثه الإسرائيلي، فوكز القبطيَّ فقضى عليه، وبقي القاتل مجهولاً، لكنه في اليوم التالي وجد نفس الرجل يشتبك مع قبطيٍّ آخر، فما كان منه إلا أن أَنَّبه على ما يتورط فيه من الغيِّ الواضح، ثم اقترب منهما لينصر أخاه، فظنَّ الإسرائيلي أنه قَدْ هَمَّ به، لا بخصمه، فجرى على لسانه: (يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ ( (القصص: من الآية 19).

لقد جاء ذلك الرجل يسعى؛ حتى لا يسبقه الزبانية، فيقتلوا موسى، فقدَّم له نصيحة، وأفشى له سراً، وأرشده إلى الخروج أو الهروب من مصر إلى منطقةٍ لا سلطان فيها للفراعنة، وقد أخذ سيدنا موسى بتلك الموعظة، وتوجَّه تلقاء مدين راجياً أن يهديه ربُّه سواء السبيل، وقد كتب الله تبارك وتعالى له الأمن والنجاة، بل والتأهل بالزواج عشر سنين، من قبل أن يفكِّرَ في الإياب، فَيُكَلَّفَ في أثناء الطريق بالدعوة والرسالة.

أما ( كارتر ) فقد جاء من وراء البحار يسعى، وهو يعلم أن الملأ يأتمرون بنا ليقتلونا، ففي بلده كان اللقاء الذي ضَمَّ مائة خبير استراتيجي لوضع أفضل السبل في إنقاذ الصهاينة من ورطة انتفاضة الأقصى المتصاعدة، فأشاروا بدمج حماس في السلطة، ذلك أن حصولها على ثلث المقاعد في التشريعي لن يؤثر في القرار، ولكنها مضطرة إلى احترامه أو التزامه، وعند المصادقة على توقيف المقاومة، فإمَّا التزمتْ بها، أو أعطت الذريعة للانقضاض عليها، ولن يكون حالئذٍ عملاً إجرامياً من أجهزة السلطة، بل هو تطبيقٌ أمينٌ لتأديب الخارجين عن القانون.

ومع أن الانتخابات البلدية قد أعطت المؤشرات على حجم التأييد الشعبي لحركة حماس، إلاّ أن الذين غلبوا على أمرهم قد مَضَوا في الانتخابات التشريعية بعد التلكؤ بضعة أشهر، لعلهم يخرجون من الأزمة، ويُصَدِّرونها للحركة.

   فلما وقعت الواقعة، وفازت الحركة بثلاثة أخماس الجمهور كان التدبير في واشنطن بحصارها لتغرق في الحكم، وتعلن الانسحاب والتوبة، فلما مضت المدة المقررة للهزيمة، وهي ثلاثة قروء، كان التفكير في الفوضى الخَلاَّقة، حتى إذا بدا أن الحكومة يوشك أن تُحَجِّمَ المنفلتين كان الذهاب إلى مكة، والْتقاط الأنفاس لجولةٍ جديدة، وقد انتهت بكنس المفسدين من غزة بالكلية، فكان لا بُدَّ من تشديد الحصار، فلما لم يفلح في تحقيق أهدافه كان افتعال أزمة الكهرباء، وتقليص الأقوات، والتوقف عن توريد الوقود والمواد الأولية اللازمة للصناعة والإنشاءات، فاندفعت الجماهير تلقاء العريش أياماً معدودة، وعاد الحصار من جديد، حتى كانت القناعة بأن التصعيد ضد الاحتلال هو أمثل السبل في كسر القيد، وفتح المعابر.

   من هنا كان الإيعاز لمهندس كامب ديفيد أن يَشُدَّ رحاله إلى المنطقة للوصول إلى تهدئةٍ يتدبرون فيها أمرهم، بعد أن أعيتهم الحيلة طيلة عامين كاملين، ولئن كان الصهاينة في حاجةٍ آنيّةٍ للهدنة فنحن في حاجة إليها كذلك، لكنها لن تُعْطَى مجاناً هذه المرة، فإما أذعن الصهاينة لشروطها العادلة، أو فلينتظروا أن يأتيهم الاستشهاديون من حيث لا يحتسبون.

   صحيفة المقاطعة، فكوَّنَ جبهة خماسية، وقاد الانتفاضة على زعماء المقاطعة، وأعانهم الله بإرسال الأَرَضة، فأكلت الوثيقة وأراحتهم من مغبة اقتحام الكعبة، وتفتيت تلك الورقة.

إن جميع الأطراف التي تلتقي على العداء للإسلام، وترفض أن تكون حركة حماس شريكاً في القرار، قد باتتْ مقتنعةً أنها أعجز من أن ترى تلك الحركة مقتلعة من النظام السياسي، وأن الواجب هو التأقلم مع هذا المرض المزمن، فلعل مقبل الأيام أن يتمخض عن حيلةٍ تحقق أمل اليهود والأمريكان والعربان في اجتثاثنا من فوق الأرض، ولكنها آمال الفَرَاش، وأحلام العصافير، فقد استوى غرس الحركة على سُوقِه، يعجب الزُّرَّاع، ليغيظ الله بنا الكفار؛ إنه على كل شيء قدير، وقد أحاط بكلِّ شيءٍ علما.

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .