من يلي في السقوط ابن علي ممن لا زال فوق الأعناق يعتلي؟!

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 715
من يلي في السقوط ابن علي ممن لا زال فوق الأعناق يعتلي؟!

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( من يلي في السقوط ابن علي ممن لا زال فوق الأعناق يعتلي؟! )

 

]  وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا . وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا [

(الكهف:42، 43)

تمكن الشعب التونسي من أن يتنفس الصعداء بعد خمسين سنة من التغريب، قضى ما نَافَ على نصفها تحت سوط بورقيبة، ثم سلخ ثلاثاً وعشرين سنة مريرة تحت سيف زين العابدين بن علي، والقاسم المشترك بين الاثنين، على الرغم من أن الثاني قد أزاح الأول، أو أطاح به في انقلاب أبيض، أن كلاً منهما كان مؤمناً بوجوب تغريب تونس؛ حتى تصبح الحياة فيها نموذجاً لنمط الحياة في باريس، ومعظم أوروبا، مع ضرورة محاربة مظاهر التدين، إلى درجة منع رفع الأذان في مكبرات الصوت في المساجد؛ بحجة أنه نوع من التلوث السمعي، ومنع المحجبات من دخول الجامعات، وكل ما يعود للحكومة من مؤسسات، وإطلاق العنان للمومسات، وغير ذلك من السيئات.

ولم يكن كثيرٌ من الشعوب أحسنَ حالاً من التونسيين بفارقٍ ملموس، فالكلُّ في الهمِّ سواء، ومن هنا حاولتْ بعض الشعوب أن تحاكي شرارة تلك الثورة، فأقدم أكثر من شخص في بعض الدول العربية على إشعال النار في أجسادهم؛ لعل ذلك يكون سبباً في هروب الطاغية، وحصول التغيير، ولو في النِّصاب اليسير، ومع أنني لا أجيز لأحدٍ أن يقتل نفسه أبداً إلا لضرورة العمليات الاستشهادية، عندما تنحصر النكاية بالعدو فيها؛ فإن القتل للنفس في غير الجهاد موجب للخلود في النار؛ فلا تيأسوا من رَوْحِ الله؛ فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، كما لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون، ومع ذلك فإنني أرجو لأولئك المحترقين أن يغفر الله لهم اجتهادهم.

فإذا الْتفتنا إلى آية الكهف وجدناها تتحدث عن مصير صاحب الجنتين؛ ذلك أن هناك صاحبين، أعطى الله أحدهما جنتين من أعنابٍ، وحففناهما بنخل، وجعلنا بينهما زرعاً، كما يقول ربنا تبارك وتعالى، وقد آتتْ كلتا الجنتين أُكُلَها، ولم تظلم منه شيئاً، فقد جاء ثَمَرُها وتَمْرُها كاملاً غير منقوص، وفَجَّر الله جل وعلا بينهما نهراً، وجعل لذلك الرجل أنواعاً أخرى من الأموال والاستثمار، فاغترَّ بكل ذلك، فقال: ما أظن أن تَبِيدَ هذه أبداً، وما أظن الساعة قائمة، وعلى فَرَضِ حصول البعث والنشور؛ فإن ما ينتظرني هناك من النعمة خيرٌ من هاتين الجنتين، فقد استدل بالعطاء الدنيوي على الرضوان الإلهي، وهذا دَيْدَنُ المشركين، فهم الذين يقولون: نحن أكثر أموالاً وأولاداً، وما نحن بمعذبين، ويقول أحدهم إذا أذاقه الله نعماء بعد ضراء مسته: هذا لي، وما أظن الساعة قائمة، ولئن رُجِعْتُ إلى ربي؛ إن لي عنده لَلْحُسْنى.

وأما الآخر فقد آتاه الله العلم والإيمان، فما كان منه إلا أن عاتب صاحبه على الإلحاد في الله، وجحود اليوم الآخر، ثم صدع بإيمانه بالله وحده، وكُفْرِه بما كانوا به يشركون، وأضاف: إن صاحبه إذا كان قد تفاخر عليه بكثرة المال والولد، فليعلم أنه قد أوتي الإيمان، وهو خير من جنتي صاحبه، كما يرجو أن يكون من أهل الجنة في الآخرة، كما تَأَمَّل في الله أن يهلك تلكما الجنتين؛ بأن يرسل عليهما وابلاً من المطر فيغرقهما بكفره، وتصبح صعيداً زلقاً أو أن يصبح الماء فيهما غَوْراً، فلن يستطيع له طلباً.

وقد أخبر سبحانه أنه قد أهلك ثمره وأمواله جزاء كفره وجحوده، فلما أصبحت خاويةً على عروشها جعل يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ندماً على ما أنفق فيها، وحسرةً على ما فاته من متاعها، ويتمنى أن لو كان مؤمناً، فلم يشرك بربه أحداً، وقد ذهبت أمواله كما ذهبت كُنوزُ قارون، ولم تكن لأيٍّ منهما فئةٌ ينصرونه من دون الله، وما كان منتصراً، ولاتَ ساعةَ مندم.

هكذا هي الدنيا، تقول لأهلها: حذارِ حذارِ من بطشي وفَتْكي، فلا يَغْرُرْكُمُ مني ابتسامٌ، فَقَوْلي مُضْحِكٌ، والفعل مُبكي، ومَنْ سَرَّه زمن ساءته أزمان، فما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عند الله زُلْفى؛ إلا مَنْ آمن وعمل صالحاً، فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا، وهم في الغرفات آمنون، وهل يحسب الذين كفروا أن ما يمدهم الله به من مالٍ وبنين يسارع لهم في الخيرات؟!، إنما يملي لهم ليزدادوا إثماً، وإنما يؤخرهم ليومٍ تشخص فيه الأبصار، مسرعين إلى الحشر، مطأطئي رؤوسهم، لا تُغمض أعينهم، وأفئدتهم فارغة من شدة الأهوال، إلا من التفكير في  نجاة نفسها، وأَنَّى لهم التناوش من مكان بعيد؟!!.

إن ابن عليٍّ التونسي بل المتعوسي كان يظن أن يظل في السلطة مدى الحياة أسوةً بمعظم الملوك والزعماء العرب، ومحاكاة لصاحب الجنتين، وبكثير من المتألهين في الحكم، ولو كانوا يعقلون لاتَّعَظوا بغيرهم، ولأيقنوا أنها لو دامت لغيرهم ما وصلت إليهم، ومهما طال الزمن فإنهم عنها مرتحلون، ولسوف يُسْأَلون: كم لبثتم في الأرض عددَ سنين؟!، ويكون جوابهم: لَبِثْنا يوماً أو بعض يومٍ، فاسألِ العادِّين، وعندئذٍ يقال لهم: فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، واليومَ ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا، فذوقوا مَسَّ سقر، ولو أن لكلِّ نفسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافْتَدَوْا به  من سوء العذاب يوم القيامة، وبَدَا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون؛ فإن يصبروا فالنار مثوىً لهم، وإن يَسْتَعْتِبوا فما هم من المُعْتَبين، ما لم يكونوا في الدنيا أمثال أصحاب الجنة في سورة القلم التي أصبحت كالصريم؛ لعزمهم على حرمان المساكين، وكان عاقبة أصحابها أن قالوا: يا ويلنا إنا كنا طاغين، عسى ربنا أن يبدلنا خيراً منها؛ إنَّا إلى ربنا راغبون.

إنه من المفيد أن أشير إلى تزامن هُويِّ ابن عليٍّ في وادٍ سحيقٍ مع كَبْكَبةِ الحكومة اللبنانية، ويتساءل الناس: من الذي عليه الدَّوْرُ في الصَّغار والبوار أمام زحوف الأحرار؟!، مع اليقين بأن هذا مصير الجميع، والقضية مسألة وقت، فهل يَعُونَ هذا القَدَرَ الرباني فيهم، فيكونوا كَبلْقيسَ التي قالت: ربِّ إني ظلمتُ نفسي، وأسلمتُ مع سليمانَ لله ربِّ العالمين، أم على قلوب أقفالها؟!.

 

إن غداً لناظره قريب

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .