من قريش إلى بُويش : أموال ضائعة و هزائم ذائعة

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 666
من قريش إلى بُويش : أموال ضائعة و هزائم ذائعة

في رحاب آيـة

د. يونس الأسطل

 

( من قريش إلى بُويش : أموال ضائعة و هزائم ذائعة )

 

) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ( الأنفال ( 36 )

 

        أشارت بعض التقارير إلى أن نفقة الحرب على الإسلام باسم الإرهاب قد بلغت خمسة أضعاف ما كان مُقَدَّراً لها, منذ قررت إدارة المتخلف الجمهوري غزو أفغانستان, ثم العراق, فقد ذهبت أحلامه الطفولية إلى الاقتناع بأنه قادر بما لديه من الأساطير و الأساطيل أن يُحْكِمَ السيطرة على المنطقة الشاسعة من بحر قزوين إلى الرافدين؛ حيث دجلة و الفرات, ذلك أنه بعدئذٍ يضع قبضته على ثلث احتياطي العالم من النفط, فيسترد نفقاتِ الحرب, و يُمِدُّ خزائنَهُ بشلَّالٍ من المال, يتمكن به أن يستخفَّ العالم, فيطيعوه, حين يدعي أنه ربهم الأعلى, فبيده خزائن المال, و أنهار الوقود تجري من تحته.

        و لم يَدُرْ بخلده أن عدوانه الصارخ سوف يستفزُّ الطاقة الكامنة في الأمة المستكينة, فتنبعث مقاومة صلبة لرجالٍ أولي قوة و أولي بأس شديد, يجاهدون في سبيل الله, و لا يخافون لومة لائم, فهم أذلة على المؤمنين, أعزة على الكافرين؛ فإن الله قد حَرَّضهم على القتال في سبيله لمن يلونهم من الكفار, و لْيجدوا فيكم غلظة, فكيف إذا جاسوا خلال ديارنا, و استباحوا حرماتنا, فصار جهادهم فرضَ عين على الجميع, باستثناء الضعفاء و المرضى إذا نصحوا لله و رسوله؟!.

        إن المتوقع أن تَكْنُسَ صناديق الاقتراع الوشيك الحزب الجمهوري, و أن يكون قرار الحزب الديمقراطي توقيف نزيف الحرب للمال و الرجال؛ فإن كل يوم من الاحتلال يشهد وَأْدَ المزيد من الجنود الأمريكان و حلفائهم, كما أن قوات طالبان قد تمكنت من تحرير ولاياتٍ بأكملها من الأحزاب, و من القوات الأفغانية العميلة, و لا يكاد يمر أسبوع دون أن نسمع عن كمائن كبرى وقعت فيها قوات الاحتلال هناك, أو هنا في العراق, و قد كانت ديون الحرب التي لم تقف عند حَدٍّ, و لا أحدَ يقدر على التكهن بما تحتاجه إلى أن يرفع الأمريكان راية الهزيمة, بعد أن تنكس المقاومة أعلام الخرب .. , قد كانت تلك الديون أحد أهم الأسباب من وراء انهيار الرأسمالية الأمريكية, حيث استطاعت فرض عولمة اقتصادية؛ بحيث أمسى معظم الاقتصاد العالمي متوكئاً على الدولار, متورطاً في امتلاك الأسهم المُرَقَّصة في البورصات الأمريكية, ثم الأوروبية الصليبية.

        أما هذه الآية فتتحدث عن نَفَرٍ من قريش, ممن وُتِروا يوم بدرٍ, فقتل آباؤهم, أو أبناؤهم, أو إخوانهم, أو بعض عشيرتهم, فاقترحوا على أصحاب الأموال في عِيرِ أبي سفيان, بعد إذْ نجت, أن يتبرعوا بجميع ما فيها لتمويل معركة تثأر لقتلى بدر, و تكسر شوكة المؤمنين, و تُؤَمِّنُ طريق الشام في رحلة الصيف, و لم يجدوا عناءً في إقناع أصحابها بالخروج عنها, فأنزل الله جل جلاله هذه الآية, و كانت إحدى معجزات القرآن, فقد أخبر مسبقاً بنتيجة المعركة, فكان من الإخبار بالغيب قبل وقوعه؛ ذلك أن أصحاب القافلة قد رضوا بالسماح بها, فَأَعَدُّوا لذلك ثلاثة آلاف مقاتل, و توجهوا تلقاء المدينة, و قد نزل النبي صلى الله عليه و سلم عند رأي القائلين بالخروج لملاقاتهم عند أُحُدٍ, فَغَدَا من أهله يُبَوِّئُ المؤمنين مقاعد للقتال, و قبل أن ينتصف النهار كان الله عز و جل قد صدقكم و عده؛ إذ تَحُسُّونهم بإذنه, فألقوا أحمالهم, و وَلَّوْا مدبرين, فانشغل المسلمون بجمع الأسلاب, فصار منهم من يريد الدنيا, فَغَيَّرَ الله أحوالهم, فإنه لم يَكُ مُغَيِّراً نعمة أنعمها على قومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم, ثم صرفكم عنهم ليبتليكم, و لكنكم استجبتم لله و الرسول من بعد ما أصابكم القرح, فطاردتم أبا سفيان إلى حمراء الأسد, و رضي من الغنيمة بالإياب, و الأهم أنها كانت عليهم حسرةً, فقد ضاعت الأموال, و لم يحققوا أهداف الحرب, فَغُلِبوا هنالك, و انقلبوا صاغرين, على الرغم من أنهم قد تمكنوا من إلحاق وعكةٍ عسكريةٍ بنا, ظلَّتْ آثارها فينا عدد سنين, فقد طمع كثير من العرب أن يأخذونا على حين غفلة, فوقعت بعض الفواجع, و لم نتمكن من تأديب أهلها إلا في بضع سنين, خاصة بعد تأمين الجبهة القرشية, و التفرغ ليهود خيبر و الغادرين.

        إن الآية تبشر بما ينتظر الأعداء من تقليب أكفهم على ما أنفقوا فيها, و هم لا يُنْصَرون, ثم ذكر السياق أن العقاب الدنيوي لن يغني عن العذاب الأخروي, فهم إلى جهنم يحشرون؛ ليميز الله الخبيث من الكافرين و المنافقين, فلا يكونوا كالمؤمنين الآتين آمنين يوم القيامة, و بعد ذلك يجعل الخبيث بعضه على بعض, فيركمه جميعاً كالقمامة, فيجعل أصحابه في جهنم, و تلك أكبر الهزائم و الخسائر؛ فإن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم و أهليهم يوم القيامة, ألا ذلك هو الخسران المبين.

        و لعل النفوس قد تاقت لمعرفة كيف يميز الله الخبيث من الطيب حين ينفق الذين كفروا أموالهم ليصدوا عن سبيل الله؟.

        إن الجواب يتلخص في أن  الحرب المشنونة علينا تستدعي الدفاع و المقاومة, فأما الذين آمنوا فيعلمون أن النفير خفافاً و ثقالاً, و الجهاد بالأموال و الأنفس في سبيل الله, خيرٌ لهم, فيطلبون الجنة بالجهاد و المصابرة, و لا يهنون لما أصابهم في سبيل الله, و لا يضعفون, ولا يستكينون, بل لا يهنون في ابتغاء القوم إيماناً منهم بأنكم إن تكونوا تألمون, فإن أعداءكم يألمون كما تألمون, و ترجون من الله ما لا يرجون.

        و أما المنافقون فإنهم إذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يُغْشَى عليه من الموت, لذلك فإنهم يعتذرون عن الخروج و يرضون  بالقعود مع الخالفين, و ربما قالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم, بل إذا دُخِلَتْ عليهم من أقطارها, ثم سُئِِلوا الفتنة لآتوها, و ما تَلَبَّثوا بها إلا يسيراً, و قد كان من سنة الله ألًَّا يَذَرَ المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب, و عندئذٍ يجعل الفريقين في جهنم كالقاذورات المتراكمة, و لا عجب في ذلك فالمشركون نجسٌ, و هم للكفر أقرب منهم للإيمان, بل إنهم حين يسارعون في ولاء اليهود و النصارى إنما يسارعون في الكفر, يريد الله بذلك ألَّا يجعل لهم حظاً في الآخرة؛ لأنه لم يُرِد أن يطهر قلوبهم.

        لقد جَهِدَ أعداء الله من لدن نوح و النبيين من بعده أن ينفقوا أموالهم ليصدوا عن سبيل الله, سواء كان هذا بتجييش الناس ضدَّ العقيدة و الشريعة, أو كان بالإغراء بالمال؛ ليكونوا مرتزقة في جُنْدِ الأحزاب, أو ليرتدوا على أعقابهم بعد إذْ هداهم الله, كما تفعل الحكومات اليوم حين تغري كثيراً من أصحاب الفكر و القلم لترويج الباطل بالوظائف و المناصب, أو حتى تحت طائلة الوجل من نشر الملفات غير الأخلاقية, حين يدسون إلى ضعاف النفوس بعض البغايا, و يقومون بتصويرهم من حيث لا يعلمون, ثم يكون التخيير بين الارتباط أو الافتضاح, فيشيب أحدهم و نفسه خبيثة؛ لأن ملف السقوط يتضخم مع الأيام, حتى يكون ممن اتخذ إلهه هواه, و أضلَّه الله على علمٍ, و ختم على سمعه و قلبه, و جعل على بصره غشاوة, فران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.

        إننا اليوم أعمق إدراكاً لمدلول هذه الآية, و نحن نشهد انهيار النظام المالي الربوي, ليس للأمريكيين و الصليبيين وحدهم, بل طال ذلك كلَّ المنافقين أو المرتدين الذين ساروا في ركبهم طوعاً أو كرهاً؛ رغبة في إطفاء نور الله في الأرض, و إضعاف المؤمنين, لكننا نشهد الحدث الكبير, و الهزيمة المذلة للإمبراطورية التي يكاد يخرُّ عليهم سقفها من فوقهم, و قد أتاهم العذاب من حيث لا يشعرون, و لسوف يسقط بسقوطهم الكيان الصهيوني و كثير من الأنظمة العربية و الإسلامية و العالمية, إن شاء الله تعالى.

 

و ما ذلك على الله بعزيز

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .