مكرُ فرعونَ وهامانَ وقارون بموسى وهارون قد أَرْدَاهُم في الصَّغار والعذاب الهُون

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 727
مكرُ فرعونَ وهامانَ وقارون بموسى وهارون قد أَرْدَاهُم في الصَّغار والعذاب الهُون

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( مكرُ فرعونَ وهامانَ وقارون بموسى وهارون قد أَرْدَاهُم في الصَّغار والعذاب الهُون )

 

 ] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ  [

الأنعام (123)

ليس سهلاً على فلول الأنظمة عندما تنهار قيادتهم أمام المدِّ الثوري الشعبي أن يستسلموا للأمر الواقع؛ إذْ ما تكاد تصحو من هول الصدمة حتى تشرع في الكيد لإفشال الثورة، أو ما يُسَمَّى بالثورة المضادة، ولا شكَّ أن سلاح الإعلام، وتشويه دوافع الثورة، وسَلْقِ رموزها بألسنةٍ حِداد، ثم اختلاق الإفك، وشيطنة كل تصريحٍ أو سلوك، وغير ذلك من زخرف القول والغرور، كل أولئك هي أدوات المطروحين أرضاً في الاحتيال؛ لاسترداد الملك المفقود، والمجد الموؤود.

ومن الملاحظ أن ما يجري اليوم على أرض الكنانة يكاد يكون نسخة طبق الأصل لما حصل عندنا من اليوم الأول لظهور نتائج الانتخابات التي جرت في الخامس والعشرين من كانون الثاني لعام 2006م، وهو اليوم الذي شهد انطلاق الثورة المصرية، وعمودُها الفَقْرِيُّ شباب الإخوان وقياداتهم، ولكنْ بعد خمس سنين، أعني في عام 2011م.

لقد تنكر فلول السلطة لتلك الانتخابات، وراحوا يضعون في طريقها جلاميد الصخور، فقد تعمَّدوا تأخير عقد جلسة القَسَم، وتسليم التشريعي؛ ريثما الْتَأَمَتْ جلسةٌ طارئة لم يتحقق لها النَّصاب، وقَرَّرتْ اغتصاب صلاحيات المجلس، بما يشبه قرار حَلِّه وإلغائه، ثم اهتبل رئيس السلطة الأيام الأربعة التي سبقت تلك الجلسة؛ ليصدر عدداً من القرارات بقانون محاولاً الإجهاز على كثيرٍ ممَّا تبقى من صلاحيات المجلس، أو أدوات الحكومة، ثم ما لبثوا أنْ أقدموا على تسكيناتٍ وظيفية، وتعبئة الشواغر، والترقيات غير القانونية؛ بما يرهق كاهل الحكومة القادمة، ويجعلها عاجزةً عن إدارة الأمور؛ لعلها تدير ظهرها للثقة الشعبية، وترفع راية الهزيمة، وتفسح الساحة للشرذمة المركولة التي لا يريد أكثر الناس أن تظلَّ ممتطية أعناقهم، ممتصة أرزاقهم.

ثم إنهم لمَّا لم يفلحوا كان قرار الحصار بألوانه العديدة، والفلتان بوجوهه الكالحة، وقد شاركهم الاحتلال بالإقدام على اختطاف نواب الضفة الغربية، فقد ناف المختطفون منهم على أربعين نائباً، فضلاً عن الذين انتخبوا وهم أسرى، ولا زالوا في القيد إلى اليوم، بينما قام بفكِّ وثاق المختطفين بعد ثلاث سنين أو أربع، ولم يَلْبَثْ أكثرهم إلا أسابيع معدودة قبل أن يجدد العدو جرائمه بإعادة وضعهم في الأغلال من جديد، ولا شكَّ أن الأطراف المعرقلة للتجربة لها مصلحة كبرى في إحداث ذلك الاختلال في تركيبة المجلس، سواء كان ذلك بالتواطؤ مع إخوانهم في التنسيق الأمني، والتعاون العسكري، أم جاء ذلك من باب: (مصائب قومٍ عند قوم فوائدُ).

ولا زال القوم متعلقين بالأوهام متمنين أن يستطيعوا حيلة، أو يهتدوا سبيلاً؛ لإخراجنا من البوابة نفسها التي دَلَفنا منها إلى الشراكة السياسية، وهو السرُّ في إفشالهم كل جهود المصالحة والوحدة، ألم تَرَوْا إلى تلكؤ رئيس السلطة في توحيد الحكومة حتى يطمئن إلى الجاهزية التامة للانتخابات؛ لعله يختطف الأغلبية بأيِّ حيلة؛ اجتراراً لتجارب كثير من الأنظمة العربية، وخاصة تجربة الحزب الحاكم في الجزائر مؤخراً؟!

إن المجلس العسكري في مصر، والرئيس العجوز للحكومة المعينة من قِبَلِهِ، قد استبقوا الانتخابات الرئاسية، فأغرقوا مصر في الديون أضعافاً مضاعفة، لاسيما رؤوس الأموال التي تمكنوا بها من المزاحمة على ما يداني نصف الأصوات؛ فضلاً عن الترقيات والوظائف والتسكينات، وغيرها.

ثم إن ما جرى استباق الأحداث به من المحاكمة الهزلية لمبارك، وما هو بمبارك، ووزير داخليته العادلي، وما هو بعادلي؛ إلا من العدول عن العدل في الحكم، وعن العدالة في السلوك والمناقب، ثم الإقدام على تبرئة بقية الجوقة؛ بدعوى التقادم في الدعوى، وغير ذلك من صور الاحتيال على حقوق الضحايا، ومن مجمل الجرائم السياسية التي بَدَّلوا بها نعمة الله كفراً، وأحلُّوا قومهم دار البوار.

ثم كانت مظاهر الانقلاب الكبرى، من مثل إسقاط قانون العزل السياسي، والإقدام على إلغاء شطر الاقتراع التشريعي، وحل البرلمان الذي يمثل شرعية الأغلبية، وكذلك الإعلان الدستوري المكمل الذي جرى تصديره عشية الشروع في فرز الأصوات لمصادرة كثير من صلاحيات الرئيس، بعد أن غلب على ظنهم أن أحمد شفيق ستهوي به الصناديق في مكانٍ سحيق، ولا زال في جعبتهم الكثير مما تخبئه الأيام، وقد بدا منها زعمهم بأن شفيق قد انتزع الأغلبية، والعياذ بالله.

إن مما لا ينقضي منه العجب أن يجري اجتراح نفس السياسة التي فشلت في غزة وفلسطين، وهو ما يبشر بأن جهودهم في إطفاء نور الله في مصر، وحرمان الشعب هناك من تنفس الحرية والكرامة، أو الرجوع سيرته الأُولى في قيادة الأمة العربية والإسلامية، وأن يكون هَدَّافاً في مرمى الشِّباك الدولية، كل ذلك سيبوء بالفشل؛ فإن أعداءنا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها، ثم تكون عليهم حسرة، ثم يغلبون.

أما آية المقال فتخبر أن أكابر مجرميها في مكة ليسوا بِدعاً في التاريخ، بل إن جميع القرى، أو المدن الكبيرة، قد شهدت وجود هذا النموذج من شراذم البشر الذين مكروا مكراً كُبَّاراً، وإنْ كان مكرهم لتزول منه الجبال، ولكنِ انظرْ كيف كان عاقبة مكرهم أن الله جل جلاله قد دمَّرهم وقومهم أجمعين، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا، فلا يحيق المكر السَّيِّءُ إلَّا بأهله، والذين يمكرون السيئاتِ لهم عذابٌ شديد، ومكرُ أولئك هو يَبُور.

لذلك فإن أكابر مجرميها في كل بلدٍ حين يمكرون بالإسلام وحملته؛ ليصدوا الناس عنه، ويضطهدوا مَنْ دعا إليه، والتزم بأحكامه؛ إنما يمكرون بأنفسهم من حيث لا يشعرون؛ وذلك بحسب ما ينتظرهم من الحساب، والعقاب، والعذاب، في الدنيا والآخرة، وهو ما بَشَّرتْ به الآية التالية لها في سياق سورة الأنعام:

"..سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ " الآية (124)

أما في الدنيا فالصغار هو عذاب الهزيمة، وزوال السيادة، والخوف، والأسر، والقتل، فضلاً عن الأسى على ما فاتهم من نعيمها؛ فإن الدنيا جَنَّةُ الكافر، وسِجْنُ المؤمن؛ فإننا نتربص بهم أن يصيبهم الله بعذابٍ من عنده أو بأيدينا، كما حصل لقريشٍ يوم بدرٍ وأُحُدٍ؛ فقد حصد اللهُ القويُّ المتين معظم أكابار مجرميها فيها.

وأما في الآخرة فذلك يوم عسير على الكافرين غير يسير، بل هو عَبُوسٌ قمطرير؛ إِذِ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ما للظالمين من حميمٍ ولا شفيعٍ يطاع، يوم يرونه تذهل كل مرضعةٍ عما أرضعتْ، وتضع كل ذات حملٍ حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكنَّ عذاب الله شديد، يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذٍ للمجرمين، ويقولون: حِجْراً محجوراً، فكيف إذا أُلْقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين؛ فإنْ يصبروا فالنار مثوىً لهم، وإن يَسْتَعْتِبوا فما هم من المُعْتَبين؛ بل لهم فيها زفيرٌ وشهيق، وهم يصطرخون فيها: ربنا أخرجْنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل؛ فإن عُدْنا فإنا ظالمون، فيجابون: اخْسَؤُوا فيها، ولا تُكَلِّمون.

إن الفراعنة الأولين قد زعموا أن سيدنا موسى وهارون ما هما إلا ساحران يريدان أن يخرجا المصريين من أرضهم، ويذهبا بطريقتهم المثلى في مناهج الحياة والحكم، وأن المباراة مع السحرة مكرٌ مكروه بالمدينة؛ ليخرجوا منها أهلها، ولذلك فقد تَهَدَّدهم بتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأن يُصَلِّبَهم في جذوع النخل، وأن يمسهم بعذابٍ شديد دائم، فوقاهم الله سيئاتِ ما مكروا، وحاق بآل فرعون سوء العذاب في الدنيا، والبرزخ، والقيامة، ولن يفلت الفراعنة الجدد، وأحفاد هامان، وإخوان قارون، من كلِّ ذلك، فلن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً.

 

والله خير الماكرين

 

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .