وجــوب الإثخــان في أئمـة الفلتـان حفظـاً للوحــدة وتحـقيقاً للأمــــان

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 646
وجــوب الإثخــان في أئمـة الفلتـان حفظـاً للوحــدة وتحـقيقاً للأمــــان

في رحاب آيـة

د. يونس الأسطل

 

(وجــوب الإثخــان في أئمـة الفلتـان حفظـاً للوحــدة وتحـقيقاً للأمــــان)

 

]وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ[ ( النحل 92)

    على الرغم من أن منح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية قد كَلَّلَ اتفاقَ مكةَ المكرمة بالنجاح، إلا أن محاولاتِ التقويض مستمرة، إذْ من الليلة الثانية لِالْتئامِ الوفدين عند بيت الله المحرم كان اغتيال القائد المجاهد محمد أبي كرش، وبعد يومين من إعلانه كان اغتيال الداعية المجاهد محمد الغلبان، ولم تمضِ أيام حتى اغتيل المجاهد القسامي محمد الكفارني، وما كادت دماؤه تجفُّ حتى لَحِقَ به المجاهد القائد  علي الحداد، وكل أولئك قد حصدهم رصاص الغدر من فئةٍ تقاطعتْ مصالحها مع الاحتلال، فحرصتْ أن يصبح الاتفاق على التهدئة والشراكة كرمادٍ اشتدتْ به الريح في يومٍ عاصف.

    غير أن الحاقدين لم يقف نَهَمُهُم عند سفك الدماء؛ بل راحوا يخطفون الغرباء والأقرباء على حدٍّ سواء؛ ثم كانت الجريمة النكراء في تجدد الاشتباكات من الذين أُصيبوا بالهوس الأمني، فهم يحسبون كل صحية عليهم؛ بما قدَّمت أيديهم، ولو يؤاخذهم ربهم بما كسبوا لعجَّل لهم العذاب، وليأتينهم بغتةً وهم  لا يشعرون، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين.

    وإلى جانب الفلتان الأمني هناك جرائم مبرمجة؛ لإذكاء السرقات، وتجارة المخدِّرات، ولبيوت الخنا، وتزوير العملات، والإسقاط في حبائل الجاسوسية، وغير ذلك، بالإضافة إلى العديد من التصرفات المنافية لروح الاتفاق؛ كالاستمرار في ترقين قيود المتدينين من المنتسبين للأجهزة الأمنية، وإلغاء بعض القرارات داخل الوزارات، أو المراسيم الصادرة عن الحكومة العاشرة، وما إلى ذلك من أسباب الاحتقان والتوتر التي تجعلنا نمسي متخوفين من أن تعود المواجهة سيرتها الأولى، ونجد أنفسنا وقد رجعنا إلى نقطة الصفر، واضطررنا أن نتوسل التدخل العربيَّ؛ لامتصاص التراشق، واحتضان الحوار على اتفاق جديد، يعيدنا إلى استئناف خطوات الشراكة، بعد  أن قطعنا الشوط الأول منها، ولا زال أمامنا زمن طويل، وسفرٌ بعيدُ الشُّقة؛ حتى نرسخ مظاهره في معظم المفاصل السياسية، والله المستعان.

    أما هذه الآية فقد جاءت عقب الأمر بالوفاء بعهد الله إذا عاهدتم، وبعد النهي عن نقض الأيمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً؛ وهو الذي يعلم ما تفعلون من الوفاء أو النكث، جاءت لتأكيد النهي؛ فضربت المثل للناقضين بامرأةٍ خرقاء كانت بمكة، تشتغل بالغزل أول النهار، ثم تنقضه آخره من بعد قوة أنكاثاً، وهل يرضى أولئك القوم لأنفسهم أن يُشَبَّهوا بالمرأة الموصوفة بنقصان العقل؛ فضلاً عن أن تكون مخبولةً تفسد إنتاجها، وتضيع جهدها في كل يوم؟! ، ولكنْ ما ظنكم بمن جزم ربنا سبحانه بأنهم لا يسمعون ولا يعقلون، وأنهم كالأنعام؛ بلْ هم أضل سبيلاً؛ ذلك أن الأنعام تُسَبَّحُ بحمد ربها، ولكن لا تفقهون تسبيحها، ولا تدركون سجودها، فكلٌّ قد علم صلاتَه وتسبيحه.

    إن أمثال هؤلاء يتخذون أيمانهم ومواثيقهم دَخَلاً بينهم، وخديعةً ومكراً؛ خاصةً عندما يعثرون على أمةٍ يحالفونها، هي أربى وأزيدُ في العَدَدِ والعُدَدِ من الأمة التي عاهدوها؛ إذْ ينقضون عهدهم معها اغتراراً بتقلب الأخرى في البلاد، وقد كانت هذه عادتهم في الجاهلية الأولى؛ فهم يقيمون علاقاتهم على المصالح ، لا على المبادئ، ولو أنهم تعاهدوا أن يتعاونوا على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان؛ لما نقضوا عهدهم وهم لا يتقون.

    من هنا فإن ميثاق مكة إذا كان بدافع المصالح الفئوية الدنيوية كان على شفا جُرُفٍ هارٍ؛ فإن الصهاينة والأمريكان أربى من حركة المقاومة الإسلامية، وقد مكَّن لهم في الأرض ما لم يمكن لكم، فقد أمدَّهم الله بأموالٍ وبنين، وجناتٍ وعيون، ونَعْمةٍ هم فيها فاكهون، وقد خَرَجوا علينا في زينتهم، فقال بعضنا : ياليتَ لنا مثل ما أوتي قارون، أو فرعون وهامان؛ إنهم لذوو حظ عظيم !!.

    أما إذا كان دافع الاتفاق هو توحيد الجبهة الداخلية لصدِّ الهجمة الصهيونية، فأبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وإنها التجارة التي تنجيكم من عذابٍ أليم، وسيكون جوابنا لأعدائنا: أتمدوننا بمالٍ، فما آتانا الله خير مما آتاكم؟!؛ لأن الوحدة والقوة لا تُوزَنُ بمالٍ، ولو حِيزتْ لنا الدنيا بأسرها.

    وأما قوله سبحانه : (إنما يبلوكم الله به) فمعناه أنه قَدَّر أن تكون بعض الأمم أقوى من الأخرى؛ ليميز الخبيث من الطيِّب، فيعلم الذين صدقوا، ويعلم المنافقين، فيجزي الذين أساؤوا بما عملوا خزياً في الدنيا، وعذاباً في الآخرة، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى وزيادة.

     وفي الآيات اللاحقة عودة للنهي عن اتخاذ المواثيق دَخَلاً وفساداً بينكم؛ فإنه يترتب عليه غالباً أن تَزِلَّ قَدَمٌ بعد ثبوتها، وهي الردة؛ لأن من تَوَلَّى اليهود والنصارى فإنه منهم، وليس من الله في شيء، بل إنهم بهذا التقلب والغدر يصدون عن سبيل الله؛ فإن أكثر الناس يرون هذا الدين في سلوك أهله، فإذا أَلْفَوْا أنه لا يعصم المدَّعين التمسك به من الخيانة والخديعة زهدوا فيه، وانطلق الملأ منهم أنِ امشوا واصبروا على آلهتكم، فلا يذهبوا بطريقتكم المُثْلَى .

    ولئن حصل هذا، فزلَّتْ أقدامهم عن الصراط السوي، فاستحبوا الحياة الدنيا، وصَدُّوا عن سبيل الله، وابتغوها عِوَجاً؛ فقد تَوَعَّدهم ربهم أن يذيقهم السوء في الدنيا هزيمة وذلة، ويوم القيامة يردون إلى عذاب عظيم؛ ذلك أنهم حين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً يكونون قد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فما عندهم يَنْفَدُ، وما عند الله باقٍ، وما مثل الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع !! .

    ولا بد من التذكير بأن الله عز وجل لم يكتفِ بالترهيب والترغيب؛ بأن من نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً، بل أمر بالصرامة مع العابثين بعهودهم، الناكثين مواثيقهم، في سورتين متجاورتين، تشبهان أن تكونا سورةً واحدة، لذلك فإن عثمان رضي الله عنه لم يَفْصِلْ بينهما بالبسملة؛ فقد جاء في الأنفال : ] الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ* فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ[ ( الأنفال 56-57)

    إذ المعنى وجوب الإثخان فيهم حتى نجعلهم نكالاً لما بين أيديهم وما خلفهم؛ لإرهاب كل مَنْ تسوِّل له نفسه أن ينقض عهداً قائماً معنا، أو يفكر في معاهدتنا دَخَلاً ومكراً، فمن ذا الذي يرى ما حلَّ ببني قينقاع من الجلاء، أو ببني النضير، أو يعلم ما نزل ببني قريظة، حين أنزلهم الله من صياصيهم، وقذف في قلوبهم الرعب؛ فريقاً تقتلون، وتأسرون فريقاً، ثم يجترئُ أن يتلاعب بعهودنا، ويتخذها هزواً ؟!! .

    وأما التوبة فقال فيها سبحانه : ]وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ* أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ* قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [(التوبة 12-14).

    لذلك فالواجب على الشعب الفلسطيني، وعلى فصائله الموقِّعين على وثيقة الوفاق الوطني- وهي أصل برنامج الحكومة الجديدة – أن يقفوا صفاً واحداً، يرفعون الغطاء عن العابثين، ويضربون على أيدي الراغبين في عودتنا إلى الفتنة بعد إذْ نجَّانا الله منها، وأن تكون سطوتنا عليهم مُشَرِّدةً بهم من خلفهم؛ ممن يمكن لو سُئِلوا الفتنة لآتوها، وما تَلَبَّثُوا بها إلا يسيراً، فإننا إذا قاتلنا أئمة الجحود والخَيْسِ بالعهود؛ أخزاهم الله، ونصرنا عليهم، وشفا صدور الجميع، سواء منكم مَنِ اكتوى بنارهم، أو أزعجه فلتانهم، وفي ذلك إخزاء لليهود كذلك؛ فإنهم يتربصون بكم الدوائر؛ ليكملوا الإجهاز عليكم حين ينقصكم الفلتان من أطرافكم، فَتَهِنون وتَضْعُفُون وتستكينون وهم بهذا يحلمون، وفي طغيانهم يعمهون، وعلى شياطينهم يتوكلون، وأنتم بربكم تعتصمون، وهو نعم المولى، ونعم النصير.

وجوب التحريض على إنصاف التمريض وجوب التحريض على إنصاف التمريض
مشاهدات : 692 ، بتاريخ : 2013-03-10

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .